السماحة
[ ٤٦٨ ]
«الإيمان: الصبر والسماحة».
حين تجد امرءًا سهلًا ميسرًا، يتنازل عن حظِّ نفسه أو جزء من حقه، ليحل مشكلة هو طرف فيها، أو ليطوي صفحة طال الحديث فيها، أو ليتألف قلبًا يدعوه، أو ليستطيب نفس أخيه، وهو قبل ذلك لا يتعدى على حق أخيه، ولا يُلحِف في المطالبة بحقوقه، فذلكم هو الرجل السمح وتلك هي السماحة.
وقد دعا رسول الله - ﷺ - بالرحمة للرجل السمح: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» (١)، وفي رواية (وإذا قضى)، وما هي إلا صور من المعاملات اليومية، التي تقتضي قدرًا كبيرًا من السماحة. ويعلق ابن حجر على رواية البخاري بقوله: (السهولة والسماحة متقاربان في المعنى، والمراد بالسماحة ترك المضاجرة ونحوها، وإذا اقتضى؛ أي: طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف، وإذا قضى: أي أعطى الذي عليه بسهولة بغير مطل، وفيه الحض على السماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحنة، والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم) (٢)، وأكثر ما تكون الخصومات في المعاملات المالية، والمناظرات الخلافية، والملاسنات الكلامية. وقل أن يسلم فيها من لم يتحلَّ بكرم الخلق، وجود النفس، وسماحة الطبع.
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ١٦ - الحديث ٢٠٧٦ (الفتح ٤/ ٣٠٦).
(٢) فتح الباري ٤/ ٣٠٢ عند شرحه للحديث ٢٠٧٦.
[ ٤٦٩ ]
إن صاحب السماحة لا تطيب نفسه بأن يحصل حقًّا لم تطب به نفس الطرف الآخر، فيؤثر التنازل أو السماحة وإن كان الحق له، وهذا ما كان من عثمان - ﵁ - حين اشترى من رجل أرضًا، فتأخَّر صاحب الأرض في القدوم عليه لقبض الثمن، وتبيَّن له أن سبب تأخره أنه بعد أن تم العقد شعر البائع أنه مغبون، وكان الناس يلومونه كيف تبيعها بهذا الثمن؟ قال عثمان: (فاختر بين أرضك ومالك)، ثم ذكر له الحديث: «أدخل الله ﷿ الجنة رجلًا، كان سهلًا مشتريًا وبائعًا، وقاضيًا ومقتضيًا» (١).
إن إنظار المعسر، أو التجاوز عن القرض أو عن جزء منه، صورة عظيمة من صور الكرم وسماحة النفس. قال رسول الله - ﷺ -: «كان تاجر يُداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» (٢)، بل إن توفيق الدنيا والآخرة مرهون بتيسيرك على أخيك المعسر: «مَن يسَّر على مُعسِر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة» (٣).
وقد كان رسول الله - ﷺ - يأمر برد القرض بخير منه وبالزيادة فيه، ويقول: «أعطِه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء» (٤)، وما ترك صاحب القرض يمضي إلا وهو راضٍ، كما شهد لرسول الله - ﷺ - شريكه
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٥٨ وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (١٧٨٩/ ٢٢٠٢) وصحيح النسائي (٤٣٧٩).
(٢) صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ١٨ - الحديث ٢٠٧٨ (الفتح ٤/ ٣٠٨).
(٣) صحيح مسلم - كتاب الذكر - باب ١١ - الحديث ٢٦٩٩ رواه ابن ماجه برقم ٢٤١٧ - واللفظ له -.
(٤) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٢٩ - الحديث ١٨٥١/ ٢٢٨٥ (صحيح).
[ ٤٧٠ ]
في التجارة قبل البعثة: (السائب بن عبد الله) بقوله له: (كنت شريكي في الجاهلية، فكنت خير شريك، كنت لا تداريني ولا تماريني) (١)؛ أي: كنت لا تدافعني في أمر ولا تجادلني، بل كنت شريكًا موافقًا، ولم ينسَها له، وكانت سببًا من أسباب محبته له، وتكون سببًا من أسباب النجاة من النار لمن تخلَّق بها «حُرِّم على النار: كلُّ هيِّن ليِّن سهل، قريب من الناس» (٢).
صاحب السماحة لا يحرِصُ على إيقاع الناس في الحرج، ولا يشغَلُه التفكير بما له عن التفكير بما عليه من سماحة مع إخوانه وتقدير لظروفهم، وفي الحديث الصحيح: أن الصحابي أبا اليسر - ﵁ - كان له على رجل قرضٌ، فلما ذهب لاستيفاءِ حقه اختبأ الغريم في داره؛ لئلا يلقى أبا اليسر، وهو لا يملك السداد، فلما علم أبو اليسر أن صاحبه يتخفى منه حياءً لعدم تمكنه من أداء ما عليه، أتى بصحيفة القرض فمحاها، وقال: «إن وجدت قضاءً فاقضِ، وإلا فأنت في حلٍّ» (٣)، وبسماحته تلك أخرج أخاه من الحرج الشديد.
وأبرز مواقف السماحة ما يكون مع مَن أساء إليك، كالذي جرى مع أبي بكر - ﵁ - حين أقسَم ألا يُنفِق على مِسْطَح بن أُثاثة؛ لتورُّطه في حديث الإفك، فأمره الله أن يعفو ويصفح، فكفَّر عن يمينه، وعاد ينفق عليه (٤)، وفي ذلك يقول - ﷺ -: «ارحموا تُرحموا، واغفروا
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٢٩ - الحديث ١٨٥٣/ ٢٢٩٠ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ١/ ٤١٥ - صححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٣١٣٥.
(٣) صحيح مسلم - كتاب الزهد - باب ١٨ - الحديث ٣٠٠٦.
(٤) هذه القصة من حديث الإفك في صحيح البخاري - الحديث ٤٧٥٠ (الفتح ٨/ ٤٥٢).
[ ٤٧١ ]
يُغفَرْ الله لكم» (١)، وقد وصف الله عباده المؤمنين بأنهم: ﴿وَإذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧].
وقد يوسوس الشيطان للمسلم: إنك لو تسامحت وصفك الناس بالعجز، وظنوا فيك الضعف؛ ولأن تُؤثرَ أن يقال فيك ما يقال خير لك من الوقوع في الفجور، بحيث يخشى الناس شرَّك، وقد ورد في الحديث: «يأتي عليكم زمان يُخيَّر فيه الرجل بين العجز والفجور، فمن أدرك هذا الزمان فليختَرِ العجز على الفجور» (٢)، ولابد من الإشارة إلى أن السماحة هنا مع أصحاب الفلتات من المسلمين، أما الذين يظلمون الناس، ويصرُّون على ذلك، فيُعامَلون بخلق (الانتصار).
وإن مما يتنافى مع السماحة الانزلاق إلى اللدد والخصومة؛ إذ كما يحب الله السماحة فإن «أبغض الرجال إلى الله الألدٌّ الخَصِم» (٣)، قال في الفتح: (الألدُّ: الكذَّاب، وكأنه أراد أن من يكثر المخاصمة، يقع في الكذب كثيرًا) (٤)، وحين يفتقد المرء السماحة تجده ينحدر في أخلاقه، إلى أن ينجرف إلى التصايح والجدل لأمر يعلم بطلانه، أو وقوفًا مع طرف لا يدري مدى أحقيته، «ومَن خاصم في باطل - وهو يعلمه - لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه» (٥)، وقد قيل في المثل: (ما استرسل كريم قط).
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٨٩٧ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ٢/ ٢٧٨.
(٣) صحيح البخاري - كتاب الأحكام - باب ٣٤ - الحديث ٧١٨٨ (الفتح ١٣/ ١٨٠)
(٤) فتح الباري ١٣/ ١٨١.
(٥) صحيح سنن أبي داود ٢/ ٦٨٦ - الحديث ٣٠٦٦/ ٣٥٩٧ (صحيح).
[ ٤٧٢ ]
إن خُلُق السماحة يقتضي من صاحبه المبادرة إلى التنازل عند الوقوع في أي موقف جدلي، ولنتذكر دائمًا أن العلم بميقات ليلة القدر خير كبير حُرِمت منه الأمة؛ بسبب انعدام روح السماحة بين رجلين من الأمة: «خرجتُ لأُخبِركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرُفِعت» (١)، وكم تُحرم الأمة من البركات والنِّعم والنصر حين تدبُّ الخصومات، بل إن صفة أساسية من أخلاقيات المنافق أنه: «وإذا خاصم فجر» (٢)، ولا يليق بالرجل السمح أن يتعنَّت ويجادل ويشد ويَصِيح، ناهيك عن أن يفجر في الخصومة (والفجور: الميل عن الحق والاحتيال في رده) (٣).
وإنه مما يتنافى مع روح السماحة أن يقع الإخوة في جدالات تافهة لأمور سياسية، أو قضايا فكرية، أو توقعات غيبية، ثم تجدهم يَنْفضُّون متباغضين، وما كانت البداية إلا روح الجدل، و«ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» (٤)، ولحثِّ المسلمين على السماحة في الحوار، والتنازل عند الاختلاف، وعدم الوقوع في مغبة الجدل، تعهد رسول الله - ﷺ - ببيت في الجنة لمن تنازل: «أنا زعيم ببيت في رَبَضِ الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا» (٥)، ولا يمكن أن يكون سماحة وتنازلًا إلا حين يكون المرء محقًا، وإنه لعسير، وإن أجره لكبير.
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب فضل ليلة القدر - باب ٤ - الحديث ٢٠٢٣ (الفتح ٤/ ٢٦٧).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ٢٤ - الحديث ٣٤ (الفتح ١/ ٨٩).
(٣) فتح الباري ١/ ٩٠ عند شرح الحديث ٣٤.
(٤) صحيح سنن ابن ماجه ١/ ١٥ - الحديث ٤٥/ ٤٨ (حسن).
(٥) صحيح سنن أبي داود (١/ ٩١١) - الحديث ٤٠١٥/ ٤٨٠٠ (حسن).
[ ٤٧٣ ]
ومن نتائج انعدام روح السماحة أن تغدو أمتنا تتبارى بألسنتها، فتنقلب إلى أمة كلام بدل أن تكون أمة عمل، وتضيع الأوقات في الشد والجذب والأخذ والرد، وكل يناصر رأيه، إن مما حرم رسول الله - ﷺ - على أمته (منعًا وهات) ومما كره لهم (قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) (١).
ولا يكمل أجر المجاهد إلا بالسهولة والسماحة «الغزو غزوان: فأما مَن ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله» (٢)، قال الباجي في (ياسر الشريك): (يريد موافقته في رأيه مما يكون طاعة، ومتابعته عليه، وقلة مشاحّته فيما يشاركه فيه؛ من نفقة أو عمل) (٣)، فلنوفر أوقاتنا، ولنحفظ أخوتنا؛ بتعميم روح السماحة فيما بيننا، وبالنزول عند رغبة إخواننا إيثارًا لما هو أغلى.
تظهر آثار (السماحة) في جميع مظاهر حياة صاحبها، فانظر إلى رسول الله - ﷺ - مع زوجته (عائشة)، حين قصدت الحج والعمرة، فأصابها الحيض، فحزنت لعدم تمكنها من أداء العمرة، وبكت لذلك وقالت: (يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟!)، يقول جابر بن عبد الله: (وكان رسول الله - ﷺ - رجلًا سهلًا، حتى إذا هَوِيَتْ الشيء تابعها عليه، فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر فأهلَّت بعمرة من التنعيم) (٤)، قال النووي: (سهلًا: أي سهل الخلق، كريم الشمائل،
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٦ - الحديث ٥٩٧٥ (الفتح ١٠/ ٤٠٥).
(٢) صحيح سنن أبي داود ٢/ ٤٧٨ - الحديث ٢١٩٥/ ٢٥١٥ (حسن)
(٣) في حاشية فؤاد عبد الباقي على موطأ مالك ٢/ ٤٦٦.
(٤) صحيح مسلم - كتاب الحج - باب ١٧ - الحديث ١٣٧ (شرح النووي ٤/ ٤١٠).
[ ٤٧٤ ]
لطيفًا ميسرًا في الخلق) (١)، فما أعظم سماحته - ﷺ - مع أهله في مثل هذا الموطن المزدحم، وفي حال السفر.
وتأمَّل سماحة رسول الله - ﷺ - في دعوته: فحين وجد ريح ثُوم في مسجده، نهى الصحابة عن أن يردَّ أحد مسجده قبل ذهاب ريح الثُّوم منه، وكان المقصود بالنهي (المغيرة بن شعبة) يقول - ﵁ -: «أتيته فقلت: يا رسول الله إن لي عذرًا، ناوِلْني يدك - قال فوجدته والله سهلًا - فناولني يده، فأدخلتها في كمي إلى صدري، فوجده معصوبًا»، «فقال: إن لك عذرًا» (٢)، فعذره حين وجد أنه أكل الثُّوم لمرض، وكم نحتاج إلى أن نتأسَّى بهذه السماحة مع المدعوين لنكون مبشِّرين غير منفِّرين، ميسِّرين غير معسِّرين.
وإن مما عرَّف به رسول الله - ﷺ - الإيمان قوله: «الإيمان: الصبر والسماحة» (٣)؛ حيث عرَّف الإيمان بحسن المعاملة مع الخالق، والمعاملة مع المخلوق، وكأنما يريد بالصبر عَلاقة العبد مع ربه؛ بالصبر على طاعته، والصبر عن معصيته والصبر على أقداره، وكأنما أراد بالسماحة عَلاقة العبد بأخيه؛ بحيث تغلب عليها السهولة والمياسرة والسماحة، وقابلية التوسيع والتنازل لرضى الله، وفيما يرضي الله، وربما كان من حكمة الربط بينهما أن السماحة تقتضي قدرًا كبيرًا من الصبر والتحمل: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فكن سمحًا إذا عاملت أو دعوت، سمحًا إذا حاورت
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم ٤/ ٤١٠ عند شرح الحديث ١٣٧ من كتاب الحج.
(٢) مسند أحمد ٤/ ٢٥٢.
(٣) صحيح الجامع - الحديث ٢٧٩٥ (صحيح).
[ ٤٧٥ ]
أو رافقت، سمحًا إذا ظُلمت أو جُهل عليك، فرسالتنا حنيفيَّة سمحة.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- صورة السمح.
- السماحة في التعامل اليومي.
- من صور السماحة:
- التنازل عن حق.
- إنظار المعسر أو التجاوز عنه.
- رد القرض بأحسن منه.
- السماحة مع الشريك.
- رفع الحرج عن الناس.
- السماحة مع من يسيء إليك.
- السماحة بين تهمة العجز أو الفجور.
- صور تتنافى مع السماحة:
- كثرة الخصومات.
- كثرة الجدل.
- كثرة اللغو.
- مواقف تقتضي السماحة:
- في الجهاد يكمل أجر السمح.
- السماحة مع الزوجة يسر.
- السماحة مع المدعوين بالإعذار.
- العلاقة بين الصبر والسماحة.
****
[ ٤٧٦ ]