القناعة والعفة
[ ٣٥٨ ]
«وكن قنعًا تكن أشكر الناس».
صورة اللاهث على الدنيا، المتهافت على الاستكثار منها بجشع وطمع، الذي يرضى بالدنية، ويعتاد الشكوى، ويُلحِف في السؤال، هذه الصورة لا تنسجم مع عزة المجاهد، وقناعته، وتعففه، ورضاه بما قسم الله له.
إن الاستسلام لدواعي الطمع ليس له نهاية، إذا أرخى المرء عنان شهواته؛ لذلك جاء في الحديث: «.. إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع ..» (١).
ويغلب الطمع على المتنافسين في الدنيا وزينتها، والمتطلعين دوما إلى من هو فوقهم، يعلل الإمام النووي ذلك بقوله: (لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا، طلبت نفسه مثل ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى، وحرص على الازدياد؛ ليلحق بذلك أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس ) (٢).
وهذا الحرص الزائد في نفس المرء، يفسد عليه دينه، كما جاء في الحديث: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الزكاة - باب ٥٠ - الحديث ١٤٧٢.
(٢) شرح مسلم للنووي - كتاب الزهد والرقائق - من شرح الحديث ٢٩٦٣.
[ ٣٥٩ ]
على المال والشرف لدينه» (١).
والتعلق القلبي الزائد بزينة الحياة، وبالاستكثار من المال، يستعبد المرء، وقد دعا رسول الله - ﷺ - على أولئك بالتعاسة: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة: إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس » (٢).
ولا تنال القناعة إلا بمجاهدة النفس وبتوفيق من الله «.. من يستعفف يعفه الله، ومن يستعن يغنه الله» (٣) وقد كان الصحابي الكريم حكيم بن حزام يمتنع من أن يأخذ حقه في الفيء - رغم إلحاح سيدنا عمر عليه - ويفسر ابن حجر سبب ذلك بقوله: (وإنما أمتنع حكيم من أخذ العطاء - مع أنه حقه - لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئا، فيعتاد الأخذ، فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده، ففطمها عن ذلك، وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ..) (٤).
وقد عد رسول الله - ﷺ - من أهل الجنة: «عفيف متعفف، ذو عيال» (٥) إذ أنه يجاهد نفسه مع وجود الحاجة.
ومن تمام الاستعفاف: أن بعض الصحابة كانوا يبايعون رسول الله - ﷺ - على ألا يسألوا الناس شيئا، ويصف الرواي حالهم بعد رسول الله، فيقول: (.. فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه، فما يسأل
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي - كتاب الزهد - باب ٣٠ - الحديث ١٩٣٥/ ٢٤٩٥ (صحيح).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ٧٠ - الحديث ٢٨٨٧.
(٣) صحيح البخاري - كتاب الزكاة - باب ٥٠ - الحديث ١٤٦٩.
(٤) فتح الباري - كتاب الزكاة - باب ٥٠ - من شرح الحديث ١٤٧٢.
(٥) صحيح مسلم - كتاب الجنة - باب ١٦ - الحديث ٦٣.
[ ٣٦٠ ]
أحدا أن يناوله إياه) (١) مبالغة منهم في الالتزام بما بايعوا عليه. وفي حوار مع أبي ذر، قال رسول الله - ﷺ -: «كيف أنت وجوعًا يصيب الناس، حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك، ولا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: عليك بالعفة » (٢).
ومن المجاهدة ألا تكون الشكوى إلا إلى الله، وألا ينتظر الفرج إلا منه سبحانه، ففي الحديث: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس، لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله، أوشك الله له بالغنى: إما بموت آجل، أو غنى عاجل» (٣).
وفي حالات الضرورة الشديدة التي تدفع المرء إلى أن يمد يده بالسؤال، شرط السؤال عدم وجدان الغنى لوصف الله الفقراء بقوله: يقول ابن حجر: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ﴾ [البقرة: ٢٧٣]؛ إذ من استطاع ضربا بها فهو واجد لنوع من الغنى، والمراد بالذين أحصروا: الذين حصرهم الجهاد؛ أي: منعهم الاشتغال به من الضرب في الأرض - أي التجارة - لاشتغالهم به عن التكسب) (٤).
الصورة التي أذِن فيها رسول الله - ﷺ - بالسؤال، قيدها بحد معين «حتى يصيب قوامًا من عيش، أو سدادًا من عيش فما سواهن
_________________
(١) ورواه مسلم أيضًا. كتاب الزكاة - باب (٣٥) الحديث (١٠٤٣) ورواه أبو دواد أيضًا.
(٢) صحيح سنن ابن ماجه - كتاب الفتن - باب ١٠ - الحديث ٣١٩٧/ ٣٩٥٨ (صحيح).
(٣) صحيح سنن أبي داود - كتاب الزكاة - باب ٢٩ - الحديث ١٤٤/ ١٦٤٥ (صحيح).
(٤) فتح الباري ٣/ ٢٤٠ - كتاب الزكاة - باب ٥٣ - .
[ ٣٦١ ]
من المسألة - يا قبيصة - سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا» (١).
وقد ذكر الإمام النووي اتفاق العلماء على النهي عن السؤال لغير ضرورة، واشترط في سؤال القادر على الكسب ثلاثة شروط: (ألا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فقد أحد هذه الشروط، فهي حرام بالاتفاق، والله أعلم) (٢).
والمال الذي يأتي بغير تطلع النفس إليه، قال فيه رسول الله - ﷺ -: «إذا جاءك من هذا المال شيء - وأنت غير مشرف ولا سائل - فخذه، وما لا، فلا تُتبِعه نفسك» (٣)، وفضَّل ابن بطال الأخذ على الترك، بشرط عدم استشراف النفس، وعلَّل الأفضلية بما يدل على مزيد فقه بطبائع البشر، فقال: (والوجه في تعليل الأفضلية: أن الآخذ أعون في العمل، وألزم للتصيحة من التارك، لأنه إن لم يأخذ، كان عند نفسه متطوعًا بالعمل، فقد لا يجد جدَّ مَن أخذ، ركونًا إلى أنه غير ملتزم، بخلاف الذي يأخذ، فإنه يكون مستشعرًا بأن العمل واجب عليه، فيجد جدَّه فيه) (٤).
ولكي تتوفر في المسلم، دواعي الكفاية والقناعة، بشرف وعزة، دعاه الإسلام إلى العمل، فقال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله، أعطاه أو منعه» (٥)، وذكر ابن حجر من فوائد الحديث:
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الزكاة - باب ٣٥ - الحديث ١٠٤٣.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي - كتاب الزكاة - باب ٣٣ - .
(٣) صحيح البخاري - كتاب الزكاة - باب ٥١ - الحديث ١٤٧٣.
(٤) نقلا عن فتح الباري ١٣/ ١٥٤ من شرح الباب ١٧ من كتاب الأحكام.
(٥) صحيح البخاري - كتاب الزكاة - باب ٥٠ - الحديث ١٤٧٠.
[ ٣٦٢ ]
(الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع، لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال، ومن ذلِّ الرد إذا لم يُعطَ) (١).
يقول أحمد في الدعوة إلى التوكل والتكسب: (أجرة التعليم والعلم، أحب إلب من الجلوس لانتظار ما في أيدي الناس، - وقال أيضا -: من جلس ولم يحترف، دعته نفسه إلى ما في أيدي الناس) (٢).
والزهد بما في أيدي الناس، يحبب المرء إليهم، وفي وصية موجزة قال رسول الله - ﷺ -: «.. وأجمعِ اليأسَ عما في أيدي الناس» (٣)، كما في وصية جبريل لرسول الله - ﷺ - «.. واعلَم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس» (٤).
وإذا علمنا ما كان عليه حال رسول الله - ﷺ -، هان علينا أن نقنع بما نحن فيه، فقد وصف حاله النعمان بن بشير بقوله: (لقد رأيتُ نبيَّكم، وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه) (٥)، وكان - ﷺ - يدعو: «اللهم اجعَل رزقَ آل محمد قوتًا» (٦).
ومن أسباب القناعة: أن ينظر المرء إلى حال مَن كان دونه؛ ليعرف
_________________
(١) فتح الباري ٣/ ٣٣٦ - كتاب الزكاة - باب ٥٠ - من شرح الحديث ١٤٧٠.
(٢) نقلا عن فتح الباري - كتاب الرقاق - باب ١٦ - .
(٣) صحيح سنن ابن ماجه - كتاب الزهد - باب ١ - الحديث ٣٣٦٣/ ٤١٧١ (حسن).
(٤) صحيح الجامع - الحديث ٧٣ (حسن).
(٥) صحيح سنن الترمذي - كتاب الزهد - باب ٢٦ - الحديث ١٩٣٢/ ٢٤٩١ (صحيح).
(٦) صحيح سنن الترمذي - كتاب الزهد - باب ٢٥ - الحديث ١٩٢٤/ ٢٤٨٠ (صحيح).
[ ٣٦٣ ]
نعمةَ الله عليه، كما جاء في الحديث: «انظروا إلى مَن أسفلَ منكم ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» (١).
وصاحب النفس العفيفة لا يرضى أن تكون يده السفلى، ورسول الله - ﷺ - يقول: «اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة» (٢)، وسيكون أكثر تعففًا؛ حين يتخيل هذا التصوير لمال الصدقة: يذكر عبد الله بن الأرقم أنه طلب بعيرًا من بيت المال، فعرض عليه جمل من الصدقة، فأبى واستنكر أن يعرض عليه ذلك، وقال لصاحبه: (أتحب أن رجلًا بادنًا في يوم حار، غسل لك ما تحت إزاره ورُفْغَيْه، ثم أعطاكه، فشربته؟ فغضب الرجل وقال: يغفر الله لك، أتقول لي مثل هذا؟! فقال عبد الله بن الأرقم: إنما الصدقة أوساخ الناس؛ يغسلونها عنهم) (٣).
ووما يُقوِّي القناعة: علم المرء بأن السؤال ذل في الدنيا، وعذاب وفضيحة في الآخرة، وفي ذلك يقول رسول الله - ﷺ -: «من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر» (٤).
وكذلك (من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار) (٥)، ولماذا يستكثر من حيزت له الدنيا بأمنها وعافيتها وقوت يومها؟: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت بومه، فكأنما حيزت
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الزهد والرقائق - الحديث ٢٩٦٣.
(٢) صحيح مسلم - كتاب الزكاة - باب ٣٢ - الحديث ١٠٣٣.
(٣) الموطأ ٢/ ١٠٠١ - كتاب الصدقة - باب ٣ - الحديث ١٥ (قال الأرناؤوط في حاشية جامع الأصول ١٠/ ١٥٠ - إسناده صحيح) والرفغ: أصول الفخذين من باطن.
(٤) صحيح مسلم - كتاب الزكاة - باب ٣٥ - الحديث ١٠٤١.
(٥) صحيح سنن أبي داود - كتاب الزكاة - باب ٢٤ - الحديث ١٤٣٥/ ١٦٢٩.
[ ٣٦٤ ]
له الدنيا» (١)، ولماذا يحزن المرء على شيء فاته من الدنيا، إذا اطمأن أنه من المفلحين؟ «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه» (٢)؟ وكيف يلهث طامعًا إذا علم بخطر ذلك على عاقبته، إن لم يؤد حقَّه؟: «الأكثرون هم الأسفلون، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا» (٣).
وما فائدة الاستكثار والكنز إذا كانت احتياجات المرء محدودة بضرورات معينة؟: «وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو ليست فأبليت؟!» (٤).
والخلل في قناعة المسلم قد ينشأ عن اهتزاز بعض مفاهيمه الإيمانية، من الرضا بالقدر، في العسر واليسر، لذلك كان من دعائه - ﷺ -: «.. وأسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بالقضاء» (٥).
وفي دعاء الاستخارة: «.. واقدر لي الخير حيث كان ثم رضِّني به» (٦)، ومن دواعي الرضا بالتفكير بالأجر، كما في الحديث: «لو تعلمون ما لكم عند الله، لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة» (٧)، وكذلك قوله - ﷺ -: «لو تعلمون ما ادُّخِر لكم، ما حزنتم
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي - كتاب الزهد - باب ٢١ - الحديث ١٩١٣/ ٢٤٦٣ (حسن).
(٢) صحيح مسلم - كتاب الزكاة - باب ٤٣ - الحديث ١٠٥٤.
(٣) صحيح سنن ابن ماجه - كتاب الزهد - باب ٨ - الحديث ٣٣٣٣/ ٤١٣١ (حسن صحيح).
(٤) صحيح سنن الترمذي - كتاب الزهد - باب ٢١ - الحديث ١٩٠٩/ ٢٤٥٩ (صحيح).
(٥) صحيح سنن النسائي - كتاب السهو - باب ٦٢ - الحديث ١٢٣٨ (صحيح).
(٦) صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب ١٠ - الحديث ٧٣٩٠.
(٧) صحيح الجامع - الحديث ٥٢٦٥ (صحيح).
[ ٣٦٥ ]
على ما زوي عنكم» (١).
قد يكون أب فقيرً قانعًا مستعففًا، كما قد يكون الغني طماعًا جشعا، ذلك لأن الغنَى غنى النفس، قال - ﷺ -: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» (٢)، وقد وصف رسول الله - ﷺ - حال الناس في القرون المتأخرة، فعد من أشراط الساعة «.. وأن يعطى الرجل ألف دينار، فيتسخطها» (٣)، وهذا من أشد صور الحرص والطمع، كما أن القناعة أعلى صور الشكر والرضا: «.. وكن قنعًا تكن أشكر الناس» (٤).
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- المستسلم لدواعي الطمع كالذي يأكل ولا يشبع.
- التنافس على الدنيا من دواعي الطمع.
- لا تُنال القناعة إلا بالمجاهدة.
- من تمام عفَّة الصحابة بيعتهم على ألا يسألوا الناس شيئًا.
- من شروط العلماء في السؤال:
- عدم وجدان الغنى.
- عدم إذلال النفس.
- عدم الإلحاح في السؤال.
- عدم استشراف النفس.
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٥٢٦١ (صحيح).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ١٥ - الحديث ٦٤٤٦.
(٣) صحيح الجامع - الحديث ٣٦٠٧ (صحيح).
(٤) صحيح الجامع - الحديث ٤٥٨٠ (صحيح).
[ ٣٦٦ ]
- يعين على العفة والقناعة:
- العمل لتأمين الكفاية.
- الاقتداء بحال السلف.
- النظر إلى من هو دونك.
- استحضار ما في السؤال من ذل الدنيا والآخرة.
- احتياجات المرء محدودة فلا حاجة للطمع.
- تصاب القناعة بالخلل إذا اهتز الإيمان بالقدر.
- من أغرب الأحوال قناعة الفقير وطمع الغني.
- القناعة أعلى صور الشكر والرضى.
****
[ ٣٦٧ ]