المراجعة والتصحيح
[ ٣٩٩ ]
﴿وَلم يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعلَمُونَ﴾ (*).
حتى لا يسترسل المسلم في خطأ وقع فيه، أو هوى انساق إليه، لا بدَّ له في حياته من وقفات مع نفسه ومع إخوانه؛ لمراجعة حساباته من جديد، والسير - بعدئذٍ - على بصيرة.
وقد افتتح البخاري أحد أبواب الصوم بكلمة لأبي الزناد جاء فيها: (إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي ..) (١)، فحين يتخذ أحدنا لنفسه قناعات لا يَحيد عنها، ولا يقبل المراجعة فيها، قد لا يسلم من هوى يطغيه، أو فساد في الرأي يرديه.
وإن ديننا حين بشَّر المجتهد المخطئ بأجر، فإنه لا يقبل في الوقت نفسه التعامي عن الخطأ، والإِصرار عليه، وكم أفتى فقهاؤنا بفتاوى ثم رجعوا عنها، لما أعادوا النظر فيها، وتبيَّن لهم الصواب في غيرها، وإن الذين تردهم الملائكة عن الحوض، إنما مصيبتهم في الاسترسال في الغي، ويُقال لرسول الله - ﷺ -: «.. إنهم قد بدَّلوا بعدك، ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم، فيقول رسول الله - ﷺ -: سحقًا سحقًا» (٢)، يدعو عليهم بالهلاك؛ لأنهم لم يراجعوا أنفسهم، ولم يفيئوا إِلى الصواب.
_________________
(١) (*) سورة آل عمران، الآية ١٣٥.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الصوم - من ترجمة الباب ٤١ عن أبي الزناد (الفتح ٤/ ١٩١).
(٣) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الزهد - باب ٣٦ - الحديث ٣٤٧٥/ ٤٣٠٦ (صحيح).
[ ٤٠١ ]
المراجعة وسيلة لمحاسبة النفس، والتصحيح نتيجة، تظهر آثارها بالرجوع عن المعصية الجلية، أو الخطأ في الاجتهاد والرأي.
ومن وسائل المراجعة للتصحيح: الاستماع إلى المشورة بنيَّة البحث عن الحق، وقد أورد البخاري قصة اقتراح عمر على أبي بكر - ﵄ - أن يجمع القرآن، ولم يقبل أبو بكر بذلك (فقال عمر: هو والله خير - قال أبو بكر -: فلم يزل عمر يراجعني فيه، حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر ..) (١)، ولم يُصِرَّ على رأيه، ولم يحجزه المنصب عن قَبول الصواب ممَّن دونه.
ويعين على الصواب: مطالبة البطانة الصالحة بالتذكير بما هو خير وأصوب، وخاصة حين لا يبادر الآخرون بالتذكير، ولن نكون أصوب رأيًا، ولا أهدى فكرًا من رسول الله - ﷺ -، حيث يقول: «.. إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإِذا نسيت فذكروني ..» (٢)، وحينما نشعر الناس بالترحيب بالتذكير، ونرفع عنهم الحرج الذي يتوقَّعونه، تكون عيون الناس - عندئذٍ - مرآتنا التي تقوِّمنا على الدوام.
وتضمن لنفسك سلامة الطريق وصواب الرأي باتخاذ البطانة الصالحة، وعدم الالتفات إلى المدَّاحين؛ الذين لا يُبصِّرون أخاهم بأخطائه، ففي الحديث أن: «مَن ولَّاه الله ﷿ من أمر المسلمين شيئًا، فأراد به خيرًا، جعل له وزير صدق، فإن نسي ذكَّره، وإن ذكر أَعانه» (٣).
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب التفسير سورة ٩ باب ٢٠ الحديث ٤٦٧٩ (الفتح ٨/ ٣٤٤).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الصلاة - باب ٣١ - الحديث ٤٠١ (الفتح ١/ ٥٠٣).
(٣) صحيح سنن النسائي للألباني - كتاب البيعة - باب ٣٣ - الحديث ٣٩٢٠ (صحيح). ورواه أحمد ٦/ ٧٠ واللفظ له.
[ ٤٠٢ ]
وقد كان الحُرُّ بنُ قيس من مقرَّبِي عمر بن الخطاب، وهمَّ عمر أمامه بضرب عُيَيْنة بن حصن لتطاوله عليه، فقال له الحر: (يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه - ﷺ - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين)، يقول الراوي: (والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله) (١) وكم من المظالم يمكن أن تزول، وكم من الممارسات الخاطئة يمكن أن تُصحِّح؛ حين تقوم البطانة بدورها الصالح.
والخلوة بالنفس من أنجح صور المراجعة؛ لمحاسبة النفس، وتصحيح العمل، رُوي عن عمر بن الخطاب قوله: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وتزيَّنوا للعرض الأكبر) (٢)، ويروى عن ميمون بن مهران قوله: (لا يكون العبد تقيًّا حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه) (٣)، والرابح أخيرًا هو أنت، وليس العيب في الرجوع عن الخطأ، وإنما البلاء الكبير في الإصرار على الباطل.
ومن بركات هذه المراجعة للنفس: أنها سببٌ من أسباب رفع لبلاء وتخفيف الحساب، ففي بقية كلمة عمر السابقة: (وإنما يخفَّف الحساب يوم القيامة على مَن حاسب نفسه في الدنيا) (٤).
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب التفسير - سورة ٧ - باب ٥ - الحديث ٤٦٤٢ (الفتح ٨/ ٣٠٤).
(٢) سنن الترمذي - كتاب القيامة - باب ١٤ - الحديث ٢٥٧٧ موقوفًا على عمر (تحفة الأحوذي ٧/ ١٥٥).
(٣) سنن الترمذي - كتاب القيامة - باب ١٤ من قول ميمون بن مهران.
(٤) بقية قول عمر السابق في سنن الترمذي - كتاب القيامة - باب ١٤ - الحديث ٢٥٧٧.
[ ٤٠٣ ]
وحين تعمُّ المفاسد في أي زمان فالمخرج بالرجوع إِلى ديننا، كما قال - ﷺ -: «إِذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سّلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»، وفي رواية: «حتى يراجعوا دينهم» (١)، وبذلك تكون المراجعة بداية رفع البلاء والذل.
كما أن مراجعة النفس وتصحيح مسارها سببٌ من أسباب انشرح الصدر للخير، وإيثار الباقي على الفاني، ففي حديث طويل لابن مسعود: (بينما رجل فيمَن كان قبلكم، كان في مملكته، فتفكَّر، فعلم أن ذلك - أي المُلك - منقطع عنه، وأن ما هو فيه قد شغله عن عبادة ربه)، فاعتزل الملك، وذهب إلى مملكة أخرى يكسب رزقه من عمل يده، وعلم ملك هذه البلاد به وبصلاحه، فقصده الملك، وسعى إليه، واستفسر منه فقال ملك البلاد: (ما أنت بأحوج إِلى ما صنعتَ مني، ثم نزل عن دابته فسيبها، ثم تبعه فكانا جميعًا يعبدان الله ﷿ ..) (٢)، واستطاع كل منهما أن يُصحِّح ما أفسد دون أن يعميهما بريق الملك، وفتنة الكرسي، وما بدأت صحوة كل منهما إلا بالتفكُّر والمراجعة.
والمراجعة والتصحيح فرصة لرأب الصدع بين القلوب، وإصلاح ذات البَيْن، قال رسول الله - ﷺ -: «إن أبواب الجنة تُفتَح يوم الاثنين ويوم
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود للألباني - كتاب الإِجازة - باب ٢٠ - الحديث ٢٩٥٦/ ٣٤٦٢ (صحيح) والرواية الأخرى المُشار إِليها رواية أحمد ٢/ ٢٨.
(٢) مسند أحمد ١/ ٤٥١، رواه ابن مسعود ولم يرفعه، وقال البنا في بلوغ الأماني ٢٠/ ١٥٥: (أورده الهيثمي وقال: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه. وفي إِسنادهما المسعودي وقد اختلط).
[ ٤٠٤ ]
الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجل بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: أنظِروهما حتى يصطلحا - مرتين -» (١)، وما فائدة إنظارهما إن لم يراجع كل منهما نفسه ليبدأ صاحبه بالسلام؟!
وهي سبب من أسباب البراءة من النفاق، قال إبراهيم التيمي: (ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا) (٢)، وقال ابن أبي مُلَيكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ -، كلهم يخاف النفاق على نفسه) (٣)، وتعليقًا عليه ينقل ابن حجر قول ابن بطال: (إنهم خافوا لأنهم طالت أعمارهم، حتى رأوا من التغيير ما لم يعهدوه، ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت) (٤).
وجِماع الأمر ومِلاكه أن يفترض المسلم في نفسه الخطأ، وأن يستحضر عدم العصمة، لئلا يثقل عليه الاعتراف بخطئه، فتسد عليه أبواب التصحيح. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: ١١]، ولأن الإنسان مخلوقٌ ضعيف، فهو كثير التغير والتقلُّب، وهنيئًا لمن كانت نيَّته فيئته إلى سنة، ومراجعته إِلى صواب، وتصحيحه إلى ما يرضي الله، فإن الرجوع إلى الحق شأن الأوابين والتوابين.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- فائدة المراجعة عدم الاسترسال في الخطأ.
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب البر - باب ١١ - الحديث ٢٥٦٥ (شرح النووي ٨/ ٣٥٨) ورواه أحمد ٢/ ٤٠٠ واللفظ له.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - من ترجمة الباب ٣٦ - (الفتح ١/ ١٠٩).
(٣) نفس المصدر السابق
(٤) فتح الباري ١/ ١١١ عند شرحه لكتاب الإِيمان - باب ٣٦.
[ ٤٠٥ ]
- يعتذر المجتهد من المخطئ ولا يعذر بعد تبين الخطأ له.
- المراجعة محاسبة للنفس، وتصحيح السلوك ثمرتها.
- من وسائل المراجعة:
- المشاورة بنية معرفة الحق.
- اتخاذ البطانة الصالحة وحضها على التذكير بالأصوب.
- الخلوة بالنفس.
- من بركات المراجعة أنها:
- من أسباب رفع البلاء وتخفيف الحساب.
- من أسباب انشراح الصدر للخير.
- من أسباب رأب الصدع بين القلوب.
- من أسباب البراءة من النفاق.
- جماع الأمر في المراجعة توقع الوقوع في الخطأ وعدم الاعتداد بالنفس.
* * *
[ ٤٠٦ ]