أدب المطاوعة
[ ٢٥٠ ]
«.. وتطاوعا ولا تختلفا».
كلما كان المسلمون أقرب إلى قطف الثمرة كانوا أحوج إلى تقديم مصلحة الأمة على الأهواء الشخصية، فلابد أن يتنازل أحد الأطراف المختلفة؛ ليطاوع الطرف الآخر، مؤثرًا - ﵁ -، وجلب الخير العميم، ودفع الشر العظيم.
المطاوعة - في حقيقتها -: استعداد من كل طرف للتنازل للطرف الآخر، إذا وقع اختلاف على أمر ما، وليس المقصود بهذا التنازل الرجوع عن حق صريح واضح، وإنما هو لين جانب حينما يكون الاختلاف بين الحسن والأحسن، أو إرجاء المناظرة في الأمر المختلف فيه؛ إبقاء على المودة، وإيثارًا لصفاء القلب، فكل منهما طيع في يد أخيه، يتنازل هذا تارة، ويتنازل ذاك أخرى.
وهذا الأدب كان واضحًا بين صحابة الرسول - ﷺ -، وخاصة إذا خفي وجهُ الحق في مسألة اجتهادية، ولأننا بشر، فلا نستطيع أن نقطع لأنفسنا بصواب الرأي، وسداد البصيرة، ولابد من التوجه إلى الله؛ ليسدد الخطأ، ويثبت على الحق، وقد كان من دعاء رسول الله - ﷺ - في قيامه: «اهدِني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١).
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب المسافرين - باب ٢٦/ الحديث ٧٧٠ (شرح النووي ٣/ ٢٠٣)
[ ٢٥١ ]
وأخطر ما يكون التنازع في مواقف الجهاد والدعوة، ولقد ترجم البخاري بابًا بقوله:) باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب (، واستشهد بوصية رسول الله - ﷺ - لمعاذ وأبي موسى قبل إرسالهما إلى اليمن: «يسِّرا ولا تُعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا وتطاوعا ولا تختلفا» (١)، وكم يكون محرجًا؛ حين يتنازع داعيان فاضلان حول مسألة شرعية والناس بأعينهم ينظرون!
وإنما يحتاج المؤمن لشجاعة التراجع عن الرأي المفرِّق، والتزام الرأي الجامع، وقد ذكر ابن حجر أن عليًّا وعمر - ﵁ - كانا يُفتِيان بألا تُباع أم الولد، فقال عبيدة لعلي - ﵁ -:) رأيك ورأي عمر في الجماعة، أحب إليَّ من رأيك وحدك في الفرقة «٢)، فتراجع علي عن فتواه، وقال:) اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف «٣)، ونبذ الخلاف مقدم على الإصرار على تثبيت رأي أو وجهة نظر اجتهادية، وأما الحق المقطوع فيه، فيقدر الداعية الحكيم على إيصاله بحكمته، بعيدًا عن المشاجرة والخصومات.
ولو أننا نتذكر حال المؤمنين في الجنة، لسعينا لأن نجعل رحلتنا في الدنيا صورة عن حياة أهل الجنة، الذين وصفهم الرسول - ﷺ - بقوله: «لا اختلاف بينهم ولا تباغض، وقلوبهم قلب واحد» (٤)، ولذلك كان رسول الله - ﷺ - يُحذِّر من الوقوع في دواعي الاختلاف؛
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الاجتهاد - باب ١٦٤ الحديث ٣٠٣٨ (الفتح ٦/ ١٢٦).
(٢) فتح الباري ٧/ ٧٣.
(٣) صحيح البخاري - كتاب فضائل الصحابة - باب ٩ - الحديث ٣٧٠٧ (الفتح ٧/ ٧١)
(٤) صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق - باب ٨ - الحديث ٣٢٤٥ (الفتح ٦/ ٣١٨).
[ ٢٥٢ ]
حتى لا تتنافر نفوس الأمة «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» (١)، ولذلك كان كثير من العلماء يحتفظون لأنفسهم بفتاوى لا يشيعونها بين الناس؛ لتفرُّدهم بها، ولخروجها عما اشتهر في المسألة حذرًا من فتنة العامة أو تشويش طلبة العلم.
وكان من وصيته - ﷺ - عندما يسوي صفوف الصلاة أن يقول: «استووا، ولا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم» (٢)، حتى الاختلاف في صف الصلاة قد ينعكس أثره على تأجيج اختلاف القلوب، فلِينُوا في أيدي إخوانكم، وسوُّوا صفوفكم، واتَّبعوا إمامكم، لعله يترشح من ذلك ائتلاف قلوبكم.
وكلما كان احتكامنا للشرع خالصًا نكون أبعد عن مهاوي الفرقة، وهذا ما يذكر المسلم به نفسهن وهو يدعو في تهجُّده: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت» (٣).
ويجب على عقلاء الأمة أن يكونوا عونًا في دفع كل خلاف، وفض كل نزاع، والمبادرة إلى الأخذ بما يوحد الصفوف، وقد صف سيدنا عمر اختلاف الناي فيمن يبايعون بعد وفاة رسول الله - ﷺ -، إلى أن قال:) فكثر الغلط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسُطْ يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب ٢٨ الحديث ٤٣٢ (شرح النووي ٢/ ٣٩٨).
(٢) صحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب ٢٨ الحديث ٤٣٢ (شرح النووي ٢/ ٣٩٨).
(٣) صحيح البخاري - كتاب التهجد - باب ١٩ - الحديث ١١٢٠ (الفتح ٣/ ٣).
[ ٢٥٣ ]
المهاجرون، ثم بايعته الأنصار «١)، وبهذا الموقف الجريء قضى على فتنة كان من الممكن أن تصدع صفوف المسلمين.
ويعين على خلق المطاوعة: التزام حدود الشرع، وطاعة الأمير، وهذا ما وجه إليه رسول الله - ﷺ - حين قال: «.. ومَن يعِشْ منكم فسيري اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوًا عليها بالنواجذ ..» (٢)، وكثيرًا ما يكون أمر أميرك - في عمل أو سفر - مخالفًا لما تميل إليه، فإن ذهب كل امرئ حسب هواه، فسنرى اختلافًا كثيرًا، وإن تطاوع كل امرئ مع أميره، وتنازل لرأيه، فتلك هي السنة.
ولابد أن يتنادى المخلصون للقضاء على أي فتنة عند بوادر أي اختلاف، وهذا ما كان من حذيفة حين أخبر عثمان باختلاف الناس في قراءة القرآن، فقال له:) أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى .. «٣).
ولعل ما يحبب في المطاوعة، وينفر من الخصومة، استحضار ما ورد في الترهيب من اللجاجة والمراء والتنازع، فقد جاء في صفات المنافق أحاديث كثيرة منها: «.. وإذا خاصم فجر» (٤)، و«إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (٥)، وقد تعهد رسول الله - ﷺ - ببيت في
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الحدود - باب ٣١ - الحديث ٦٨٣٠ (الفتح ٢١/ ١٤٤).
(٢) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - مقدمة - باب ٦ - الحديث ٤٠/ ٤٢ (صحيح).
(٣) صحيح البخاري - فضائل القرآن - باب ٣ - الحديث ٤٩٨٧.
(٤) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ٢٤ - الحديث ٣٤ (الفتح ١/ ٨٩).
(٥) صحيح البخاري - كتاب الأحكام - باب ٣ - الحديث ٧١٨٨ (الفتح ١٣/ ١٨٠).
[ ٢٥٤ ]
رَبَض الجنة لمن يترك المراء والجدل وهو يعلم أنه على حق وصواب: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، لمن ترك المراء وإن كان محقًّا» (١)، وهذه أعلى درجات المطاوعة.
وإنما يكون هلاك الأمة باختلافها كما جاء في الحديث: «.. فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» (٢)، ولو تنازل بعضهم لما اختلفوا، ولما هلكوا، وقد كان القرن الأول في أسمى صور المطاوعة، ومن ذلك ما ورد أن عثمان - ﵁ - صلى في منًى أربعًا فبلغ ذلك ابن مسعود - ﵁ - فأزعجه ما سمع، ومع ذلك صلى معه أربعًا، فلما سئل عن ذلك قال: (الخلاف شر) (٣)، ولما نُوقشت البيعة بعد رسول الله - ﷺ -، قال رجل من الأنصار: منا رجل ومنكم رجل، فقال عمر - ﵁ -: (سيفان في غمد واحد؟! إذا لا يصطلحان) (٤)، وهذا من فقه عمر - ﵁ -.
وإن النفوس العالية لتملك أن تعامل بسلامة الصدر مهما عظم الخلاف فقد قال علي - ﵁ - في حق من خرجوا عليه يوم الجمل حين سئل عنهم: أكفار هم؟ أم منافقون؟ أم ماذا؟ فقال: (إخواننا بغوا علينا) (٥) ولم يقبل أن يتهمهم بكفر أو نفاق، وقد كان ممن قاتله في معركة الجمل الصحابي طلحة - ﵁ -، فكان يقول لعمران بن
_________________
(١) أخرجه أبو داود وإسناده صحيح (جامع الأصول ١١/ ٧٣٤ برقم ٩٤١٩).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الخصومات - باب ١ - الحديث ٢٤١٠ (الفتح ٥/ ٧٠).
(٣) حياة الصحابة ٢/ ٩ (نقلًا عن الكنز ٤/ ٢٤٢).
(٤) سنن البيهقي ٨/ ١٧٣.
(٥) طبقات بن سعد ٣/ ٢٢٤، وسنن البيهقي ٨/ ١٧٣.
[ ٢٥٥ ]
طلحة: (إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله ﷿ فيهم: ﴿مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] (١)، أفلا نتخلق بالمطاوعة، والنفور من الاختلاف؛ لنكون إخوانًا في الدنيا والآخرة، ولتسلم صدورنا من تحريش الشيطان، ولتقوم للأمة دولة وسلطان.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- المطاوعة استعداد للتنازل عند الاختلاف.
- لا نستطيع أن نقطع بصواب رأي اجتهادي.
- من أوجب المواطن للمطاوعة مواقف الجهاد والدعوة.
- نبذ الخلاف مقدم على الإصرار على إثبات رأينا.
- لئلا يقع الخلاف نتجنب دواعيه.
- من صور المطاوعة اللين في تسوية صفوف الصلاة.
- يقضى على الخلاف باتخاذ رأي حازم والشروع فيه.
- المخلصون يتنادون للقضاء على أي خلاف.
- من عواقب البعد عن المطاوعة الوقوع في الخصومات والجدل.
- الخلاف من أسباب هلاك الأمة.
- مهما عظم الخلاف فلا ينبغي الخروج عن الإنصاف.
****
_________________
(١) طبقات بن سعد ٣/ ٢٢٤، وسنن البيهقي ٨/ ١٧٣.
[ ٢٥٦ ]