الحكمة
[ ١١٩ ]
﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
إن صاحب النية الخالصة والعبادة الصادقة يبقى صلاحه قاصرًا عليه ولا يتعداه إلى غيره، إن لم يرزق الحكمة في التعامل، والإصابة في الاختيار، كما أن صاحب الحكمة تغدو حكمته نوعًا من النفاق الاجتماعي، والسياسة المقيتة، إن لم تشفع لها روحانية عالية، واستقامة على نهج الكتاب والسنة.
كثير من التفاسير تفسر الحكمة أحيانًا بأنها القرآن، وأحيانًا تفسرها بأنها السنة أو النبوة، ولذلك وردت أحاديث في دعوة رسول الله - ﷺ - لحبر الأمة - ابن عباس - بأن يعلمه الله التأويل والكتاب والفقه في الدين، وأجملها في رواية للبخاري بقوله: «اللهم علِّمه الحكمة» (١).
والمراد بذلك فهم القرآن والسنة، والعمل بهما، كما صرح بذلك كثير من التابعين، وأكده ابن تيمية بقوله: (.. وأما الحكمة في القرآن فهي معرفة الحق، وقوله، والعمل به ..) (٢).
وإذا عدنا إلى اللغة وجدنا الحكمة: (الإصابة في القول والعمل، وأصلها وضع الشيء في موضعه .. قال في اللسان: أحكم الأمر أتقنه.
_________________
(١) صحيح البخاري - فضائل الصحاب - باب ٢٤ - الحديث ٣٧٥٦ (فتح الباري ٧/ ١٠٠).
(٢) مجموع فتاوي ابن تيمية ١٥/ ٤٥.
[ ١٢١ ]
ويقال للرجل إذا كان حكيمًا: قد أحكمته التجارب. والحكيم المتقن) (١).
وبتعريف الداعية المجرب، المستوحي من الحركة لهذا الدين، يُعرِّف صاحب الظلال الحكمة بقوله: (توخي القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغابات، ووضع الأمور في نصابها، في تبصر وروية وإدراك) (٢).
وللحكمة جذور فطرية، وأخرى مكتسبة، ومن أسباب اكتساب الحكمة التفقه في الدين، وهو من الخير الكثير الذي أشارت إليه الآية: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وأكدته السنة وبينت سبيل اكتساب الحكمة: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (٣).
وأشار صاحب الظلال إلى أنها ثمرة التربية القرآنية: (والحكمة ثمرة التعليم بهذا الكتاب، وهي مَلَكة يتأتَّى معها وضع الأمور في مواضعها الصحيحة، ووزن الأمور بموازينها الصحيحة، وإدراك غايات الأمور والتوجيهات ..) (٤).
بينما اعتبرها لقمان الحكيم مما يُكتسب بمجالسة الصالجين الذين يُقتدى بهم، كما في وصيته لابنه: (يا بني، جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة؛ كما يحيي
_________________
(١) عن صفوة التفاسير ٢/ ٤٩٠.
(٢) في ظلال القرآن ١/ ٣٠٦.
(٣) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب ١٣ - الحديث ٧١ (فتح الباري ١/ ١٦٤).
(٤) في ظلال القرآن ١/ ١٣٣.
[ ١٢٢ ]
الله الأرض الميتة بوابل السماء) (١).
وترجم البخاري في كتاب العلم لباب في: (الاغتباط في العلم والحكمة)، باعتبار أن العلم وسيلة، وأن الحكمة نتيجة طبيعية، ولذلك نقل في الترجمة قول عمر: (تفقَّهوا قبل أن تسودوا)، لما تحتاجه الإمرة من حكمة العلم وتجربة العلماء، ولما قد تشتغل الإمرة المبكرة في سن الصبا، ولم يُرِد البخاري أن يُفهم من قول عمر أن السيادة والإمرة تمنع من التواضع للعلم والعلماء، فعقَّب البخاري: (وبعد أن تسودوا، وقد تعلم أصحاب النبي - ﷺ - في كبر سنهم) (٢).
ثم إن من مشارب الحكمة الاستفادة من العمر والتجارب، بالاعتبار وأخذ الحيطة لأمر الدين والدنيا، ففي الحديث: «لا يُلدَغ المؤمن من جُحر واحد مرتين» (٣).
وكثرة التجارب هي التي تكسب صاحبها الحلم والحكمة، وهذا ما يُفهم من حديث رسول الله - ﷺ -: «لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة» (٤)، وعلَّق عليه ابن الأثير: (معناه: لا يحصل الحلم حتى
_________________
(١) موطأ مالك ٢/ ١٠٠٢ - كتاب العلم - باب ١ - الحديث ١ (وهو من بلاغات مالك).
(٢) صحيح البخاري - العلم - من ترجمة باب ١٥ الاغتباط في العلم والحكمة (الفتح ١/ ١٦٥).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٨٣ - الحديث ٦١٣٣ (فتح الباري ١٠/ ٥٢٩).
(٤) نقله ابن حجر في فتح الباري ١٠/ ٥٢٩ وقال: (أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان).
[ ١٢٣ ]
يرتكب الأمور، ويعثر فيها، فيعتبر، ويستبين مواضع الخطأ، ويجتنبها ..) (١).
وربما لا يصل الحكيم إلى ما وصل إليه إلا بعد التعلم من الأخطاء والزلات والسقطات؛ التي وقع فيها بنفسه، أو بأن يتشرب نتائج خبرة من يفوقه عمرًا أو علمًا أو تجربة، والمغفل من لا تنفعه التجارب، ولا تعلمه الأيام، ولذلك فصل الخطابي فقال: (ليكن المؤمن حازمًا حذرًا، لا يؤتى من ناحية الغفلة فيُخدع مرة بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدين، كما يكون في أمر الدنيا، وهو أولاهما بالحذر) (٢).
فالواجب على الحكيم أن يتروَّى ويتعقَّل، ولا يعرض نفسه للزلات، فقد ورد أن صحابيًّا أتى رسول الله - ﷺ - فقال: (.. يا رسول الله، علِّمني وأوجز)، فأجابه: «إذا قمت في صلاتك فصلِّ صلاة مودِّع، ولا تكلَّمْ بكلام تعتذر منه، وأجمعِ اليأسَ عما في أيدي الناس» (٣)، فجعل الاحتياط في إطلاق الكلمات، وإبعاد النفس عن الوقوع في الحرج، من ثمرات الحكمة التي توجز تجارب الرجال.
ومن شُكر صاحب الحكمة لله على ما آتاه: أن يعلم الناس ثمرة حكمته، وخلاصة فقهه وتجاربه، وعندئذٍ يكون حريًّا بأن يغبِطه الناس، ويتمنَّوا الوصول إلى مثل مقامه، كما جاء في الحديث: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسُلِّط على هلكته في الحق،
_________________
(١) عن فتح الباري ١/ ٥٣٠.
(٢) عن فتح الباري ١/ ٥٣٠.
(٣) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الزهد - باب ١٥ - الحديث ٣٣٦٣/ ٤١٧١ (حسن).
[ ١٢٤ ]
ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (١).
ويفسر ابن حجر الحكمة تفسيرًا جامعًا، فيقول: (المراد بالحكمة: كل ما منع من الجهل، وزجر عن القبيح) (٢).
والغرض من الوصول إلى أعلى درجة من الحكمة الحرص على الإصابة في القول والعمل، واستعمال هذه الحكمة في الدعوة إلى الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ﴾ [النحل: ١٢٥] ويقول ابن القيم (أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة، إذ كلها حسنة، ووصف الحسن لها ذاتي) (٣).
ولذلك فإن المعايشين للدعاة ذوي الفطانة والحكمة يتذوقون لذة التأدب على أيديهم، ويستقبلون توجيهاتهم بارتياح ورضا وحسن قبول، كما جاء في روح المعاني عن صاحب البحر: (أنها الكلام الصواب الواقع م النفس أجمل موقع (٤)، وكلما كان الداعية أكثر فقهًا، وأرجح عقلًا، وأصوب بصيرة، كان أكثر حكمة، وقد جاء في فتح القدير أن الحكمة التي أوتيها لقمان هي: (الفقه والعقل والإصابة)، ووافقه القرطبي (٥).
ومن صور الدعوة بالحكمة: (النظر في أحوال المخاطَبين وظروفهم، والقدر الذي يُبيِّنه لهم في كل مرة؛ حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأحكام - باب ٣ - الحديث ٧١٤١ (فتح الباري ١٣/ ١٢٠).
(٢) فتح الباري ١/ ١٦٦، عند شرحه للحديث ٧٣.
(٣) مدارج السالكين ١/ ٤٤٥.
(٤) روح المعاني جـ ١٤/ ٢٥٤ عند شرحه للآية ١٢٥ من سورة النحل.
(٥) فتح القدير للشوكاني ٤/ ٢٣٧.
[ ١٢٥ ]
بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها؛ فلا تستبدُّ به الحماسة والاندفاع والغيرة؛ فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه) (١).
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الحكمة بغير الاستقامة نفاق اجتماعي.
- من معاني الحكمة:
- فهم القرآن، ومعرفة الحق والعمل به.
- وضع الشيء في موضعه.
- توخِّي القصد ومحاولة إدراك العلل، ووضع الأمور في نصابها.
- من أسباب اكتساب الحكمة:
- التفقه في الدين.
- الاستفادة من تجارب العمر.
- التعلم من الأخطاء.
- الاحتياط من الوقوع في الخطأ.
- من شكر الله على نعمة الحكمة، تعليمها للناس.
- الخرص على الوصول إلى الصواب من أسمى الحكمة.
- من الحكمة في الدعوة مراعاة أحوال المخاطبين وظروفهم.
_________________
(١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٠٢.
[ ١٢٦ ]