إطابة المطعم
[ ٢٩١ ]
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾
إن تحرِّي الرزق الحلال مسألة يومية، تقتضي من كلٍّ منا أن يديم استحضارها والتواصي بها، فإن لم يكن لدينا كوابحُ إيمانية توقفنا عن الانسياق وراء شهوة المال وقعنا في الشبهات ثم في الحرام، والخطورة تكمن في استمراءِ النَّفْس للحرام واعتيادها عليه أو عدم مبالاتِها فيه.
كثيرًا ما أوصى رسول الله - ﷺ - بتحليل الرزق و«إن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾ [المؤمنون: ٥١] (١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: ١٧٢]» وجعل - ﵊ - عدم المبالاة بهذا الأمر من صفات شرار الخلق فقال: «يأتي على الناس زمان لا يُبالِي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام» (٢)، وقد ورد في خطبة لعثمان بن عفان - ﵁ - (وعفُّوا إذا أعفَّكم الله، وعليكم من المطاعم بما طاب منها) (٣).
ومن أبرز صور الرزق الطيِّب ما كان بعمل اليد مع استفراغ الجهد والطاقة في الإتقان والإحسان «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم والترمذي (جامع الأصول ١٠/ ٥٦٥ الحديث ٨١٣١).
(٢) صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ٧ - الحديث ٢٠٥٩.
(٣) الموطأ - كتاب الاستئذان - باب ١٦ - الحديث ٤٢.
[ ٢٩٣ ]
يده» (١)، وإذا ما أردت أن تأوي إلى مضجعك منشرح الصدر فإن (من بات كالًاّ من عمله بات مغفورًا له) (٢).
ولا فرق بين مهنة وضيعة ومهنة رفيعة، المهم أن يكون الرزق حلالًا، وقد كان هذا شأن الأنبياء، وعلى ذلك ربَّى رسول الله - ﷺ - صحابته، فكان يُخاطِبهم بكل وضوح: «لأن يحتطِبَ أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه» (٣).
والمصيبة الكبرى في سؤال الناس أن نفسية المرء تعتاد الاتكال على الآخرين وتركن إل الكسل، والدين الذي يدعو إلى الجهاد لا يقبل لأتباعه أن يكونوا عالةً في أرزاقهم، ولا متطفِّلين على أموال غيرهم بغير طيب نفس، «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٤)، وقد طلب حكيم بنُ حزامٍ - ﵁ - من رسول الله - ﷺ - في موقفٍ واحد ثلاث مرات، ورسول الله يعطيه في كل مرة، ولكنه لم يتركه حتى أدَّبه بأدب الإسلام: «يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو؛ فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى» (٥)، فأقسَم حكيمٌ ألا يطلب بعد ذلك شيئًا، ووفى بقسمه
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ١٥ - الحديث ٢٠٧٢.
(٢) أدرجه ابن حجر في (الفتح ٤/ ٣٠٦) عند شرح الحديث ٢٠٧٢ وعزاه إلى فوائد هشام بن عمار.
(٣) صحيح البخاري - البيوع - باب ١٥ - الحديث ٢٠٧٤.
(٤) صحيح الجامع برقم ٧٦٦٢ (صحيح).
(٥) صحيح البخاري - كتاب فرض الخمس - باب ١٩ - الحديث ٣١٤٣، رواه مسلم في كتاب الزكاة برقم ١٠٣٥.
[ ٢٩٤ ]
إلى أن مات، وذلك لأن إطابة المطعم وتحليل الرزق تبدأ باجتناب الشبهات، وتنتهي إلى عدم استشراف النفس إلى ما بأيدي الناس بحيث تعف اليد ويقنع القلب.
وقد يظن بعض الناس أن كثرة الجدل وأن الإحراج في تحصيل شيء إنما هي من علامات الذكاء والفطانة، وقد نهى عن ذلك رسول الله - ﷺ -: «لا تُلِحُّوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتُخرِج له مسألته مني شيئًا وأنا له كارهٌ فيبارك له فيما أعطيتُه» (١).
فما أخذ بالحياء ليس بالرزق الطيب، وما حصل بالإحراج عديم البركة، ومن هانت عليه نفسه اليوم ليسأل الناس، لا يبعد أن يصل به الهوان إلى عدم تحري الحلال.
أما الرزق الذي يسوقه الله إليك، ولم تتلهف إليه نفسك، ولم يتعلق به قلبك فخُذْه، وقد كان عمر - ﵁ - كلما عرض عليه رسول الله - ﷺ - عطاء يقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال له رسول الله - ﷺ -: «خذه. إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله. فإن شئت كله وإن شئت تصدق به. وما لا فلا تتبعه نفسك» (٢).
والرزق الطيب من أسباب قبول الدعاء ومما يشرع طلبه في الدعاء، والزكاة تطهر ما بقي من المال «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم ..» (٣).
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الزكاة - باب ٣٣ - الحديث ١٠٣٨.
(٢) صحيح البخاري كتاب الزكاة الحديث ١٤٧٣، وصحيح مسلم - كتاب الزكاة الحديث ١٠٤٥.
(٣) سنن أبي داود كتاب الزكاة باب ٣٣ الحديث ١٦٦٤ (إسناده حسن/ جامع الأصول ٢/ ١٦٣).
[ ٢٩٥ ]
ولا تقبل الصدقة إلا من المال الطيب، ولا بركة إلا فيما كان طيبًا «إن الله طيِّب لا يقبلُ إلا طيِّبًا، ثم ذكر الرجل يُطِيل السَّفر أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَيْه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام فأنَّى يُستجاب لذلك؟!» (١).
ومن كان تحت يده أموال عامَّة يتولى تصريفها بحكم مسؤوليته أو مكانته الاجتماعية، وهو متفرِّغ لهذا الأمر، فمن حقِّه أن يأخذ ما يكفيه وأسرته بقدر حاجة مثله عرفًا، وأما التوسع فيه فوق الحاجة والاستئثار به دون الناس، والتبذير في التوافه فليس من إطابة المطعم، وإلى ذلك أشار ابن حجر بقوله: (إن للعامل أن يأخذ من عرض المال الذي يعمل فيه قدر حاجته؛ إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له أجرة معلومة) (٢)، والمرأة التي يبخل عليها زوجها قال لمثلها رسول الله - ﷺ -: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٣).
وإن كان في نفس أحدنا شبهة فليحلل رزقه ببذل أقصى الجهد وغاية الوسع إلى أن يشعر أنه قد أحل مطعمه ومشربه؛ فالبر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في صدرِك حين تخلص نفوسنا للحق ولا تستعبدها الشهوات.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- إطابة المطعم سنة المرسلين.
- من أطيب الطعام ما كان من عمل اليد.
_________________
(١) أخرجه مسلم والترمذي (جامع الأصول ١٠/ ٥٦٥ الحديث ٨١٣١).
(٢) فتح الباري ٤/ ٣٥ من شرح الحديث ٢٠٧٠.
(٣) صحيح البخاري - كتاب النفقات - باب ٩ - الحديث ٥٣٦٤.
[ ٢٩٦ ]
- الحريص على إطابة المطعم لا يتحرج من أية مهنة.
- ليس من طيب المطعم ما أخذ من الناس بغير طيب نفس.
- ما أخذ بالإلحاح في المسألة لا يبارك فيه.
- إطابة المطعم من أسباب قبول الدعاء.
- ليس من طيب المطعم التوسع في المال العام.
- ضابط إطابة المطعم استفراغ الجهد في الكسب.
****
[ ٢٩٧ ]