الألفة
[ ١٩٢ ]
«.. ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف».
أن تكون متَّصِفًا بخلق الألفة أمرٌ يقتضي منك من سَعَة الصدر ما تحب به الناس، ومن حسن الخلق ما يجعل الناس يحبُّونك، فتكون بذلك سببًا من أسباب اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، وترابط القلوب، وعندئذٍ تكون بحق أليفًا ومألوفًا.
ربط رسول الله - ﷺ - خلق (الألفة) بالإيمان، فقال: (المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمَن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفهم للناس) (١)، ولذلك فإن عدم الألفة من صفات المنافقين كما جاء في الحديث: (إن للمنافقين علامات يُعرفون بها: مستكبرين لا يألَفون ولا يُؤلَفون) (٢).
إن الاجتماع على الحب في الله، وائتلاف القلوب على الطاعة، وخلوصها من نوازع الجاهلية، لنعمة كبيرة تستحق لفت الأنظار إليها؛ للمحافظة عليها، وعدم التفريط فيها، فقد قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ويشير القرطبي إلى لفتةٍ طيبة حول مطلع الآية: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فيقول: (وليس فيه
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة - الحديث ٤٢٦ (حسن).
(٢) مسند أحمد ٢/ ٢٩٣ - في سنده عبد الملك بن قدامة الجحي: وثقه ابن معين وغيره، وضعفه الدارقطني وغيره (حاشية جمع الفوائد ٢/ ٤٠٣).
[ ١٩٣ ]
دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن ذلك ليس اختلافًا؛ إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع، ومازالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون) (١)، فلا يظن أحدنا أن الإصرار على إثبات قول راجح أولى من الحرص على دوام الألفة، ويُؤكِّد رسول الله - ﷺ - هذا المعنى بقوله: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فيه فقوموا» (٢)، سواء كان الاختلاف في فهم معناه أو طريقة أدائه، فالقيام من مجلس الخلاف هو اللائق بالمؤمنين.
ولقد كان من أكبر نعم الله في بعثة رسول الله - ﷺ -: أن ألَّف به بين قوم قَوِيت بينهم العصبيات، ولذلك قال في خطبته في الأنصار بعد حنين: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلاَّلًا فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي، ومتفرِّقين فألَّفكم الله بي» (٣).
وهكذا شأن المسلم يؤلف بين المتفرقين ويأتلف حوله المحبون.
قد تستطيع أن تجمع الناس حولك بعَرَضٍ من الدنيا، ولكنك لا تستطيع أن تجعلهم لُحمةً واحدة وجسدًا متماسكًا إلا بتوفيق من الله يسكب الألفة في القلوب فيجمعها على هدف واحد، ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ [الأنفال: ٦٣].
ويرى صاحب الظلال صورةً من الإعجاز في التأليف بين قلوب
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٥٩.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم (جامع الأصول ٢/ ٤٧٠ - الحديث ٩٣٢).
(٣) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب ٥٦ - الحديث ٤٣٣٠ (الفتح ٨/ ٤٧).
[ ١٩٤ ]
الجيل الأول: (ولقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله، والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة، فاستحالت هذه القلوب النافرة وهذه الطباع الشموس إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية، الذَّلول بعضها لبعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض، بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ) (١).
وصاحب الألفة بما يناله من رضا الله وحب ملائكته، «يوضع له القبول في الأرض» (٢)، وقد قيل في شرح الحديث: (المراد بالقبول الحب في قلوب أهل الدين والخير له، والرضا به، واستطابة ذكره في حال غيبته كما أجرى الله عادته بذلك في حق الصالحين من سلف هذه الأمة ومشاهير الأئمة) (٣).
ولا تعارض بين تألف الناس وبين المحافظة على الهيبة والاحترام، إذا أحسن المسلم التصرف ووازن بين المواقف؛ ولذلك نجد في وصف رسول الله - ﷺ - (مَن رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه) (٤).
وخيار الناس في نظر الشرع هم الذين يألفون ويؤلفون، وخاصة حين يكونون في منصب أو مسؤولية؛ إذ قد يَنْزَلقون إلى صور من الغلظة والجفوة حين يكونون مطلوبين لا طالبين.
ولذلك يقول - ﷺ -: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم،
_________________
(١) في ظلال القرآن ٣/ ١٥٤٨.
(٢) صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق - باب ٦، صحيح مسلم: كتاب البر ١٥٧.
(٣) دليل الفالحين ٢/ ٢٦٩.
(٤) رواه الترمذي في المناقب برقم ٣٦٤١ و٣٦٤٢ وهو حديث حسن (جامع الأصول ١١/ ٢٢٥ برقم ٨٧٨٤).
[ ١٩٥ ]
وتُصلُّون عليهم ويُصلُّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تُبغِضونهم ويُبغِضونكم، وتلعَنونهم ويلعنونكم» (١)، وفي رواية لأحمد: «خياركم وخيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ..» (٢).
وللألفة أسباب تقويها، وصفات تنميها، ومنها حسن التعارف بالخلطة والمعاشرة، كما أن مشاعر الانقباض وعدم الارتياح قد تنشأ من الانكماش عن الناس والفتور في معالمتهم، وربما كان هذا ما أراده رسول الله - ﷺ - بقوله: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (٣).
كما أن إشاعة البسمة وإفشاء السلام من عوامل قوة الألفة وزيادة المحبة كما في الحديث: «أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» (٤).
وفي التعفُّف عما في أيدي الناس كسب لقلوبهم وضمان لخلوص محبتهم «وأزهد فيما أيدي الناس يحبك الناس» (٥).
إن الإحسان إلى غير المسلمين من (المؤلَّفة قلوبهم) إنما شرع لتحبيبهم في الإسلام وجذبهم إليه، واستنقاذهم من دائرة الشرك،
_________________
(١) رواه مسلم في الإمارة باب خيار الأئمة وشرارهم برقم ١٨٥٥ (جامع الأصول ٤/ ٦٦ برقم ٢٠٤٨).
(٢) مسند أحمد ٦/ ٢٨.
(٣) صحيح البخاري - الأنبياء باب ٢ - الحديث ٤٣٣٠ (فتح الباري ٨/ ٤٧) ورواه مسلم برقم ١٠٦١.
(٤) صحيح مسلم - الإيمان باب ٢٢ - الحديث ٥٤.
(٥) صحيح سنن ابن ماجه للألباني برقم ٣٣١٠/ ٤١٠٢ (صحيح).
[ ١٩٦ ]
والإحسانُ إلى أخيك وتأليفُ قلبه أولى وأجدر لتحافظ على مَن دخلوا في الإسلام ألا ينفروا منه ويرتدوا على أدبارهم، وقد تحاول أن تتألفه بعد نفورِه فلا يستجيب فتبوء بإثمك وإثمه، وقد ترجَم البخاري لباب (الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم) (١).
وكلما ازدادت الألفة ارتفعت الكُلْفة، وقوِيت الرابطة بين أبناء الجسد الواحد وأمة البنيان المرصوص، ونكون عندئذٍ أقدر على دفع الأهواء، ونَبْذ الخلافات، وصد مكائد الكائدين.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الألفة حب للناس وتحبب إليهم.
- المنافقون لا يألفون ولا يؤلفون.
- الخلافات الفقهية لا تنقضُ الألفة.
- الداعية يؤلف بين المتفرقين ويأتلف حوله المحبون.
- إن لم تكن الألفة بالله ولله فلن تدوم.
- لا تعارض بين تألف الناس والمحافظة على الهيبة.
- خير الأمراء مَن يحب رعيته وتحبه.
- تأليف القلوب مطلوب مع غير المسلمين.
- بازدياد الألفة ترتفع الكلفة.
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ١٠٠ (فتح الباري ٦/ ١٠٧).
[ ١٩٧ ]