مكافأة المحسن
[ ٤٩٣ ]
«مَن أتى إليكم معروفًا فكافئوه».
إنه لمن القبيح أن ينتظر المُحسِن من الناس جزاءً أو شكرًا، وأقبح منه اللئيم الكنود الذي، لا يستشعر فضل المحسن إليه ولا يقابله بالحسنى، وأشد قبحًا من قابل الإحسان بالإساءة والإكرام بالجحود.
وإن مكافأة المحسن خُلق فطري ينشأ من خلق الوفاء، إذ أن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، والمؤمن المستقيم لا يكون شاكرًا لله حتى يكون معترفًا بالفضل لأهل الفضل، وفي ذلك يقول - ﷺ -: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (١)، وفي رواية أخرى: «إن أشكر الناس لله ﷿ أشكرهم للناس» (٢)، وبهذا نرى أن أخلاق المؤمن لا تكتمل بحسن علاقته بربه فحسب وإنما لا بدَّ أن يكون على نفس المستوى من الأخلاق في التعامل مع الناس.
وليس المؤمن بالجشع الذي لا يهزُّه إلا فيض الإكرام ومزيد الإنعام، بل إن نفحة من الإحسان كافية لأن تُثيرَ فيه دواعي الشكر والمكافأة، وقد وضَّح رسول الله - ﷺ - هذا المعنى بقوله: «مَن لم يشكر القليل لم يشكر الكثير» (٣).
والشكر اللساني أقل ما يُقدِّمه المرء مكافأة لمن أحسن إليه ووفاءً لمن وقف بجانبه، لكيلا يتعلَّم أبناء الأمة الكفران والجحود، ولئلا
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود ٣/ ٩١٣ - الحديث ٤٠٢٦ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ٥/ ٢١٢.
(٣) مسند أحمد ٤/ ٢٧٨.
[ ٤٩٥ ]
يتخلَّقوا بنكران الجميل ونسيان المعروف، وحتى لا تموتَ المروءة في الناس، ولذلك يقول - ﷺ -: «ومَن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه» (١).
ولكي تبقى دافعيةُ الإحسان قائمةً بين الناس، فإن البشر يُؤثِّر فيهم المكافأة على إحسانهم، ومن صور المكافأة المقابلة بالمثل، أو الدعاء لصاحب المعروف، أو الثناء على فعله: «ومَن لم يجد فليثنِ؛ فإن مَن أثنى فقد شكر ومَن كتم فقد كفر» (٢)، ومقابلة إحسان الناس ببرود ولا مبالاة يقتل فيهم المبادرة للإحسان، ويضعف عندهم التفكير في الآخرين، ويقتل المروءة والنجدة والنخوة، ويفشي السلبية والأثرة؛ لأن من طبيعة الإنسان أن تقوى اندفاعته بالشكر، وإن كان الأصل فيه ألا يبتغي شكرًا ولا جزاءً.
وحين ظنَّ المهاجرون أن الأنصار ذهبوا بالأجر كلَّه لما جادت به نفوسهم من الإنفاق على المهاجرين بين لهم رسول الله - ﷺ - بابًا من الخير يقربهم من أجر الأنصار، عن أنس أن المهاجرين قالوا: «يا رسول الله، ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم» (٣)، فعلمهم أن يكافئوا إحسان المحسن بالدعاء له، أو بالثناء عليه، وليس أمام فقير من وسيلة لمكافأة المحسن غير هاتين.
_________________
(١) مسند أحمد ٢/ ٦٨ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود وصحيح سنن النسائي.
(٢) صحيح سنن الترمذي برقم ١٦٥٦ (حسن) وهو في صحيح سنن أبي داود برقم ٤٠٢٨.
(٣) صحيح سنن أبي داود ٣/ ٩١٣ - الحديث ٤٠٢٧ (صحيح).
[ ٤٩٦ ]
وقد كان من خُلُق رسول الله - ﷺ - أنه «كان يقبَل الهدية ويُثِيب عليها» (١)، وذلك ضمن الاستطاعة؛ فإذا غدا التهادي نوعًا من التكلف والتقاليد الاجتماعية المرهقة، أو أصبح المهدي يمنُّ أو يتعب على مَن لا يقدر على مكافأته فقد خرجت هذه الأخلاق عن حدِّ الحسن، ودخلت في حيِّز المادية وعدم الإعذار وعدم خلوص العمل بانتظار الجزاء عليه، وهذا من مفاسد التعاملات الاجتماعية حين تفقد الروح الشرعية وإخلاص القصد.
وحين اقترض رسول الله - ﷺ - من عبد الله بن أبي رَبيعة المخزومي قبل حُنَين ردَّ إليه القرض بعد الغزوة، وقال له: «بارَك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد» (٢)، وكلمة شكر وعبارة حمد لا يخسر قائلها شيئًا، ولا تُكلِّفه جهدًا، ولكنها تعود عليه بكسب ود المحسن، وائتلاف قلبه، وتحريضه على مزيد من الخير.
وإن سيدنا موسى ﵇ حين سقى للمرأتين، ثم تولى إلى الظل لم يلبث كثيرًا حتى لقي جزاء إحسانه من والد المرأتين، الذي أوتي الحكمة، ويدرك ضرورة مكافأة المحسن، فجاءت إحداهما تقول: ﴿ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ [القصص: ٢٥]، وإن عُروة بن مسعود - رغم شركه - حين أغلظ له أبو بكر بكلمة قاسية في مفاوضات صلح الحديبية لم يزد في تعليقه على كلمة أبي بكر أكثر من قوله: «أما والله، لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها،
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٤٩٩٩ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ٤/ ٣٦ ورواه النسائي وابن ماجه وابن السني وسنده جيد (بلوغ الأماني ١٥/ ٨٤).
[ ٤٩٧ ]
ولكن هذه بها» (١)، واعتبر إساءة أبي بكر إليه مغفورة بسابق إحسانه عليه. ولعل هذه الاعتبارات تشيع وتحيا في معاملات المسلمين اليوم.
ولقد كانت المكافأة بالسوء مستنكرة حتى مع البهائم؛ إذ حينما فرَّت امرأة من المسلمين من العدو على ناقة مسلوبة كانت لرسول الله - ﷺ - نذرت إن وصلت إلى المدينة ناجية أن تنحرها، فلما ذُكر ذلك لرسول الله - ﷺ - قال: «بئسما جزيتِها» (٢)، ومُنعت من نحرها لهذا المعنى ولعدم جواز نذرها بما لا تملك.
وللمحسنين الذين يلقون الإساءة بدل الإحسان عزاء في أن الله ناصر لهم كما جاء في قصة الصحابي الذي جاء يشكو إلى رسول الله - ﷺ - قائلًا: «إن لي ذوي أرحام، أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون، أفأكافئهم - أي بمثل إساءتهم -» «قال: لا، إذًا تتركون جميعًا، ولكن خذ بالفضل وصلهم، فإنه لن يزال معك من الله ظهير ما كنت عليه» (٣)، والكريم لا ينسى الفضل لأهله، ولا يجازي الإحسان بالإساءة، وقد كان من الأجدر بنا ونحن نتحدث عن أخلاق المؤمنين أن نتكلم عن العفو، ومقابلة الإساءة بالإحسان، فذلك هو المقام اللائق بالمؤمنين حقًّا، وحينما استفسر صحابي رسول الله - ﷺ - فقال: «يا رسول الله الرجل أمرّ به فلا يقريني ولا يضيفني ثم يمرُّ بي أفأجزيه؟ - أي بمثل بخله علي -» «قال: لا، بل أقرِهِ» (٤)، وهكذا يكون
_________________
(١) مسند أحمد ٤/ ٣٢٤.
(٢) مسند أحمد ٤/ ٤٢٩.
(٣) مسند أحمد ٢/ ٢٠٨.
(٤) أخرجه الترمذي برقم ٢٠٠٧ وأحمد ٣/ ٤٧٣ وصححه الأرناؤوط (جامع الأصول ٧/ ٥٧).
[ ٤٩٨ ]
أصحاب النفوس العالية. يحيون المعروف بين الناس فلا يدعون محسنًا إلا ويكافئونه، ولا يدعون مسيئًا إلا ويقابلونه بالإحسان، ولا يمكن أن يكون المؤمن جحودًا للمعروف ولا كفورًا للعشير.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- قبح الجحود واللؤم.
- مكافأة المحسن نوع من الوفاء، وصورة من الشكر لله.
- من صور مكافأة المحسن:
- الشكر اللساني على قليل الإحسان وكثيره.
- مقابلة الإحسان بالإحسان.
- الدعاء للمحسن.
- الثناء على المحسن.
- التهادي.
- الوفاء بالحقوق.
- جزاء المحسن في الدنيا.
- من حق المحسن التغاضي عن إساءته.
- المكافأة بالشر مستقبحة حتى مع البهائم.
- الثابت على الإحسان إلى المسيء ينصره الله.
- أسمى صور المكافأة الإحسان إلى المسيء.
****
[ ٤٩٩ ]