اصطفاء البطانة
[ ٢٥٨ ]
«اللهم يسر لي جليسًا صالحًا».
سواء أكنت رئيسًا أم مرؤوسًا، مأمورًا أم آمرًا، فلابد أن يكون لك أصحاب تقربهم إليك، وتستأنس بهم، وتشاورهم في كثير من أمورك، وهؤلاء هم بطانتك، وقد غلب استعمال لفظ «البطانة» مع الأمراء، وقد فسر ابن حجر البطانة: بالدخلاء، جمع دخيل: (وهو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته، يفضي إليه بسره، ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر رعيته، ويعمل بمقتضاه) (١).
كثيرًا ما نرى من أهل الصلاح من يزل زلات، إنما استدرجته إليها بطانة فاسدة، زينت له الباطل، وحجبت الحق عن عينيه، ومسؤولية أحدنا تبدأ من حسن الاختيار للأصحاب، فالصاحب دليل على صاحبه؛ إذ إن النفوس المتماثلة تتجاذب فيما بينها، كما بيَّن رسول الله - ﷺ - بقوله: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٢)؛ لأن أية صحبة لا تخلو من تأثير وتأثر، وقد كان سلف الأمة يحرصون على الأنس بالجليس الصالح، والصاحب التقي، الذي يعني على الخير، ويزيل وحشة الغربة، وقد ورد عن علقمة أنه حين قدم الشام غريبًا دعا: (اللهم يسر لي جليسًا صالحًا) (٣)؛ لأن الجليس الصالح يذكرك إذا
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ١٩٠ - كتاب الأحكام - باب ٤٢.
(٢) أخرجه أبو داود والترمذي وإسناده حسن (جامع الأصول ٦/ ٦٦٧ الحديث ٤٩٦٧).
(٣) صحيح البخاري - كتاب فضائل الصحابة - باب ٢٠ الحديث ٣٧٤٣ (الفتح ٧/ ٩١).
[ ٢٥٩ ]
غفلت، ويعينك إذا تذكرت.
والرسول - ﷺ - بيَّن أنه ما من نبي، ولا خليفة، إلا ويقع بين دواعي بطانتين: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه» (١)، وفي رواية «وبطانة لا تألوه خبالًا» (٢)، وإذا أردت أن تحتاط لأمر دينك، فمن البداية خذ بوصية رسول الله - ﷺ - باختيار صالحي المؤمنين لبطانتك: «لا تصاحب إلا مؤمنًا» (٣) ثم لاحظ ما تراه من حرص أخيك على جلب الخير إليكن وعلى اتقاء مساءتك، فإن أفضلهم صحبة - كما في الحديث - أكثرهم حرصًا على جلب الخير إليك: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه» (٤).
وأولى الناس بالتقريب، هم أهل العلم والصلاح، ولذلك فقد كانت بطانة عمر - ﵁ - من القراء، روى ابن عباس أنه: (كان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته - كهولًا كانوا أو شبانًا) (٥)، وكلما كانوا من أهل العلم والتقوى كنت أبعد عن الزلل - بإذن الله - وقد توَّج البخاري أحد أبواب صحيحه بقوله: (وكانت الأئمة بعد النبي - ﷺ - يستشيرون الأمناء من أهل العلم ..) (٦)، وفي فاتحة باب آخر
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأحكام - باب ٤٢ - الحديث ٧١٩٨ (الفتح ١٣/ ١٨٩).
(٢) مسند أحمد ٢/ ٢٣٧. وقد صحح أحمد شاكر ﵀ إسناده (٧٢٣٨).
(٣) أخرجه ابو داود والترمذي وإسناده حسن (جامع الأصول ٦/ ٦٦٦ الحديث ٤٩٦٦).
(٤) صحيح سنن الترمذي للألباني ٢/ ١٨٤ الحديث ١٥٨٦ (صحيح).
(٥) صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب ٥ - الحديث ٤٦٤٢ (الفتح ٨/ ٣٠٤).
(٦) صحيح البخاري - كتاب الاعتصام - من ترجمة باب ٢٨ (الفتح ١٣/ ٣٣٩)
[ ٢٦٠ ]
ينقل عن علي وشريح قولهما في المرأة التي تدعي أنها حاضت في شهر ثلاثًا: (إن جاءت ببينة من بطانة أهلها - ممن يرضي دينه - .. صدقت.) (١)، فالمقياس صلاح دين الرجل، وليست معايير الطين والمادة، والذوبان في شخصية الصاحب.
وإن كتمان العيوب عن الصاحب خيانة، والكيد لوقيعة من اصطفاك لبطانته جريمة، ورسولنا - ﷺ - استعاذ من ذلك: «.. وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» (٢)، وحين سأل ابن مسعود عن أيام الهرج متى تكون؟ أجابه رسول الله - ﷺ - بأبرز فتن هذه الأيام. فقال: «حين لا يأمن الرجل جليسه» (٣)، فهذا أمر يحتاج إلى التحري والاصطفاء البعيد عن الهوى؛ حتى يجد المرء من يأمنه، ومن يطمئن لصحبته.
ومن مزايا البطانة - إذا صلَحت - أنها تَحُول دون شر كبير، وتحض على خير كثير، ومن خطورة البطانة - إذا فسدت - أنها قد تحسن القبيح، أو تقبح الحسن؛ بالوسوسة والتظاهر بالإخلاص، وقد وصف أشهب بطانة الحاكم بقوله: (وليكن ثقة مأمونًا فطنًا عاقلًا؛ لأن المصيبة إنما تدخل على الحاكم المأمون من قبوله قول من لا يوثق به، إذا كان هو حسن الظن به، فيجب عليه أن يتثبت في مثل ذلك) (٤).
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الحيض - من ترجمة باب ٢٤ (الفتح ١/ ٤٢٤).
(٢) أخرجه أبو داود والنسائي - وهو حسن - (جامع الأصول ٤/ ٣٥٧ الحديث ٢٣٨٩).
(٣) مسند أحمد ١/ ٤٤٨ وصححه أحمد شاكر في شرح المسند ٦/ ١٤٣ برقم ٤٢٨٦.
(٤) فتح الباري ١٣/ ١٩٠ - كتاب الأحكام - من شرح الباب ٤٢.
[ ٢٦١ ]
وقد رأينا في واقعنا أناسًا خاصموا وفجروا وقاطعوا وهجروا .. بتحريض بطانة حركت الغضب للذات، وأبدت الحرص على صاحبها، والهيام فيه، أكثر من عصبيته لنفسهن فاستعظم الرجل نفسه، وهوى في شباك وساوس شياطين الإنس، فعادى الناس وشاتمهم مع ما يعرف من صلاحه الشخصي.
فالجليس الصالح كحامل المسكن وقد تكون الريح الطيبة التي تجدها منه كلمة حق صريحة، فيجب أن تلقى منك تجاوبًا وتقديرًا؛ لأن مبعثها الإخلاص للحق، ومن شواهد ذلك أن عبادة بن الصامت حدث بحديث استنكره معاوية؛ لأنه لم يسمعه من رسول الله - ﷺ -، فقال عبادة: (لنحدثن بما سمعنا من رسول الله - ﷺ - وإن كره معاوية) (١).
ومن ثمرات البطانة الصالحة: المشورة بالرشد والسداد للرأي؛ لأن الأصل في المستشار الأمانة، والإشارة بالأصلح، لقوله - ﷺ -: «المستشار مؤتمن» (٢)، وفي الحديث: «مَن استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه» (٣)، فانظر فيمن وثقت، وبمن استرشدت، فكل امرئ يحشر مع بطانته المختارة، لأن «المرء مع من أحب» (٤) - كما أخبر
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب المساقاة - باب الربا - الحديث ٨٠ (شرح النووي ١١/ ١٤).
(٢) أخرجه أبو داود والترمذي - وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ١١/ ٥٦٢ الحديث ٩١٧٢).
(٣) مسند أحمد ٢/ ٣٢١ واللفظ له، ورواه أبو داود بإسناد حسن (جامع الأصول ١١/ ٥٦٢).
(٤) أخرجه البخاري ومسلم (جامع الأصول ٦/ ٥٥٨ الحديث ٤٧٨٧).
[ ٢٦٢ ]
- ﷺ - ومن بركة البطانة الصالحة أنه تعمك الرحمة بينهم، وإن لم تكن بمنزلتهم، فقد جاء في الحديث أن الله يشهد ملائكته بأنه يغفر لقوم جلسوا يذكرون الله، فيقول ملك: فيهم فلان ليس منهم، وإنما جاء لحاجة، فيقول الله ﷿: «هم الجلساء؛ لا يشقى بهم جليسهم» (١)، وتلك من بركات صحبة أهل الخير.
فإن كانت لك بطانة فأحسن اختيارها، واعمل بما يشيرون عليك من الخير، وإن كنت بطانة لغيرك فكن صريحًا صادقًا أمينًا، وأَشِرْ بكل خير.
وبالتزام خُلُق «اصطفاء البطانة» تسقط الأقنعة الكاذبة وتنكشف الحقائق، ويتميز كل فريق باهل وده وأصحاب خلته، فانظر من تخلل.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- البطانة تؤثر بأفكارها وأخبارها.
- حسن اختيار البطانة يجنب كثيرًا من المفاسد.
- من أراد الاحتياط لدينه يختار الصالحين لصحبته.
- أهل العلم هو أولى الناس بالتقريب والمشورة.
- في أيام الفتن لا يأمن الرجل جليسه.
- من خطورة البطانة الفاسدة:
- أنها تحسن القبيح.
- تسبب الخصومات.
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الدعوات - باب ٦٦ - الحديث ٦٤٠٨ (الفتح ١١/ ٢٠٨)
[ ٢٦٣ ]
- من ثمرات البطانة الصالحة:
- حسن المشورة.
- عموم الرحمة.
[ ٢٦٤ ]