الصدق
[ ٤٣٣ ]
«عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ..».
الصدق بمعناه الضيق مطابقةُ منطوق اللسان للحقيقة، وبمعناه الأعم مطابقة الظاهر للباطن، فالصادق مع الله ومع الناس ظاهره كباطنه، ولذلك ذُكر المنافق في الصورة المقابلة للصادق، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ ﴾ [الأحزاب: ٢٤].
والصدق التزام بالعهد، كقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: ٢٣] والصدق نفسه بجميع معانيه يحتاج إلى إخلاص لله ﷿، وعمل بميثاق الله في عنق كل مسلم، قال تعالى: ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٧، ٨] فإذا كان أهل الصدق سيُسألون، فكيف يكون السؤال والحساب لأهل الكذب والنفاق؟
والصدق من الأخلاق الأساسية التي يتفرع عنها غيرها، يقول الحارث المحاسبي: (واعلم - رحمك الله - أن الصدق والإخلاص: أصل كل حال، فمَن الصدق يتشعب الصبر، والقناعة، والزهد، والرضا، والأنس، وعن الإخلاص يتشعب اليقين، والخوف، والمحبة، والإجلال، والحياء، والتعظيم .. فالصدق في ثلاثة أشياء لا تتم إلا به: صدق القلب بالإيمان تحقيقًا، وصدق النية في الأعمال، وصدق اللفظ في الكلام) (١).
_________________
(١) رسالة المسترشدين ص ١٧٠.
[ ٤٣٥ ]
ولِمَا للصدق من رابطة قوية بالإيمان، فقد جوَّز رسول الله - ﷺ - أن يقع من المؤمن ما لا يُحمد من الصفات، غير أنه نفى أن يكون المؤمن مظنة الوقوع في الكذب؛ للاستبعاد ذلك منه، وقد سأل الصحابة فقالوا: «يا رسول الله، أيكون المؤمن جبانًا؟» «قال: نعم» فقيل له: أيكون المؤمن بخيلًا؟» «قال: نعم» قيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟» «قال: لا» (١).
والأصل في اللسان الحفظ والصون؛ لأن زلاته كثيرة، وشرَّه وبيل، فالحذر منه والاحتياط في استعماله أتقى وأورع، فإذا وجدت الرجل لا يبالي، ويكثر الكلام، فاعلم أنه على خطر عظيم، فقد قال رسول الله - ﷺ -: «كفي بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» (٢)؛ لأن كثرة الكلام مظنة الوقوع في الكذب، باختراع ما لم يحدث، حين لا يجد كلامًا، أو بنقل خبر كاذب - وهو يعلم - فيكون أحد الكذَّابين.
وكل خُلُق جميل يمكن اكتسابه بالاعتياد عليه، والحرص على التزامه، وتحرِّي العمل به، حتى يصل صاحبه إلى المراتب العالية، يرتقي من واحدة إلى الأعلى منها بحسن خلقه، ولذلك يقول - ﷺ -: «عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يَهْدي إلى البر، وإن البر يَهْدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرَّى الصدق، حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا»، وكذلك شأن الكاذب في السقوط، إلى أن يختم له بالكذب «وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب،
_________________
(١) أخرجه الموطأ ٢/ ٩٩٠ مرسلًا في الكلام .. وهو حديث حسن مرسل (جامع الأصول ١٠/ ٥٩٨ - الحديث ٨١٨٣).
(٢) أخرجه مسلم وأبو داود (جامع الأصول ١٠/ ٦٠٠ - الحديث ٨١٨٩).
[ ٤٣٦ ]
حتى يُكتب عند الله كذَّابًا» (١).
ومن آثار الصدق ثبات القدم، وقوة القلب، ووضوح البيان، مما يوحي إلى السامع بالاطمئنان، ومن علامات الكذب الذبذبة، واللجلجة، والارتباك، والتناقض، مما يوقع السامع بالشك وعدم الارتياح، ولذلك «فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة» (٢) كما جاء في الحديث.
وعاقبة الصدق خيرٌ - وإن توقع المتكلم شرًّا - قال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١]، وفي قصة توبة كعب بن مالك يقول كعب بعد أن نزلت توبة الله على الثلاثة الذين خلفوا: (يا رسول الله، إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أُحدِّث إلا صدقًا ما بقيت)، ويقول كذلك: (فو الله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله - ﷺ -، أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا) (٣)، وروى ابن الجوزي في مناقب أحمد أنه قيل له: (كيف تخلَّصت من سيف المعتصم وسوط الواثق؟ فقال: لو وُضع الصدق على جرح لبرأ) (٤)، ويوم القيامة يقال للناس: ﴿ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ [المائدة: ١١٩].
_________________
(١) أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي - واللفظ للترمذي - (جامع الأصول ٦/ ٤٤٢ - الحديث ٤٦٤١).
(٢) أخرجه الترمذي بهذا اللفظ - وإسناده صحيح - (جامع الأصول ٦/ ٤٤٢ - الحديث ٤٦٤٢).
(٣) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب ٧٩ - الحديث ٤٤١٨ (الفتح ٧/ ١١٣).
(٤) عن حاشية رسالة المسترشدين تحقيق الشيخ أبو غدة ص ٧٢.
[ ٤٣٧ ]
والصدق يدعو صاحبَه للجرأة والشجاعة؛ لأنه ثابت لا يتلوَّن؛ ولأنه واثقٌ لا يتردَّد، ولذلك جاء في أحد تعريفات الصدق: (القول بالحق في مواطن الهلكة) (١)، وعبر عن ذلك الجُنَيد بقوله: (حقيقة الصدق: أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب) (٢)
وكم يكون شقيًّا من يتفنن في اختلاق الأحاديث؛ ليجلب الأنظار، وفي ادعاء القصص؛ ليُضحك الناس، فيؤوبون وهم سعداء بالترويح عن أنفسهم، ويبوء هو بوزر ما كذب، فله الهلاك - كما جاء في الحديث -: «ويل للذي يحدث بالحديث ليُضحك به القوم، فيكذب، ويل له، ويل له» (٣).
وإن أشد الكذب إثمًا، وأعظمه جرمًا، أن يكذب على الله ورسوله، فينسب إلى دين الله ما ليس منه، ويدعي في الشرع بما لا يعلم، ويختلق نصوصًا ليس لها أصل - أراد بذلك الخير أم الشر - فهو كذب شنيع على دين الله، يقول رسول الله - ﷺ -: «إن كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوّأ مقعده من النار» (٤)، ولذلك كان بعض الصحابة يتحرَّجون من الإكثار من رواية حديث رسول الله - ﷺ -؛ خشية الوقوع في خطأ - غير مقصود - فيكونوا قد نسبوا إلى رسول الله ما لم يقل، ومن ذلك ما كان من أنس بن مالك إذ قال: إني ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا، أن النبي - ﷺ - قال:
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين ص ٣٩٩.
(٢) تهذيب مدارج السالكين ص ٤٠١.
(٣) أخرجه أبو داود والترمذي - وإِسناده حسن - (جامع الأصول ١٠/ ٥٩٩ - الحديث ٨١٨٦).
(٤) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي (جامع الأصول ١٠/ ٦١١ - الحديث ٨٢٠٦).
[ ٤٣٨ ]
«من تعمد عليّ كذبًا فليتبوّأ مقعده من النار» (١).
ومما يدل على مزيد احتياطهم في نقل حديث رسول الله ألا يزيدوا أو ينقصوا: ذلك الموقف الذي رواه مسلم، حيث حدَّث بُشير العدوي بحضرة ابن عباس، وابن عباس لا يأبه به، ولا يبالي بحديثه، ولا ينظر إليه، فقال بُشَير: (يا ابن عباس! مالي لا أراك تسمع لحديثي. أحدثك عن رسول الله - ﷺ - ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله - ﷺ - ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بأسماعنا، فلما ركب الناس الصّعب والذّلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف) (٢) أي لما أصبح الناس يتحدثون في الأمور الصعبة والسهلة، ولا يبالون ولا يحترزون من الوقوع في الخطأ، أصبحنا نحترز من التلقي عن أي كان.
فليحذر الذين يبادرون إلى الفتوى بغير علم من الكذب على دين الله، وليحذر الذين يشيعون الأحاديث المنكرة والموضوعة من المشاركة في الكذب على رسول الله. ولقول المرء: لا أدري - وإن قسا على نفسه - أهون له من الكذب على رسول الله - ﷺ -.
ولكي تكون حياتك كلها صدقًا، ولتحشر مع الصديقين، فاجعل مدخلك صدقًا، ومخرجك صدقًا، وليكن لسانك لسان صدق، لعل الله يرزقك قدم صدق، ومقعد صدق، ولا تترك فرصة للشيطان ليستدرجك بالاستكثار من المعاريض، فالصدق صراحة
_________________
(١) أخرجه مسلم والترمذي (جامع الأصول ١٠/ ٦١٠ - الحديث ٨٢٠٤).
(٢) أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح ص ١٣ (جامع الأصول ١٠/ ٦١٢ - الحديث ٨٢٠٨).
[ ٤٣٩ ]
ووضوح، والميل عنه التواء وزيغ، وحال المؤمن الصدق، و﴿إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [النحل: ١٠٥].
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- أدنى الصدق صدق اللسان وأعم منه الصدق مع الله في الظاهر والباطن.
- لا صدق بلا إخلاص.
- الصدق مرتبط بالإيمان.
- قد يجانب الصدق من يُحدث بكل ما سمع.
- يُنال الصدق بالتحري.
- من آثار الصدق الطمأنينة وثبات القلب.
- الصدق نجاة وإن توقع المتكلم شرًا.
- الصادق جريء والكاذب متلجلج.
- أكبر الكذب الكذب على الله ورسوله.
- كان الصحابة يحتاطون في رواية الحديث خشية الوقوع في الكذب.
- الاستكثار من المعاريض يوقع في الكذب.
****
[ ٤٤٠ ]