الهمة
[ ١٢٨ ]
«اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل».
لقد كان جيل الصحابة - ﵃ - على درجةٍ عالية من الهمة والنشاط، اقتضت من رسول الله - ﷺ - أن يدعوَهم في كثير من المواقف إلى الحد من هذا النشاط الزائد، وإلى العودة إلى مستوى القصد والاعتدال والتوازن قائلًا لهم: «اكلَفُوا من الأعمال ما تطيقون» (١)، ويقول الواحد منهم: (يا رسول الله! إني أُطيق أكثر من ذلك) (٢).
وحين خارت القوى، وضعفت العزائم، وفترت الهمم، صار الواحد من الناس حين يُطالب بأداء بعض الواجبات يكون جوابه: لا أطيق ذلك. وأصبحنا بحاجة كبيرة للاستعاذة بالله من هذا الحال: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل» (٣).
إن دينًا يخاطب أتباعه بقول الله ﷿: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
﴿سَابِقُوا﴾ [الحديد: ٢١]
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ١٨ - الحديث ٦٤٦٥ (فتح الباري ١١/ ٢٩٤).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الصوم - باب ٥٩ - الحديث ١٩٧٩ (فتح الباري ٤/ ٢٢٤).
(٣) صحيح البخاري - الجهاد - باب ٢٥ - الحديث ٢٨٢٣ (الفتح ٦/ ٣٦) حيث قال: (والفرق بين العجز والكسل: أن الكسل ترك الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله، والعجز عدم القدرة).
[ ١٢٩ ]
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح: ٧] ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ [مريم: ١٢].
إن دينًا هذا شأنه لا يقبل من أتباعه الكسل والخمول، والعجز والسكون، والفتور والتواني، والاسترخاء وضعف الهمة.
ومن الإشارات الطيبة ما جاء في قوله - ﷺ -: «أحب الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث وهمام ..» (١).
حيث يصدق على المرء من واقع حاله في هذه الحياة أن يصيبه الهم لأمر، فتئور فيه الهمة إليه، فيسعى ويحرث ويكتسب، وكلا الاسمين يدلان على الكدح وتجديد الإرادة ومواصلة العمل.
إن الرسول - ﷺ - خُوطب من بدايات الدعوة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢] ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢]، وحين كان يُدعى بعدها إلى النوم يقول لسان حاله: مضى عهد النوم، ويقول صاحب الظلال في ذلك: (علم رسول الله - ﷺ - أنه لم يعد هناك نوم، وأن هناك تكليفًا ثقيلًا، وجهادًا طويلًا، وأنه الصحو والكد والجهد .. قيل لرسول الله - ﷺ -: قم فقام وظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا .. إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، ولكنه يعيش صغيرًا، ويموت صغيرًا، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء فما له والنوم؟ وما له والراحة؟ وما له والفراش الدافئ، والعيش الهادئ، والمتاع المريح؟) (٢).
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود للألباني - كتاب الأدب - باب ٦٩ - الحديث ٤١٤٠/ ٤٩٥٠ (صحيح).
(٢) في ظلال القرآن ٦/ ٣٧٤٢ - ٣٧٤٤.
[ ١٣٠ ]
إذا كان قوم موسى حين دُعوا للجهاد ولدخول لأرض المقدسة التي كتب الله لهم قعدت بهم الهمم، فقالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، فإن أمة محمد - ﷺ - أبت همَّتُها إلا أن تقول: «اذهب أنت وربك فقاتلا إننا معكما مقاتلون» (١).
لقد كان ضعف الهمة صفة مميزة للمنافقين والمتخلفين الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وقالوا:
﴿لَا تَنفِرُوا فِي الحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١].
وصدق سيد قطب حيث قال: (.. والصف الذي يتخلله الضعاف المسترخون لا يصمد؛ لأنهم يخذلونه في ساعة الشدة) (٢).
فلذلك لا بدَّ أن تكون الهمة صفة أصيلة في أخلاق أبناء هذا الدين؛ لكي يكونوا أقدر على الثبات والاحتمال والصمود.
إن العرب في الجاهلية كان عندهم من الهمة في تحمل المسؤولية ما نحن بحاجة إلى إحيائه واستنهاضه، ففي قصة بيعة العقبة الثانية حين اشترط رسول الله - ﷺ -: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل ..» (٣)، فبايعوه على جميع شروط البيعة، فقام أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم، يريد أن يستوثق من همتهم، وأن يَلفِت
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٦٦. رُوي حديث بيعة العقبة الثانية بإسناد صحيح وله شواهد كثيرة (انظر السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٥٩).
(٢) في ظلال القرآن ٣/ ١٦٨٣.
(٣) مسند أحمد ٣/ ٣٢٢، صحح الحاكم إسناده، وأقره الذهبي، وجودّه ابن كثير على شرط مسلم. (انظر بلوغ الأماي ٢٠/ ٢٧٠).
[ ١٣١ ]
نظرهم إلى التضحيات التي تنتظرهم، فقال: (رويدًا يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله - ﷺ -، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تَعَضَّكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة، فبيِّنوا ذلك، فهو عذر لكم عند الله، قالوا: أمطِ عنَّا يا أسعد! فوالله لا نترك هذه البيعة أبدًا ..) (١).
وإن السعي في أبواب الخير ليقتضي همة ونشاطًا واندفاعًا، وعبر عن ذلك رسول الله - ﷺ - بقوله: «.. وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعَيْك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك ..» (٢).
وصاحب الهمة حريصٌ على أن ينصب ويتعب في إنجاز ما كلف به، حتى إذا فرغ منه قام بواجب آخر من الواجبات الكثيرة التي لا تجد لها حملة، فقد قام زيد بن ثابت حين رشَّحه أبو بكر لجمع القرآن بأداء ما طُلب منه، مع أنه قال: (فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن) (٣)، وأدى الذي عليه ﵁.
وحين كلف رسول الله - ﷺ - زيدَ بن ثابت بتعلم لغة اليهود، تدفقت فيه الهمة، فكان من ثمارها ما عبر عنه بقوله: (فتعلمت
_________________
(١) مسند أحمد ٣/ ٣٢٢ (راجع الحاشية السابقة).
(٢) مسند أحمد ٥/ ١٦٨ - ١٦٩، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٤٠٣٨.
(٣) صحيح البخاري - كتاب التفسير - سورة ٩ - باب ٢٠ - الحديث ٤٦٧٩ (الفتح ٨/ ٣٤٤).
[ ١٣٢ ]
كتابهم، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقتُه، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب) (١)، وفي رواية أخرى أنه كُلِّف بتعلم السريانية، فتعلمها في سبعة عشر يومًا، ومثل هذه الطاقة لا تتوفر إلا إذا كان وراءها همة قوية ونشاط عال.
ومن صور الهمة: الثبات على الخير، والاستمرار فيه، والدوام عليه، وهذا شأن رجال القدوة في كل زمان، سئلت عائشة ﵂ عن عمل رسول الله - ﷺ - فقالت: (كان عمله ديمة، ويكم يستطيع ما كان النبي - ﷺ - يستطيع؟) (٢).
والتأخير والتسويف صورة من صور الضعف البشري التي قد تعتري صاحب الهمة، فيفوته خير كثير، وهذا ما أحرق قلبَ كعب بن مالك إذ فاته الغزو مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، وهو مطمئن بأنه مستعد ومتجهز ولديه عدته، ثم وهو يحدث نفسه بأنه يمكن أن يلحق به ويدركه، ثم كان أن قال: (وتفارط الغزو - أي فات وقته - وهممت أن أرتحل فأدركهم - ليتني فعلت - فلم يُقدَّر لي ذلك ..) (٣).
وعاش بعدها كعب فترة من العذاب النفسي حينما رجع
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ١٨٦، أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا، وقال الترمذي: حسن صحيح (انظر بلوغ الأماني ٢٢/ ٢٤٢)، وحديث تعلم السريانية عند أحمد ٥/ ١٨٢، وذكر الرواتيتين (تعلم اليهودية والسريانية) في صحيح سنن الترمذي للألباني - كتاب العلم - باب ٢٢ - الحديث ٢١٨٣/ ٢٨٧٠ (حسن صحيح).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ١٨ - الحديث ٦٤٦٦ (فتح الباري ١١/ ٢٩٤).
(٣) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب ٧٩ - الحديث ٤٤١٨ (فتح الباري ٨/ ١١٣).
[ ١٣٣ ]
رسول الله - ﷺ -، ثم خمسين يومًا من الهجران، إلى أن نزلت توبته، عاش كل ذلك الضيق نتيجة تباطؤ وقع فيه، أو تسويف انزلق إليه.
وصاحب الهمة سباق إلى الخيرات في أغلب الأوقات، وكذلك كان أصحاب رسول الله - ﷺ -، وكلما ضعف الإيمان ضعفت معه الهمة إلى الطاعات، ومن تصوير سيد قطب لنفسية المنافقين الكسالى قوله: (إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة، وطراوة الإرادة، وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب، وينفرون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز، وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة ..) (١).
ويحدو المسلم ويجدد همته تذكر ما أعده الله له من الأجر والرضا والنعيم، وهذا ما عبَّر عنه ابن القيم بقوله: (كلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحيل، وعدها قرب التلاقي، وبرد العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك نشاطًا وفرحًا وهمة، فهو يقول: يا نفس، أبشري فقد قرب المنزل، ودنا التلاقي، فلا تنقطعي في الطريق دون الوصول، فيحال بينك وبين منازل الأحبة ..) (٢).
ولابد لصاحب الهمة من أن يكون معلق القلب بالله، مخلصًا له، فنفوس الأشقياء ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٣، ٤] وتكون النار بعد كل السعي والجهد المشوب بالرياء أو الشرك حرقة بعد حرقة. وأما في الدنيا فإن أهل الهمة يجدون أنفسهم مدفوعين من داخل قلوبهم إلى أمرٍ ملك عليهم أفئدتهم،
_________________
(١) في ظلال القرآن ٣/ ١٦٨٢.
(٢) طريق الهجرتين لابن القيم ص ٣٣٣.
[ ١٣٤ ]
وأمثال هؤلاء غالبًا يظفرون بما سعَوا إليه، ويحققون ما حرَصوا عليه، ويعبر عن ذلك ابن القيم بقوله: (فتلك هي الهمة العالية التي لا يقدر معها على المهلة، ولا يتمالك صبره .. ولا يلتفت عنها .. وصاحب هذه الهمة سريع وصوله، وظفره بمطلوبه) (١).
والداعية الحريص على سرعة الوصول والظفر بالمطلوب بابه الهمة، فنعوذ بالله من العجز والكسل، ونسأله سبحانه النشاط لما يرضيه.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- لفرط همة الصحابة كان رسول الله - ﷺ - يردهم إلى ما يطيقون.
- استعاذته رسول الله - ﷺ - من العجز والكسل.
- نصوص كثيرة تدعو إلى المسابقة والمسارعة وهذا لا يكون بغير همة.
- من أصدق الأسماء عند الله: حارث، همام.
- من بداية الدعوى كانت التكليفات تقتضي همة عالية.
- ضعف الهمة كان صفة مميزة للمنافقين.
- كان لدى عرب الجاهلية من الهمة ما أهلهم لحمل الرسالة.
- أعمال البر لا تنجز إلا بالهمة، والهمة تولد القدرة.
- من صور الهمة:
- الدوام على عمل الخير.
- عدم التسويف والتأخير.
- عدم إيثاب الراحة والسلامة.
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين - منزل الهمة ص ٥٠٧.
[ ١٣٥ ]
- معرفة ما أعد الله من الأجر، يشحذ الهمة للعمل.
- الهمة بغير إخلاص شقاء ونصب في الدنيا والآخرة.
[ ١٣٦ ]