الحرص على الانتفاع
[ ٤٠٨ ]
«احرِص على ما ينفعك واستعِنْ بالله».
لا تكتمل شخصية المسلم النافع لغيره، مالم يكن من خلقه الحرص على استنفاد نفسه، واستغلال طاقاته، ومواقف حياته فيما ينجيه عند ربه.
إن رسول الله - ﷺ - قد وجَّهنا إلى هذا الخلق بقوله: «احرِص على ما ينفعك» (١)، وبتحذيره لعشيرته الأقربين: «أنقذوا أنفسكم من النار» (٢) وبتذكيره باليوم الذي يفر فيه كل خليل من خليله، ويقول كل نبي: «نفسي، نفسي، نفسي» (٣)؛ حيث ﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
بدافع من هذا الخُلق نجد صحابيًّا مثل خيثمة بن الحارث يصرُّ على الخروج لغزوة بدر، ويلِّح على ابنه سعدٍ أن يبقى مع نساء آل بيته، ويأبى سعد إلا أن يخرج بنفسه، ويصارح أباه قائلًا: (لو كان غيرَ الجنة لآثرتك به، إني أرجو الشهادة في وجهي هذا. فاستهما فخرج سهم سعد ..) (٤).
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب القدر - باب ٨ - الحديث ٢٦٦٤ (شرح النووي ١٦/ ٢١٥).
(٢) صحيح مسلم - كتاب الإِيمان - باب ٨٩ - الحديث ٣٤٨ (شرح النووي ٢/ ٨٠).
(٣) صحيح البخاري - التفسير - سورة الإِسراء - باب ٥ - الحديث ٤٧١٢ (الفتح ٨/ ٣٩٥).
(٤) حياة الصحابة ١/ ٤٩٨ - ٤٩٩ - باب الجهاد - رغبة الصحابة في الموت والقتل في سبيل الله، وقد عزيت هناك للحاكم ٣/ ١٨٩.
[ ٤٠٩ ]
فقد كان الحرص على جلب النفع للنفس في الآخرة رائدَهم، ولذلك كان رجاء كل منهم: دُلَّنِي على عمل ينفعني، أو يدخلني الجنة (١).
وقد تغفل في غمرة جهادك ومشاغلك عن حظ نفسك من التربية فلابد من لفتة إِلى خاصة نفسك، وإن رسول الله - ﷺ - خيّر عمه حمزة خيارًا مُعِبِّرًا: «يا حمزة! نفسٌ تحييها، أحبُّ إِليك، أم نفسٌ تميتها؟ قال: بل نفس أحييها قال: عليك بنفسك» (٢).
بعض الصور والمواقف من حياة لجيل الأول، تؤكد لك رسوخ هذا الخلق في تربية خير القرون، ففي حديث طويل يكرر أبو أمامة طلبه: «يا رسول الله! ادعُ الله لي بالشهادة) وفي كل مرة يصّر رسول الله - ﷺ - أن يدعو له بقوله: «اللَّهم سَلِّمهم وغنِّمهم» ثم أتى أبو أمامة بعد ذلك فقال: «يا رسول الله! مُرْني بعمل آخذه عنك؛ ينفعني الله به»، قال: «عليك بالصوم ..»، يقول الراوي: (فكان أبو أمامة وامرأته وخادمه لا يُلْفَوْنَ إِلا صيامًا)، ثم أتى أبو أمامة بعد ذلك فقال: «يا رسول الله! إِنك قد أمرتني بأمر، وأرجو أن يكون الله ﷿ قد نفعني به، فمرني بأمر آخر ينفعني الله به فأمره بكثرة السجود» (٣).
ومثل ذلك ما ورد عن جارية بن قدامة السعدي حيث
_________________
(١) صحيح سنن النسائي للألباني - كتاب التطبيق - باب ٨٠ - الحديث ١٠٩١ من سؤال معدان ابن طلحة لثوبان (صحيح).
(٢) مسند أحمد ٢/ ١٧٥، وفي نسخة أحمد شاكر برقم ٦٦٣٩ حيث قال: (إِسناده صحيح).
(٣) مسند أحمد ٥/ ٢٥٥، وعزا البنا إِلى الهيثمي قوله في تخريجه: ورجال أحمد رجال الصحيح.
[ ٤١٠ ]
قال: «يا رسول الله! قل لي قولًا ينفعني، وأقلل عليَّ لعلِّي أعيه»، فقال له رسول الله - ﷺ -: «لا تغضب» (١)، وهذا الحرص على تحصيل ما ينفع إِذا استمر نمت شخصية المسلم وارتقت.
وإن الشخصية التي لا تنتفع بالنصيحة، ولا تتأثر بالموعظة، ولا تستفيد من الفرص، يكون قد أصابها الشلل أو الموت، لذلك (كان النبي - ﷺ - يتعوَّذ من علم لا ينفع، ودعاء لا يسمع، وقلب لا يخشع) (٢)، وعندئذٍ يكون المرء قد فقد قابلية الانتفاع والتأثر، وغطَّى قلبَه الرانُ.
وإن رجلًا مثل قبيضة بن المخارق - كبير السن حي القلب - يسعى إِلى رسول الله - ﷺ -، فيقول له رسول الله - ﷺ -: «يا قبيضة! ما جاء بك؟»، يقول قبيضة: «كبرت سني، ورق عظمي، فأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله ﷿ به ..» (٣) فعلّمه بعض الأدعية، فهل ترى نفسك بهذه الهمة وهذا الحرص رغم مزيد قدرتك وفائض طاقتك؟ قل «اللَّهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني» (٤).
وفي قصة أبي هريرة مع الشيطان حين علَّمه آية الكرسي، يقول الراوي في آخر الحديث في وصف الصحابة: (وكانوا أحرصَ شيءٍ على
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ٣٤، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٧٣٧٣.
(٢) صحيح سنن أبي داود للألباني - الصلاة - باب ٣٦٧ - الحديث ١٣٦٩/ ١٥٤٨ (صحيح).
(٣) مسند أحمد ٥/ ٦٠.
(٤) صحيح ابن ماجه للألباني - كتاب الدعاء - باب ٢ - الحديث ٣٠٩١/ ٣٨٣٣ (صحيح).
[ ٤١١ ]
الخير) (١)، ولم يكن اهتمام جيل الأسوة بصور الأعمال وأعدادها؛ ولكنهم كانوا يبحثون عن الثمرة والأثر، فقد صحَّ عن عبد الله بن مسعود قوله: (ولَيقرأنَّ القرآنَ أقوامٌ لا يجاوز تراقيَهم، ولكنه إذا قرأه فرسخ في القلب نفع) (٢).
وقد وضح رسول الله - ﷺ - أن ذهاب العلم بفقد أثره، وبعدم الانتفاع به، لا بذهاب رسمه، وفي ذلك يقول زياد بن لَبيد: «يا رسول الله! وكيف يذهب العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونُقرئه أبناءنا، ويُقرئه أبناؤنا أبناءهم، إلى يوم القيامة» قال رسول الله - ﷺ -: «ثكِلتْك أمك يا ابن أم لَبيد! إن كنت لأراك من أفقه رجلٍ بالمدينة. أَوَليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإِنجيل، لا ينتفعون مما فيهما بشيء» (٣). فبالحرص على الانتفاع بالعلم حياة للقلوب وللعلم، وبهذا تصبح الأمة تعيش المبادئ التي تعتز بها وتدعو إِليها.
ولا يفوتنك أن تنتفع بصحبة الصالحين، فقد ورد أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما نفعني مالٌ قط إِلا مال أبي بكر، فبكى أبو بكر وقال: وهل نعني الله إلا بك؟ ثلاثًا» (٤)، فمصاحبة الصالحين تورث الأسوة الحسنة، وتجعل الوقت والمواقف مشحونة بصور الانتفاع لما ينجي في الآخرة.
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الوكالة - باب ١٠ - الحديث ٢٣١١ (الفتح ٤/ ٤٨٧).
(٢) صحيح مسلم - كتاب صلاة المسافرين - باب ٤٩ - الحديث ٨٢٢ (النووي ٣/ ٣٥٢). ورواه أحمد ١/ ٣٨٠، واللفظ له.
(٣) مسند أحمد ٤/ ١٦٠، وفي الفتح الرباني ١/ ١٨٢ برقم ٧٩، حيث ذكر في تخريجه: (رواه الحاكم وقال صحيح - قلتُ -: وأقره الذهبي، وله شاهد أيضًا عند ابن حبان .. بإِسناد جيد).
(٤) مسند أحمد ٢/ ٣٦٦، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٥٨٠٨.
[ ٤١٢ ]
حتى أهل البادية كانوا يقدمون من باديتهم ابتغاء الاستزادة مما ينفعهم، يقول أبو جريٍّ الهجيمي: «يا رسول الله! إنا قوم من أهل البادية، فعلِّمنا شيئًا ينفعنا الله ﵎ به»، «قال: لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إِناء المستسقي ..» (١).
ولم يكن همُّ الدنيا ليغلب همَّ الآخرة، فقد خاطب النبي - ﷺ - الأنصار مرة: «والله لا تسألوني اليوم شيئًا إِلا أعطيتكموه، ولا أسأل الله لكم شيئًا إِلا أعطانيه» فماذا طلبوا؟ قال بعضهم لبعض: «اغتنموها واطلبوا المغفرة» (٢) فالحرص على الانتفاع بالعُمر في الدنيا إِنما ثمرته الانتفاع في الآخرة بتحصيل المغفرة والنجاة، وقد وعى الصحابة ذلك فحرَصوا عليه، وسعوا إِليه.
بل إن الصلاة التي لا يكون من ثمرتها أنها تَنْهَى صاحبها عن الفحشاء والمنكر؛ يستعيذ منها رسول الله - ﷺ -؛ لأنها لم تُحقِّق غرض الانتفاع: «اللَّهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع» (٣)، ومن أدق الصور المُنَمِّية لخلق الانتفاع ما ورد عند أحمد والنسائي: «مَن قتل عصفورًا عبثًا عجَّ إلى الله ﷿ يوم القيامة؛ يقول: يارب إن فلانًا قتلني
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ٦٣، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٣٥٢: (وهذا إِسناد صحيح رجاله رجال الشيخين غير عقيل بن طلحة وهو ثقة ..).
(٢) مسند أحمد ٣/ ١٣٩، وفي الفتح الرباني ٢٢/ ١٧٢ في مناقب الأنصار، قال في تخريجه: (أخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإِسناد قلتُ: وأقره الذهبي ..).
(٣) صحيح سنن أبي داود للألباني - الصلاة - باب ٣٦٧ - الحديث ١٣٧٠/ ١٥٤٩ صحيح.
[ ٤١٣ ]
عبثًا، ولم يقتلني لمنفعة» (١)، فكم أسأنا استغلال ما فينا من طاقات؟ وكم أضعنا من الأمور والأوقات؟ وإِنها لأغلى وأثمن، وإِننا عنها لمسؤولون.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- لا يكمل خلق الانتفاع إِلا بخلق تقديم النفع.
- في الطاعات لا يؤثر المرء أحدًا على نفسه.
- الاستغراق في العمل العام قد يشغل عن حق النفس.
- من مزايا الجيل الأول الحرص على ما ينفع الآخرة.
- محروم من الانتفاع:
- من لا يقبل النصيحة.
- من لا يعمل بعلمه.
- من لا يتدبر القرآن.
- مما يعين على الانتفاع.
- مصاحبة الصالحين.
- الانتفاع بالوقت.
- استغلال الطاقات.
- يسأل الله العبد عما لم يحسن الانتفاع به.
****
_________________
(١) جامع الأصول ١٠/ ٧٥١ الحديث ٨٤١٩، قال الأرناؤوط في تخريجه: (وهو حديث حسن) وضعّفه الألباني في ضعيف الجامع برقم: ٥٧٦٣.
[ ٤١٤ ]