سرعة الفيئة
[ ٢٩٩ ]
«فخيرهم بطيء الغضب سريع الفيئة».
مَن يراجع سيرة خير القرون يجد أن صحابة رسول الله - ﷺ - لم يكونوا متميزين بالعصمة من الوقوع في الخطأ مع الخلق أو الخالق، وإنما كانوا بشرًا تميزوا بأنهم ﴿ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وأنهم ﴿ مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] هذه المبادرة إلى التوبة وتلك المسارعة إلى الرجوع للحق هي ما نَعْنيه بسرعة الفيئة.
كثيرًا ما تكون بعض الطبائع التي لم تهذب سببًا من أسباب زلة القدم والوقوع في بعض الخصومات، وقد ورد أن رسول الله - ﷺ - ذكر طبائع الناس وأخلاقهم في إحدى خطبه فقال: «يكون الرجل سريع الغضب، قريب الفيئة، فهذه بهذه، ويكون بطيء الغضب بطيء الفيئة فهذه بهذه، فخيرهم بطيء الغضب سريع الفيئة وشرهم سريع الغضب بطيء الفيئة» (١).
وحبل الخيرية بيدك أيها المؤمن، وما عليك إلا أن تضبط عواطفك فلا تغضب ولا تُسِئ، وإن لم تتمالك نفسك فلا يطل عليك الأمد ويتراكم على قلبك الران، وإنما تفيء إلى دائرة الحق بسرعة، وترجع إلى جادة الصواب على عجل.
_________________
(١) مسند أحمد ٣/ ٦١ ورواه الترمذي في الفتن وحسنه، وفي سنده ضعيف ولبعض فقراته شواهد: جامع الأصول ١١/ ٨٤٨.
[ ٣٠١ ]
ولم يخلُ بيتٌ من بيوت رسول الله - ﷺ - من خصومات تقع بين زوجاته، ولكن انظروا إلى شهادة عائشة ﵂ في ضرتها زينب ﵂ وإلى ما ذكرت من خُلُق زينب: (ولم أر امرأة قط خيرًا من زينب وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفيئة) (١).
فلم تكن تُنكر عليها سوى حدَّةٍ في طبعها، ولكنها ﵂ كانت تسارع فتستدرك وتصلح ما نتج عن حدتِها.
ولذلك حين تعرض الأعمال يومي الاثنين والخميس يغفر لكل مؤمن إلا المتخاصمين فيقال: «أنظِروا هذين حتى يصطلحا» (٢)، وفي رواية: «اتركوا هذين حتى يفيئا» (٣)، «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٤).
والمتوقع من المؤمن الصادق أنه يسرع الفيئة ويسابق إلى الصلح، أنا من يلجُ في الخصومة ويغرق في التمادي فإن «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (٥)، وفسره ابن حجر بأنه: شديد العوج، كثير الخصومة (٦).
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب ١٣ - الحديث ٨٣ (شرح النووي ١٥/ ٢١٥).
(٢) سنن أبي داود - كتاب الأدب - باب ٥٥ - الحديث ٤٩١٦ (صحيح).
(٣) صحيح مسلم - كتاب البر - باب ١١ - الحديث ٢٥٦٥ (شرح النووي ١٦/ ٣٥٨).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٦٢ - الحديث ٦٠٧٧ (الفتح ١٠/ ٤٩٢).
(٥) صحيح البخاري - كتاب الأحكام - باب ٣٤ - الحديث ٧١٨٨ (الفتح ١٣/ ١٨٠).
(٦) فتح الباري ٨/ ١٨٨.
[ ٣٠٢ ]
بل إن من صفات المنافق أنه «إذا خاصم فجر» (١)، يقول ابن حجر: (والفجور الميل عن الحق والاحتيال في رده) (٢)، وكم يكون عظيمًا ذلك الذي يذل للمؤمنين، ويؤوب إلى الرشد، ويعجل إلى ربه ليرضى عنه.
ولقد ضرب أبو بكر الصديق - ﵁ - مثلًا رفيعًا في سرعة الفيئة حين علم أن مسطح بن أثاثة الذي يأكل من نفقة أبي بكر كان قد شارك في اتهام ابنته السيدة عائشة بحديث الإفك، فأقسم أبو بكر ألا يُنفَق عليه، ونزل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فما أن سمع أبو بكر خاتمة الآية حتى صاح: (بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي)، وتغلَّب على عواطفه التي تدعوه للثأر لغرض ابنته البريئة (فرجع إلى مِسطَح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا) (٣).
ليس العيب في الوقوع في الخطأ؛ إذ «كل بني آدم خطاء. وخير الخطائين التوابون» (٤)، وإنما تكمن المصيبة في الإصرار على الخطأ والتمادي في الباطل، مع أن أبواب الرحمة مفتحة تدعونا لسرعة الفيئة «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ٢٤ - الحديث ٣٤.
(٢) فتح الباري ١/ ٩٠.
(٣) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب ٣٤ - الحديث ٤١٤١ (الفتح ٧/ ٤٣٤).
(٤) صحيح سنن ابن ماجه للألباني ٢/ ٤١٨ الحديث ٣٤٢٨ (حسن).
[ ٣٠٣ ]
ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (١)، وتستطيع تجاوز العقبة بأن تكون صريحًا مع نفسك وتعترف بخطئك، وهذه بداية طريق التوبة والفيئة إلى الله «فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه» (٢)، وإذا كان ربنا يدعونا إلى سَعَة رحمته ويقابل ضعفنا بإحسانه، فما الذي يبطئ بنا عن إصلاح أنفسنا، وما الذي يحول بيننا وبين الفيئة السريعة والرجعة النصوح؟ وقد جاء في الحديث القدسي: «وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (٣).فهرول أيها العبد إلى رحمة الله وإياك والتسويف.
إن الذي يَحُول دون التعجيل بالتوبة الوقوع في قيد الإصرار، ولقد ترجم البخاري أحد أبواب كتاب الإيمان بقوله: (خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل العمران: ١٣٥] (٤)، ويُعلِّق ابن حجر على هذا الباب (وكأن المصنف لمح بحديث عبد الله بن عمرو المخرج عند أحمد مرفوعًا قال: «ويل للمُصرِّين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون»؛ أي: يعلمون أن مَن تاب تاب الله عليه ثم لا
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب التوبة - باب ٥ (شرح النووي ١٧/ ٨٣).
(٢) صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب ٦/ الحديث ٤٧٥٠ (الفتح ٨/ ٤٥٤).
(٣) صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب ١٥ - الحديث ٧٤٠٥ (الفتح ١٣/ ٣٨٤).
(٤) صحيح البخاري ترجمة الباب ٣٦ من كتاب الإيمان الفتح ١/ ١٠٩.
[ ٣٠٤ ]
يستغفرون، قاله مجاهد وغيره) (١).
وصورة الإصرار كما فسَّرها الشوكاني: (العزم على معاودة الذنب وعدم الإقلاع عنه بالتوبة منه) (٢)، فهل يختار المؤمن مصير الويل أم يقاوم هواه ويستعلي على نزوات الشيطان لينطلق من قيدها ساعيًا إلى رحمة الله؟
إن خلق سرعة الفيئة من أول ما يطالعك في أول منازل الآخرة حيث تأتيك البشرى بالخير ويقول لك عملك: «أنا عملك الصالح، كنت والله سريعًا في طاعة الله، بطيئًا عن معصية الله؛ فجزاك الله خيرًا». أو تأتيك البشرى بالشر ويقول لك عملك: «أنا عملك الخبيث، كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا في معصية الله؛ فجزاك الله شرًّا» (٣).
فإذا أسأت فأحسِن، وإذا أذنبتَ فاستغفر؛ لعل عملك يشهد لك بالسرعة في طاعة الله.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- تميز الصحابة في سرعة فيئتهم وليس بعصمتهم.
- من أسباب زلة القدم الانسياق للطباع الغضبية.
- بيت النبوة لم يخلُ من خصومات ولكن الفيئة كانت سريعة.
- المتخاصمان إذا لم يُسرِعا الفيئة حُرِما قَبول العمل.
- الذي يحب أن يغفر الله له يسرع الفيئة.
_________________
(١) فتح الباري ١/ ١١٢ من شرح الباب ٣٦ من كتاب الإيمان، وحديث أحمد في المسند ٢/ ١٦٥ وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٨٩٧.
(٢) فتح القدير للشوكاني ١/ ٣٨٢.
(٣) مسند أحمد ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦ من حديث طويل طرفه (إن المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا ..).
[ ٣٠٥ ]
- يعين على سرعة الفيئة:
- الاعتراف بالخطأ والصراحة مع النفس.
- عدم الإصرار، والتعجل بالتوبة.
- سريع الفيئة يشهد له عمله في أول منازل الآخرة.
****
[ ٣٠٦ ]