الإحساس والتأثر
[ ٣٥٠ ]
«من سرَّته حسنته وساءته سيئته، فذلكم المؤمن».
المؤمن الذي يتمتع بدرجة عالية من الإحساس والتأثر، يبقي حي القلب، مرهف الحس، وينعكس ذلك على سلوكه، بتفاعله مع ما يجرى حوله، وانفعاله بما يثير ويحرك فيغضب الله، ويفرح لنصرة دين الله، ويتمعَّر وجهه إذا انتهكت حرمات الله، ويهتم لحال عباد الله وسطوة أعداء الله.
والفاقد لهذا الخلق: تراه بليدًا جامدًا، ميت الشعور، خامل الإحساس، يتلقى كل ما يجري حوله بفتور، إلا أن يكون أمرًا يمس مصالحه الشخصية، فيثور له ويغضب ويهتم لأجله ويسعى، وهل أمر نفسه أولى عنده من أمور جميع المسلمين؟ وهل مصيبته في نفسه أشد عليه من كل مصائب المسلمين؟.
إن صاحب (الإحساس والتأثر) يراعي مشاعر إخوانه، ويحترمها، ويحذر أن يمسها بسوء، يروى أن أبا سفيان - في هدنة صلح الحديبية - قبل إسلامه، مر على سلمان وصهيب وبلال، فأرادوا أن يسمعوه قولًا يغيظه، فقالوا: والله ما أخذت سيوفُ الله من عنق عدو الله مأخذها. فاستنكر عليهم أبو بكر ما قالوا، وقال لهم: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟! وذهب أبو بكر فأخبر النبي - ﷺ - بما جرى، فكان أول أمر أهم رسول الله، أن تساءل عن مشاعرهم تجاه ما صدر من أبي بكر، فقال له: «يا أبا بكر لعلك أغضبتَهم، لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك»، فأتاهم أبو بكر يسترضيهم، ويستعطفهم، قائلًا: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك
[ ٣٥١ ]
يا أخي (١) حين تكون هذه الصورة نموذجًا يحتذي في العلاقات بين الإخوة، تتحقق فينا أخوة الإسلام بأسمى صورها.
ومن علامات حياة القلب، والتفكير في الآخرين، والاهتمام بأمورهم؛ أن يحزن المؤمن لحزن من يحب، ومن الصور البارزة لهذه المشاركة الشعورية: أن رسول الله - ﷺ - شاور أصحابه في أسرى بدر، فرأى عمر أن يقتلوا، ورأى أبو بكر أن يعتبروا أسرى، ويؤخذ منهم الفداء، فمال رسول الله - ﷺ - إلى رأى أبي بكر، فلما نزلت الآية في اليوم التالي: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، والآية تعاتبهم ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾، وتشير الآية التي تليها إلى أنه كان سيَمَسُّهم عذاب لذلك: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨].
فأخذ رسول الله - ﷺ - يبكي، وأبو بكر يبكي معه، ووجدهما عمر على هذا الحال فقال: «يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما» فقال رسول الله - ﷺ -: «أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة ..» (٢).
وحين أذن الله لرسوله - ﷺ - بزيارة قبر أمه، (بكى هناك، وأبكى
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب ٤٢ - الحديث ١٧٠ (شرح النووي ١٦/ ٢٩٩).
(٢) صحيح مسلم - كتاب الجهاد - باب الإمداد بالملائكة - (شرح النووي ١٢/ ٨٤ - ٨٧).
[ ٣٥٢ ]
من حوله) (١) من الصحابة، ولما زار رسول الله - ﷺ - سعد بن عبادة - وهو يحتضر - فرأى ما غشِيه من نزع الروح، بكى (فلما رأى القوم بكاء النبي - ﷺ -، بكوا) (٢)، وبذلك نرى أن رسول الله - ﷺ - كان رقيق القلب، سريع الدمعة، بالغ التأثر، قوي الإحساس، وكذلك كان الصحابة من حوله، فكيف نجد قلوبنا من بعدهم؟
ومن شواهد هذا الإحساس، وذلك التأثر، في مجتمع المسلمين، أن امرأة من الأنصار، لما علمت حزن عائشة، لما رُمِيت به من حديث الإفك، ذهبت إليها، وجلست تبكي معها (٣)، فهل يطيب لك نوم، وأنت تعلم أن أخًا لك في محنة؟ إذا وجدت مصائب إخوانك تمر على مشاعرك دون أن تحركها، وتعبُرُ أمام عينيك ولا تدمعها، فاعلم أن قلبك بحاجة إلى جلاء وإحياء.
ومن أبرز ما يتمثل فيه خلق (الإحساس والتأثر): حزن المرء على نفسه إذا أذنب، وندمه على ما اجترح، بحيث يدفعه ذله إلى التوبة.
يروى أن السيدة عائشة - ﵁ - كانت نذرت أن تهجر ابن أختها عبدالله بن الزبير، ثم تَمَّ الإصلاح بينهما (.. وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي، حتى تبل دموعُها خمارَها) (٤)، لحزنها على ما نذرت من شر، ثم يأتي على الناس زمان، يفعلون فيه الموبقات وهي أدق في عيونهم من الشعر؛ لاستصغارهم لما فعلوا، ويفعل أحدهم الذنب، فلا يتأثر له إلا كما يتأثر مَن وقفت على أنفِه ذبابة، فهشها
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الجنائز - الحديث ١٠٨ (شرح النووي ٧/ ٥٢).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الجنائز - باب ٤٤ - الحديث ١٣٠٤ (الفتح ٣/ ١٧٥)
(٣) صحيح البخاري - كتاب الشهادات - باب ١٥ - (الفتح ٥/ ٢٧١).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٦٢ - الحديث ٦٠٧٣.
[ ٣٥٣ ]
بيده وانتهى كل شيء. إن هذا لدليل ضعف الإيمان، وحياة القلب هي علامة الإيمان، ولذلك قال - ﷺ -: «.. مَن سرَّته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن» (١)، ومثل هذا يأمن عذاب الله في الآخرة؛ لخوفه من ذنبه في الدنيا.
قال أبو أيوب الأنصاري: (.. وإن الرجل ليعمل السيئة، فلا يزال منها مشفقًا، حتى يلقى الله آمنًا) (٢)، وقد جاء في وصية لرسول الله - ﷺ - قوله: «.. وابكِ على خطيئتك» (٣).
وأول علامات حياة القلب: الشعور بالخطأ، ثم الشعور بالندم، ثم البكاء، ولا يبكي من لم يندمْ، ولا يندم مَن لم يشعر بعظم ذنبه.
إن التأثر بالمواقف التي تستدعي الشفقة والرحمة، صورة من صور هذا الخلق، ومن ذلك أن أبا أيوب الأنصاري رأى امرأة في السبي تبكي؟ فعلم أنه فرق بينها وبين ولدها، فجاءها بولدها فاعترض عليه أميره عبد الله بن قيس؟ وقال له: ما حملك على ما صنعت؟. قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين الأحبة يوم القيامة» (٤)، إنه التأثر لما قد يقع من ظلم، حتى على غير المسلمين.
ومثل ذلك التأثر بالمواقف، التي تستدعي السخط على الظلم والظالمين، فقد ورد أن بعض الصحابة، أرادوا المرور بديار أصحاب الحجر، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي - أبواب الفتن - باب ٧ - الحديث ١٧٥٨/ ٢٢٦٨ (صحيح).
(٢) فتح الباري ١١/ ٣٣٠ وعزاه ابن حجر غلى أسد بن موسى في الزهد من حديث أبي أيوب الانصارى ..
(٣) صحيح سنن الترمذي - أبواب الزهد - باب ٤٧ - الحديث ١٩٦١/ ٢٥٣٠ (صحيح)
(٤) مسند أحمد ٥/ ٤١٣ وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٤.
[ ٣٥٤ ]
المعذَّبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم مثلما أصابهم» (١).
ومن المواقف التي تقتضي التأثر: رؤية ما يغضب الله، أو ينفر الناس من الدعوة، فقد شكا رجل إلى النبي - ﷺ - طول صلاة إمامهن يقول أبو مسعود الأنصاري:) فما رأيت النبي - ﷺ - في موعظة أشد غضبًا من يومئذ «٢).
والحري بأن يكون أكثر الناس إحساسًا بإخوانه، وتأثرا لما يحبه الله أو يبغضه، ولما يفرح المؤمنين أو يغيظهم، الحري بذلك أكثر من غيره، من كان أكثر علمًان فمزيد العلم يزيد الخشية، فإذا لم يتفاعل المرء مع ما يتعلم لم يرقَّ قلبه ولم يخشع، وقد استعاذ رسول الله - ﷺ - من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع (٣)، ولذلك لو وصل علمنا، إلى ما وصل إليه علم رسول الله - ﷺ -، لضحكنا قليلًا، ولبكينا كثيرًا (٤)، وقد كان الصالحون من سلف الأمة يتعهدون قلوبهم، فيقارنون بين حقيقة حالهم، ومحتوى أقوالهم، يقول إبراهيم التيمي: (ما عرضت قولي على عملي، إلا خشيت أن أكون مكذبًا) (٥).
إن القلوب إذا طال عليها الأمد قست، وإذا ذكرت لانت ورقت، وتأثرت وشفت، وذلك حال المؤمنين حقًّا: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الصلاة - باب ٥٣ - الحديث ٤٣٣ (الفتح ١/ ٥٣٠).
(٢) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب ٢٨ - الحديث ٩٠ (الفتح ١/ ١٨٦).
(٣) يراجع مسند أحمد ٢/ ١٦٧، وصحيح سنن النسائي ٣/ ١١١٢.
(٤) يراجع صحيح البخاري الحديث ١٠٤٤ (الفتح ٢/ ٥٢٩).
(٥) صحيح البخاري= كتاب الإيمان - من ترجمة الباب ٣٦ (الفتح ١/ ١٠٩)،
[ ٣٥٥ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، بينما إخوان الشياطين الذين ماتت قلوبهم ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢].
إن هذا الدين بحاجة إلى مَن يتبنَّى همومه، ويحمل مسؤوليته، ويشعر بخطورة دوره، وليس بحاجة إلي أبواق رنانة، وأصوات طنانة، فليست النائحة كالثكلى. فتعهَّد حساسية قلبك نحو حالك مع الله، وأحوال المسلمين .. فإذا سرَّك الخير وأفرحك، وساءك الشر وأهمك فأنت مؤمن، حي القلب، يقظ المشاعر.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الإحساس علامة حياة القلب ورهافة الشعور.
- من علامات الإحساس:
- تقدير مشاعر الإخوة ومراعاتها.
- الحزن لحزنهم والفرح لفرحهم.
- الوجد والبكاء في المواقف المؤثرة.
- الحزن على النفس إذا أذنبت
- التأثر بمواقف الظلم.
- الانفعال عند رؤية المنكر.
- أحرى الناس بالإحساس العلماء.
- تقسو القلوب إذا طال عليها الأمد.
- لا يقوم الدين إلا على أكتاف المتحرقين عليه.
[ ٣٥٦ ]