التنافس الشريف
[ ١٩٩ ]
«وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».
ليس عجيبًا أن يفوق امرؤ أخاه في علمٍ أو خبرة، أو في أي مجال من مجالات الحياة، كما أنه ليس من المستهجَن أن يسعى الأدنى للحاق بالأعلى، وأن يبذل جهدَه للتفوق عليه، في حدود ابتغاء رضا الله، والسلامة من آفات الكبر والعُجْب والرياء، وبقيد طهارة المشاعر القلبية، ونقاء العلايات الأخوية، وبضابط الإنصاف، والعدل في التقويم، للنفس وللآخرين، بحيث يؤدي ذلك كله في النتيجة إلى تحقيق مصلحة إسلامية عليا، بعيدًا عن هوى النفس وتقديس الذات.
حين تتفشى المنافسة الشريفة تكون وقودًا للهمم، ومحرضًا على البذل المتواصل، وسبيلًا لتوجيه الأبصار إلى أعمال الخير، التي يُفَجِّرُ التنافس فيها مزيدًا من الخير للفرد والمجتمع، حتى يصبح الفرد من هذه الأمة يتطلع دائمًا إلى الأسمى، وكيف يرضى بالدون؟! وهو الذي يطمح أن يجعله الله للمتقين إمامًا، وهو الذي يتطلَّع إلى الفردوس الأعلى وصحبة النبيين والشهداء والصالحين، وهو الذي يرجو أن يكون من السابقين بالخيرات: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]، ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: ١٤٨]. ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
ومن ذلك التنافس الشريف ما جاء في الحديث الشريف عن القائم والمنفق: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن، فهو
[ ٢٠١ ]
يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جارٌ له، فقال: ليتني أُوتِيت مثلما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا، فهو يُهلِكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل» (١).
يقول ابن حجر: (وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة، وأطلق الحسد عليها مجازًا، وهي أن يتمنَّى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسة فإن كان في الطاعة فهو محمود) (٢).
ومن صور ذلك التنافس الشريف المسابقة إلى صور من العبادة، قد لا يصبر على المداومة عليها إلا السابقون، وذلك كالأذان والصف الأول والتبكير إلى الصلوات، والحرص على جماعتي العشاء والفجر، قال - ﷺ -: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتَوْهما ولو حبوًا» (٣).
ومن الصور العملية لذلك التنافس الشريف ما يكون بين الأنداد من التسابق في الخير، كالذي كان من المسابقة في البِرِّ بين أبي بكر وعمر ﵄، ومن ذلك أنهما سمعا ثناء رسول الله - ﷺ - على قراءة ابن مسعود، بقوله: «مَن سرَّه أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب فضائل القرآن - باب ٢٠ - الحديث ٥٠٢٦ (فتح الباري ٩/ ٧٣).
(٢) فتح الباري ١/ ١٦٧ - من شرح باب ١٥ من كتاب العلم.
(٣) صحيح البخاري - كتاب الأذان - باب ٩ - الحديث ٦١٥ (فتح البراري ٢/ ٩٦).
[ ٢٠٢ ]
فليقرأه من ابن أم عبدٍ» (١)، فبادر عمر ليلًا لينقل البشرى لابن مسعود، فقال ابن مسعود: (ما جاء بك هذه الساعة؟ قال عمر: جئت لأبشرك بما قال رسول الله - ﷺ -، قال ابن مسعود: قد سبقك أبو بكر - ﵁ - قال عمر: إن يفعل فإنه سباق بالخيرات، ما استبقنا خيرًا قط إلا سبقنا أبو بكر) (٢).
ومثل هذه الصورة تكرَّرت عندما طلب رسول الله - ﷺ - من صحابته أن يتصدَّقوا، يقول عمر: ووافق ذلك عندي مالًا فقلت: اليوم أسبق أبا بكر - إن سبقته يومًا - فجئتُ بنصف مالي، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما أبقيت لأهلك؟»، قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: «يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، عندئذٍ قال عمر: لا أسبقه إلى شيء أبدًا» (٣).
هكذا يكون التنافس بين الأنداد بحب واحترام، وليس بالحقد والامتهان، أما التنافس غير الشريف، فيبدأ فيما بيَّنه النووي في شرح مسلم: (قال العلماء: التنافس إلى الشيء المسابقة إليه، وكراهة أخذ غيرك إياه وهو أول درجات الحسد، وأما الحسد فهو تمني زوال النعمة) (٤).
ومثل ذلك ما بيَّنه ابن حجر: ( والتنافس من المنافسة: وهي الرغبة في الشيء، ومحبة الانفراد به، والمغالبة عليه) (٥).
وفي موضع
_________________
(١) صحيح ابن ماجه للألباني - المقدمة - باب ١١ - الحديث ١١٤/ ١٣٨ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ١/ ٣٨ عن عمر بن الخطاب، وصحح أحمد شاكر إسناده في تعليقه على المسند (٢٦٥).
(٣) صحيح سنن الترمذي - كتاب المناقب - باب ٤١ - الحديث ٢٩٠٢/ ٣٩٣٩ (حسن).
(٤) شرح صحيح مسلم ١٨/ ٣٠٨ من شرح الحديث (٧) من كتاب الزهد.
(٥) فتح الباري ١١/ ٢٤٥ - من شرح الباب ٧ من كتاب الرقاق.
[ ٢٠٣ ]
آخر قال عن الحسد: (الحسد تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها - أعم من أن يسعى في ذلك أولًا - فإن سعى كان باغيًا، وإن لم يسعَ في ذلك، ولا أظهره، ولا تسبب في تأكيد أسباب الكراهة التي نُهِيَ المسلم عنها في حق المسلم، نُظر: فإن كان المانع له من ذلك العجز؛ بحيث لو تمكن لفعل، فهذا مأزور، وإن كان المانع له من ذلك التقوى، فقد يعذر؛ لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية، فيكفيه في مجاهدتها ألا يعمل بها، ولا يعزم على العمل بها) (١).
وأحيانًا تصيب المرء مشاعر لا يملك مدافعتها، فأقل ما يعمله إيقافها عند حد الأمان كما في الحديث: «ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة والظن والحسد، قيل: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ» (٢).
وعن الحسن البصري قال: (ما من آدمي إلا وفيه الحسد، فمَن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم، لم يتبعه من شيء) (٣).
ويوضح القرطبي الحسد المذموم بقوله: (فالمذموم أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا .. وإنما كان مذمومًا؛ لأن فيه تسفيه الحق سبحانه، وأنه أنعم على من لا يستحق!) (٤).
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ٤٨٢.
(٢) أدرجه ابن حجر في الفتح ١٠/ ٤٨٢ ولم يعقب عليه، وفي ضعيف الجامع بألفاظ مقاربة عن الحسن مرسلًا برقم ٢٥٢٦.
(٣) فتح الباري ١٠/ ٤٨٢ من شرح الحديث ٦٠٦٤ من باب ٥٧ من كتاب الأدب.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٧١ من تفسير الآية ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ [البقرة: ١٠٩].
[ ٢٠٤ ]
وهذا التنافس الذي قد يؤول إلى الحسد، هو الذي توقعه رسول الله - ﷺ - إذا فتحت على المسلمين فارس والروم فقال: « تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون ثم تتباغضون » (١)، وهو المنهي عنه في قوله - ﷺ -: «ولا تحسَّسوا ولا تجسَّسوا، ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا» (٢).
وأخشى ما يخافه المرء على نفسه، أن ينزلق إلى التنافس في المعاصي، أو التنافس على الدنيا وزينتها، وقد حذر رسول الله - ﷺ - أمته من هذا المنزلق فقال: «إني فرطكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها» (٣).
ولما رأى رسول الله - ﷺ - مسارعة الناس عندما علموا بقدوم أبي عبيدة بأموال من اليمن قال لهم: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها، وتلهيكم كما أَلْهَتهم» (٤).
إن مجتمعًا شأنه التنافس الشريف، يتسابق فيه الأطفال ليشاركوا في القتال، وتتسابق فيه النسوة لخدمة المجاهدين، ويتبارى فيه الناس فيما يحفظون من كتاب الله، وفيما يعملون به من سنة رسول الله - ﷺ -،
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الزهد - باب ٧ - الحديث ٢٩٦٢ (شرح النووي ٩/ ٣٠٨).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٥٧ - الحديث ٦٠٦٤ (فتح الباري ١٠/ ٤٨١).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ٧ الحديث ٦٤٢٦ (فتح الباري ١١/ ٢٤٣).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ٧ - الحديث ٦٤٢٥ (فتح الباري ١١/ ٢٤٣).
[ ٢٠٥ ]
وحين يُفقد مثل هذا الجو النظيف، يكون التنافس في الاستكثار من المتاع، وفي التهافت على كل جديد، حتى يصيب أحدَهم انتفاشةٌ جوفاء، إن هو حاز على شيء من الدنيا، لم يسبقه إليه غيره.
والأخطر من هذا كله تنافس الكسالى والبليدين، الذين ينتظرون أن تُصب نعم الله عليهم صبًا، رغم بَلادتِهم وضعف هممهم، وإن لم تغمرهم هذه النِّعم وهم قاعدون، حرَّكتهم همة الشر للكيد لمن يعملون، والتشفي بمن يفوقهم، والحسد لمن سبقهم، والحقد على من أنعم الله عليه مما لم يُنعم عليهم، وقد حذَّر رسول الله - ﷺ - بقوله: «دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تُؤمِنوا حتى تحابوا، أفلا أُنبِّئكم بشيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (١)، والسلام الحقيقي هو الارتياح القلبي المتبادل، وما التحية إلا مظهرًا من مظاهره.
وحين يشيع مجال التنافس في الخيرات، لا يتطلَّع المرء إلا للَّحاق بمن يفوقُه ورعًا وعبادةً، ودعوةً وجهادًا، والذي يمدُّون أعينهم إلى ما متَّع الله به بعض خلقِه، فتحدثهم أنفسهم أن يسابقوهم في الاشتغال بالتكاثر من النِّعم، أو بالنظر إليهم نظرة الحسد المقيت، يردهم قول رسول الله - ﷺ -: «انظُروا إلى مَن أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم؛ فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» (٢).
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ١٦٥ وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم ٢٠٣٨/ ٢٦٤١ وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ٣/ ٦٢٦).
(٢) صحيح مسلم - كتاب الزهد - الحديث ٩/ ٢٩٦٣ (شرح النووي ٩/ ٣٠٩).
[ ٢٠٦ ]
ومن أقوال العلماء التي استشهد بها النووي في فهم الحديث: «قال ابنُ جَرير وغيره: هذا حديث جامع لأنواع من الخير؛ لأن الإنسان إذا رأى مَن فُضِّل عليه في الدنيا، طلبت نفسُه مثل ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى، وحرص على الازدياد، ليلحق بذلك أو يُقارِبه، هذا هو الموجود في غالب الناس، وأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها، ظهرت له نعمة الله تعالى عليه، فشكرها وتواضع، وفعل فيه الخير» (١).
وهذا الصنف من الناس أشار إليه رسول الله - ﷺ - حينما سئل: أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب، صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غلَّ ولا حسد» (٢).
ولا يكتمل الإيمان في قلب من انجرف به التنافس غير الشريف إلى الحسد كما في قوله - ﷺ -: «.. ولا يجتمعان في قلب عبد: الإيمانُ والحسدُ» (٣).
وللحسد عواقب وَخِيمة على الحاسد قبل غيره، وفي بيان بعض عواقب الحسد يقول القرطبي: (والحسد مذموم، وصاحبه مغموم، وهو يأكل الحسنات، وقال الحسن: ما رأيتُ ظالمًا أشبه بمظلوم من حاسد؛ نَفَسٌ دائم، وحزن لازم، وعَبرة لا تنفد.
وقال عبد الله بن مسعود: لا تُعادُوا نعم الله، قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم ٩/ ٣٠٨ - ٣٠٩ من شرح الحديث ٩ من كتاب الزهد.
(٢) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الزهد - باب ٢٤ - الحديث ٣٣٩٧/ ٤٢١٦ (صحيح).
(٣) صحيح سنن النسائي للألباني - كتاب الجهاد - باب ٨ - الحديث ٢٩١٢ (حسن).
[ ٢٠٧ ]
يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) (١).
وما شُرِعت الاستعاذة من ﴿شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (٢)، إلا لما يدفعه إليه تنافسه غير الشريف: من كيد، ومكر، وحيلة، ووقيعة، وما ذنب المحسود إلا الله فضَّله ببعض نعمه، أو وفَّقه لاغتنام وقته وقدراته، إلى أن حاز قدم السبق، وصار محطَّ الأنظار.
يقول الشوكاني: (ومعنى إذا حسد: إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه، وحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود) (٣).
وقد تتكرَّر قصة ابني آدم: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: ٢٧]، والسعيد مَن ثبَّته الله على ألا يقابل الإساءة بالإساءة كما فعل ابن آدم الأول حين قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]، وتتكرَّر القصة في أبناء آدم حسدًا على دنيا، أو غيرة من صلاح وهمة أو غير ذلك.
ومن أقبح الحسد: ما يكون من المنعَّمين والسبَّاقين في كثير من مجالات الحياة، وكأنما يريدون احتكارها لأنفسهم.
يقول صاحب الظلال: (إنه لمن آلام الحسد: أن يحسد ذو النِّعمة الموهوب، لقد يحسد المحروم ويكون الحسد منه رذيلة، أما أن يحسد المغمور بالنعمة فهذا هو الشر الأصيل العميق ..) (٤).
_________________
(١) هذه الأقوال منقولة من الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٥١ من تفسير الآية ٥٥ من سورة النساء.
(٢) من الآية (٥) من سورة الفلق.
(٣) فتح القدير الشوكاني ٥/ ٥٢١ عند تفسير سورة الفلق.
(٤) في ظلال القرآن ٢/ ٦٨٣ من ظلال الآية ٥٥ من سورة النساء.
[ ٢٠٨ ]
ومن أبواب السقوط في التنافس غير الشريف: ما يكون بين الأنداد والمتشابهين من علماء الفن الواحد، أو المهنة الواحدة، أو المنزلة الاجتماعية، أو المرتبة الإدارية؛ حيث يتتبَّع كل واحد سقطات الآخر، بدلًا من أن يُعمل الفكر والجهد لتقديم الأنفع والأصلح والأبدع.
ويشخِّص ابن قدامة المقدسي هذا المرض، فيقول: (تعلم أن النفس قد جُبِلت على حبِّ الرفعة، فهي لا تحب أن يعلوها جنسها، فإذا علا عليه شق عليها، وكرِهَته، وأحبَّت زوال ذلك ليقع التساوي، وهذا أمر مركوز في الطباع، فأما إن أحب أن يسبق أقرانه، ويطلع على ما لم يُدرِكوه، فإنه لا يأثم بذلك، لإنه لم يؤثر زوال ما عندهم عنهم، بل أحب الارتفاع عنهم؛ ليزيد حظه عند ربه) (١).
والأمر خطير يحتاج إلى ضبط المشاعر، وتنقية القلب، وإخلاص القصد لئلا يخرج هذا التنافس عن الحدّ المحمود إلى الحسد والتباغض.
ومن بشرى رسول الله - ﷺ - لأصحاب التنافسِ الشريف، والبراءةِ من التحاسد: أن أول زمرة يدخلون الجنة «قلوبهم على قلب رجل واحد؛ لا تباغض بينهم ولا تحاسد» (٢).
ولا يمكن أن يتماسك مجتمع الساعين لاستئناف المجتمع الإسلامي الكبير، ما لم يتطهر مجتمعهم الصغير الناشئ من الكيد والتحاسد، وما لم يستنزف جهودَهم التنافسُ في الخيرات.
_________________
(١) مختصر منهاج القاصدين ص ٢٠٢.
(٢) صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق - باب ٨ - الحديث ٣٢٥٤ (فتح الباري ٦/ ٣٢٠).
[ ٢٠٩ ]
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
• التفاوت بين الناس أمر قدري وطبيعي.
• المنافسة الشريفة تُحرِّك الهمم إلى الخيرات.
• أكثر ما يكون التنافس في الطاعات البدنية والمالية.
• قدَّم الصحابة ﵃ أطهر صور التنافس بين الأنداد.
• الخطورة أن ينقلب التنافس إلى التحاسد.
• أكثر ما يكون التحاسد بعد انفتاح الدنيا على الناس.
• المجتمع النظيف يعم فيه التنافس الشريف.
• الإيمان والحسد لا يجتمعان في قلب عبد.
• شر الحاسد ما يدفعه إليه حسده من كيدٍ ومكر.
• من أقبح الحسد:
- ما يكون من حسد المنعّم لمن دونه.
- ما يكون بين الأنداد في العلم والمنزلة.
• أول زمرة يدخلون الجنة، لا تباغض بينهم ولا تحاسد.
****
[ ٢١٠ ]