الشجاعة
[ ٧٢ ]
«.. وإن الشجاع منا للذي يحاذي به»
حين يكون دين المرء أعز ما لديه في هذه الدنيا يكون في المنافحة عنه بالغ الشجاعة، عظيم الجرأة، قوي الإقدام.
تنبع الشجاعة من غرائز فطرية، وتقويها التربية الجهادية؛ بالمران والتدريب وخوض المواقف؛ حتى يكتسب الشاب هذا الخلق، وإلى ذلك أشار سيدنا عمر - ﵁ - بقوله: (.. والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء، فالجبان يفر عن أبيه وأمه، والجرئ يقاتل عما لا يؤوب به إلى رحلة، والقتل حتف من الحتوف) (١)، ويعلق فؤاد عبد الباقي على الفقرة الأخيرة بقوله: (والقتل حتف من الحتوف: أي نوع من أنواع الموت، كالموت بمرض أو نحوه، فيجب ألا يرتاع منه، ولا يهاب هيبة تورث الجبن) (٢).
وقد جعل الله أمر الدين لا يقوم إلا بالشجاعة، ولذلك إن جبن أهل الحق يستبدل بهم قومًا غيرهم، وهذا ما أراده ابن تيمية بقوله: (ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم، بين سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك) (٣).
_________________
(١) الموطأ - كتاب الجهاد - الحديث ٣٥.
(٢) من حاشية الأستاذ فؤاد عبد الباقي على الحديث السابق في الموطأ.
(٣) فتاوي ابن تيمية ٢٨/ ١٥٧.
[ ٧٣ ]
ولا يمكن أن يعتمد على النفعيين والمنافقين؛ لأنهم يفتقدون حرارة الحرص ودافعية الاهتمام، لذلك وصفهم أبو طلحة يوم أُحُد بقوله: (.. والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه، وأخذ له للحق) (١).
إن أصحاب المروءة من أبناء الجاهلية يتعايَرون بالجبن، ويتفاخرون بالشجاعة، ويمثل هذا المعنى الحوار الذي دار بين أبي جهل وعتبة بن ربيعة يوم بدر، حيث قال عتبة: (يا قوم، إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم، اعصبوها اليوم برأسي، وقولا جبن عتبة بن ربيعة - وقد علمتُم أني لست بأجبنكم، فسمع ذلك أبو جهل فقال: أنت تقول هذا؟! والله لو غيرك يقول هذا لأعضضته، قد ملأت رئتك جوفك رعبًا، فقال عتبة: إياي تعير يا مُصفِّر استه؟! ستعلم اليوم أينا الجبان) (٢).
ولأن الجبن شر فقد استعاذ منه رسول الله - ﷺ -: «اللهم إني أعوذ بك من الجبن ..» (٣)، ولقد اعتبره رسول الله - ﷺ - شر صفات الرجال: «شر ما في رجل: شُح هالع، وجبن خالع ..» (٤)، ومثل هذا الجبن الذي يخلع القلوب إنما ينشأ من طبيعة التربية وآثار البيئة، وأمثال المجتمع
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي للألباني - كتاب التفسير: آل عمران - الحديث ٢٤٠٦/ ٣٢٠٨ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ١/ ١١٧، وعن بلوغ الأماني ٢٠/ ٣٢: (قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح، غير حارثة بن مضرب وهو ثقة).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ٢٥ - الحديث ٢٨٢٢.
(٤) صحيح سنن أبي داود للألباني - كتاب الجهاد - باب ٢٢ - الحديث ٢١٩٢/ ٢٥١١ (صحيح).
[ ٧٤ ]
وقِيَمه، ولذلك كان لا بدَّ من غرس الشجاعة منذ الطفولة في نفوس الأبناء لإعدادهم للجهاد.
وإن شدة التعلق بالدنيا وزينتها تنقلب على صاحبها داعية إياه إلى التخوف على مصالحه، والجبن عن خوض الغمار، ولذلك قال - ﷺ -: «إن الولد مبخلة مجبنة» (١) والفرق بين نفسية الشجاع والجبان ملحوظ وظاهر وفي ذلك يقول ابن القيم: (.. فإن الشجاع منشرح الصدر .. والجبان أضيق الناس صدرًا، وأحصرهم قلبًا، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له ولا نعيم؛ إلا من جنس ما للحيوان البهيمي) (٢).
ومن يتصدَّى لإمرة الناس وقيادتهم يجب أن يكون قدوة في شجاعته، فقد كان - ﷺ - «أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس» (٣).
ويقول: «لو كان لي عدد هذه العِضَاهِ نَعَمًا لقسمتُه بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا» (٤).
وفي فوائد الحديث يقول ابن حجر: (وفيه ذم الخصال المذكورة وهي البخل والكذب والجبن، وأن إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها) (٥)، والجنود يفخرون بشجاعة قائدهم، ويزدادون إقدامًا، لذلك قال البراء في حديثه عن يوم حُنين: (كنا والله إذا احمرَّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به) (٦) لما كانوا يرون من شجاعة رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الأدب - باب ٣ - الحديث ٢٩٥٧/ ٣٦٦٦ (صحيح).
(٢) زاد المعاد ١/ ١٨٧.
(٣) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ٢٤ الحديث ٢٨٢٠.
(٤) صحيح البخاري - كتاب الجهاد باب ٢٤ الحديث ٢٨٢١، وتكرر برقم ٣١٤٨.
(٥) فتح الباري ٦/ ٢٥٤ - كتاب فرض الخمس - باب ١٩ في شرح الحديث ٣١٤٨.
(٦) صحيح مسلم - كتاب الجهاد - الحديث ٧٩.
[ ٧٥ ]
ولا ينبغي للمؤمن أن يُرِي عدوه من نفسه جبنًا، حتى إن الصحابي الشهيد خُبيبًا لما صلى ركعتين قبل قتله قال للمشركين: (والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت) (١) وهو مقبل على الموت يخشى أن يلصق بالمسلمين شبهة الجزع والجبن.
وشجاعة المؤمن تتبدى على أعدائه، وفي جرأته الأدبية في نصح إخوانه، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخرج الشجاعة عن حد القصد حين تكون على الإخوة والأصدقاء، وعلى المساكين والضعفاء.
أمة الشهادة على الناس بحاجة إلى أصحاب الشجاعة في حماية الحق والجرأة الأدبية في الدعوة إليه.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- يكون المرء بالغ الشجاعة إذا كان دينه أعز ما لديه.
- أمر الدين لا يقوم إلا بالشجاعة.
- لا يمكن أن يعتمد على النفعيين والمنافقين.
- إن أصحاب المروءة من أبناء الجاهلية يتعايرون بالجبن.
- الجبن شر صفات الرجال.
- إن شدة التعلق بالدنيا تؤدي إلى الجبن.
- كان النبي - ﷺ - «أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس».
_________________
(١) صحيح البحاري - كتاب المغازي - باب ١٠ - الحديث ٣٩٨٩ (فتح الباري ٧/ ٣٠٩).
[ ٧٦ ]