ستر العيوب
[ ٤٤٩ ]
«ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة».
المجتمع الذي يغلب عليه الطُّهر، لا يطفح فيه من الأخبار إلا ما كان طاهرًا وعفيفًا، ويبقى المسرُّ بالمعصية مستورًا بستر الله عليه، إلى أن يتوب، ويستره المؤمنون؛ لئلا يتجاسر على الجهر بها، أو الإصرار عليها، وليكونوا عونًا له على الشيطان، طالما أسرَّ واستتر.
مثلما استنكر رسول الله - ﷺ - حديث العاصي الفاضح لنفسه، والكاشف لستر الله عنه، فقال: «كلّ أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» (١)، فقد استقبح أيضًا شأن الفاضح لأخيه، لذلك وصف الله الذين يلوكون أعراض المسلمين بألسنتهم - كما قال تعالى - ﴿يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ [النور: ١٩]، وما زال الوعيد الشديد يتهددهم ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]، ويقابل هذا الوعيد بشارة للذين يكتمون عيوب إخوانهم، بستر الله لهم في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث الصحيح: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة» (٢).
يقول النووي في شرحه لهذا الحديث: (وأما الستر
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٦٠ - الحديث ٦٠٦٩ (الفتح ١٠/ ٤٨٦).
(٢) أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود (جامع الأصول ٦/ ٥٦٢) وفي صحيح سنن ابن ماجه برقم ١٨٤.
[ ٤٥١ ]
المندوب إليه هنا، فالمراد به: الستر على ذوي الهيئات ونحوهم، ممن ليس هو معروفًا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك، فيستحب ألا يستر عليه، بل تُرفع قضيته إلى ولي الأمر - إن لم يخفف من ذلك مفسدة - لأن الستر على هذا يُطمعه في الإيذاء والفساد، وانتهاك الحرمات، وجسارة غيره على مثل فعله، وأما جرح الرواة والشهود، والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام، ونحوهم، فيجب جرحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم، إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة) (١).
ولا يعني ذلك ترك الإنكار على من تستره فيما بينك وبينه، وإذا أنكرت عليه، ونصحته، فلم ينتهِ عن قبيح فعله، ثم جاهر به، جازت الشهادة عليه بذلك - كما أفاد النووي وابن حجر - وفُرِّق بين محلِّ السَّتر والإنكار: (والذي يظهر أن السَّتر محلُّه في معصية قد انقضت، والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها، فيجب الإنكار عليه، وإلا رفعه إلى الحاكم) (٢).
ومن أولى الستر: ستر المرء لعيوب نفسه، التي سترها الله عليه، وإن الله ﷿ ليكرمه، لقاء تحرجه من معصيته، واستتاره بها، واستحيائه منها، بن يغفر له: - كما جاء في الحديث - «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى إذا قرَّره بذنوبه، ورأى
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم (١٦/ ١٣٥) كتاب البر والصلة - باب ١٥ - من شرح الحديث ٢٥٨٠.
(٢) فتح الباري (٥/ ٩٧) من شرح الحديث ٢٤٤٢ ومثله عند النووي.
[ ٤٥٢ ]
في نفسه أنه هلك، قال: سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرُها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته» (١)، وقد حلف رسول الله - ﷺ - على ثلاثة أشياء، ثم قال: «والرابعة لو حلفت عليها رجوت أن لا آثم: لا يستر الله عبدًا في الدنيا إلا ستره يوم القيامة» (٢)، فليستر نفسه كما ستره الله.
إن من كرامة المسلم على الله: أنه - سبحانه - يتولى الدفاع عنه بنفسه، والانتقام له من المسيء إليه، وفي ذلك يقول رسول الله - ﷺ -: «يا معشر مَن آمن بلسانه، ولم يدخُلِ الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبِعوا عوراتهم، فإنه مَن يتَّبِع عوراتهم، يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته، يفضحه في بيته» (٣).
فاستُرْ إخوانك، فإنه لا طاقة لك بحرب الله، القادر على كشف عيوبك، وفضح ذنوبك، التي لا يعلمها الناس عنك، وأَلْجِم لسانك عن الخوض في الأعراض، وتتبع العورات، وإفساد صِيت إخوانك، وإساءة سمعتهم.
تجد النفس المريضة شغوفة بسماع العيوب، وتتبع السقطات، وتصدر المجالس في تجريح ذوي الهيئات، مع أن رسول الله - ﷺ - أمر بالتجاوز عن عثراتهم، ومع أن الله ﷿ «يحب الحياء والستر» (٤)، وكأنما قرن بين هذين الخلقين (الحياء والستر)؛ لأن الإنسان الذي ينشر
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب المظالم - باب ٢ - الحديث ٢٤٤١.
(٢) صحيح الجامع - الحديث ٣٠٢١ (صحيح) وهو في مسند أحمد ٦/ ١٤٥.
(٣) مسند أحمد ٤/ ٢٢٠، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٧٩٨٤.
(٤) مسند أحمد ٤/ ٢٢٤، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ١٧٥٦.
[ ٤٥٣ ]
عيوب إخوانه، لا يُقدِم على ذلك إلا بعد أن يهتك كل حجب الحياء، التي يمكن أن تردعه، ولا يستر إلا الحَيِيُّ.
وكذلك فإن الستر حياة للمستور، الذي يتعامل مع الناس دون أن تشير إليه الأصابع، وتنهشه النظرات، وتقتله عقدة الذنب، وربما كان هذا بعض ما أراده رسول الله - ﷺ - بقوله: «من رأى عورة فسترها، كان كمن أحيا موءودة» (١)، ويقول المناوي في (عون المعبود): وجه الشبه أن الساتر دفع عن المستور الفضيحة بين الناس، التي هي كالموت، فكأنه أحياه، كما دفع الموت عن الموءودة من أخرجها من القبر قبل أن تموت) (٢).
ولقد كان من هَدْي رسول الله - ﷺ - أنه يؤثر الستر، حتى في حق مرتكب الكبيرة، لذلك كان يوجه بقوله "تعافّوا الحدود فيما بينكم" (٣)؛ لئلا تُنقل إلى الإمام فتفتضح بإقامة الحد، لعل صاحبها يتوب، فيتوب الله عليه.
لقد بلغ من حرص رسول الله - ﷺ - على كرامة المسلم، وسلامة نفسيته، أنه حين جاءه رجل يقول له: «يا رسول الله إني أصبت حدًّا فأقِمْه عليَّ»، يقول أنس بن مالك: ولم يسأله عنه، وبعد الصلاة كرر الرجل مقالته، «فقال رسول الله - ﷺ -: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر ذنبك» (٤).
يقول ابن حجر: (وإنما لم يستفسِرْه إما
_________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الأدب - باب ٤٥ - الحديث ٤٨٧٠ صححه الحاكم ووافقه الذهبي وضعفه الألباني.
(٢) عون المعبود ١٣/ ٢٣٥ من شرح الحديث ٤٨٧٠.
(٣) صحيح سنن أبي داود برقم ٣٦٨٠ وصحيح سنن النسائي برقم ٤٥٣٩.
(٤) صحيح البخاري - كتاب الحدود - باب ٢٧ - الحديث ٦٨٢٣.
[ ٤٥٤ ]
لأن ذلك يدخل في التجسس المنهي عنه، وإما إيثارًا للستر، ورأى أن في تعرضه لإقامة الحد عليه ندمًا ورجوعًا) (١)، وندع الخلاف الفقهي في ذلك الحديث؛ لنقطف المغزى الأخلاقي الذي يُؤكِّد حرمة المسلم ومكانته، حتى حين يقرُّ على نفسه ويعترف بذنبه.
أعود إلى واقعنا المؤلم، فأرى أناسًا يتهمون بالظن، ويشيعون بلا بينة، ويفترون على البريء، ويفضحون المذنب المستتر بذنبه، ويُشوِّهون صورة الفضلاء بإبراز صور ضعفهم، فمن يدعي أن هذا من الحياء والستر الذي يحبه الله؟
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- المسرُّ بالمعصية مستور بستر الله عليه.
- كشف العيوب مستقبح وإن تحدث المرء عن نفسه.
- لا تعارض بين الإنكار على العاصي وبين ستره.
- تتبع العورات منزلق إلى فضح العيوب.
- الارتياح بسماع العيوب علامة مرض القلب.
- الستر مطلوب حتى في حق مرتكب الكبيرة.
****
_________________
(١) فتح الباري ١٢/ ١٣٤ من شرح الحديث ٦٨٢٣.
[ ٤٥٥ ]