الإحسان
[ ٤٨٦ ]
«وأحسِنْ كما أحسَن الله إليك».
إن دِينًا يفرض على أتباعه (الإحسان) في كل شيء، لا يرتضي من أتباعه أن يألفوا الإساءة أو أن يمارسوها، فما يدعو إليه دينُنا أسمى وأرفع من ممارساتنا اليومية الخاطئة التي نشوه بها الصورة العملية لأخلاق هذا الدين.
منذ الخطوة الأولى على بوَّابة الإسلام، نحن مطالَبون أن نُحسِن إسلامنا لتضاعف أجورنا، فقد روى البخاري «إذا أحسن أحدُكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها» (١)، بل إن رُكام الجاهلية الذي يثقل كاهل حديث الهداية لا خلاص منه إلا بصدق التوبة وإحسان العمل؛ ولذلك يقول - ﷺ -: «مَن أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» (٢).
الإحسان إتقان للعمل، وتحسين للأداء، وحسن في العطاء يعمُّ مظاهر الحياة الرجل المحسن حقًّا؛ فإن نظرت إلى أخلاقه وجدت خلقه حسنًا، وإن أحبكم وأقربكم إلى رسول الله - ﷺ - «أحاسنكم أخلاقًا» (٣)، ولذلك قال الفُضَيل بن عِياض: (لأن يصحبني فاجرٌ حسن الخلق أحب إليَّ من أن يصحبني عابد سيِّئ الخلق) (٤)؟
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ٣١ - الحديث ٤٢.
(٢) صحيح البخاري - كتاب المرتدين - باب ١ - الحديث ٦٩٢١.
(٣) صحيح سنن الترمذي ٢/ ١٩٦ الحديث ١٦٤١ (صحيح).
(٤) إحياء علوم الدين ٣/ ٤٥.
[ ٤٨٧ ]
وإن نظرت إلى الجميع أعمال المحسن وجدت الإحسان فيها غالبًا، ولذلك أخبر رسول الله - ﷺ - أن من خير الناس «مَن طال عمره وحسن عمله» (١)؛ لأن كل زيادة في العمر تغدو لديه زيادة في الأجر والخير.
إن الحياة كلها مجال للترقي في مدارج الإحسان؛ ولذلك كان النهي عن تمني الموت معللًا بما جاء في رواية البخاري: «لا يتمنَّى أحدكم الموت؛ إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب» (٢)، فيسوقه الإحسان إلى التوبة ومحاسبة النفس قبل قدوم الأجل، وحتى صورة القتلة والذبحة - تلك الصورة القاسية بطبيعتها يمكن إشباعها بنفحة إحسان: «وليحدَّ أحدُكم شفرتَه وليُرِحْ ذبيحته» (٣).
ويجمَعُ الغزالي أصول الأخلاق الحسنة في أربعة أخلاق أساسية (الحكمة والشجاعة والعفة والعدل)، فيقول: (في الباطن أربعة أركان لا بدَّ من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق وكل من جمع كمال هذه الأخلاق استحق أن يكون بين الخلق ملكًا مطاعًا يرجع الخلق كلهم إليه ويقتدون به في جميع الأفعال) (٤)، فمَن سعى إلى أستاذية العالم لقيادة البشرية فلابد أن يكون مؤهَّلًا بالإحسان في أهم الأخلاق.
ويربط الغزالي في عَلاقة التأثير والتأثر بين حسن الباطن بالطبع، وحسن الظاهر بالتطبع ليصوغ من ذلك منهجًا تربويًّا في إصلاح النفس وترويضها نحو الأحسن، فيقول: (الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة وهي تكلُّف الأفعال الصادرة عنها ابتداءً
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ٤٠.
(٢) صحيح البخاري - كتاب التمني - باب ٦ - الحديث ٧٢٣٥.
(٣) صحيح مسلم - كتاب الصيد - باب ١١ - الحديث ١٩٥٥.
(٤) إحياء علوم الدين ٣/ ٤٧.
[ ٤٨٨ ]
لتصير طبعًا انتهاءً، فإن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب) (١).
والصلاة نفسها وسيلة من وسائل غرس الإحسان في النفوس؛ لأنها تنهَى عن الفحشاء والمنكر ويدعو المؤمن فيها بالدعاء المأثور: «اللهم اهدِني لأحسن الأخلاق لا يَهْدي لأحسنِها إلا أنت، واصرِف عني سيِّئها لا يصرف عني سيِّئها إلا أنت» (٢).
وساحة الجهاد فرصة من فرص الارتقاء بالخلق وتهذيب الطباع والاستزادة في الإحسان، فقد جاء في سنن ابن ماجه: «يا أكثم، اغزُ مع غير قومك يحسن خلقك وتكرَّم على رفقائك» (٣)، وربما كان الخروج من التقوقع على النفس، والانخراط مع قوم آخرين في سبيل الله، فرصة للتأثر بخير ما عندهم، وتحسين الخلق بالتأسي بأفضل ما يظهر منهم، فالرفقة القصيرة غالبًا تُبدِي أحسن ما لدى الآخرين وتستر ما وراء ذلك من عيوب يظهرها طول العشرة.
ومن أسمى صور الإحسان - وهنيئًا لمن يصل إليها - أن تقابل الإساءة بالإحسان، وأن تكون مقتديًا بكل امرئ بخير ما فيه من خصال، روى البخاري عن عثمان بن عفان - ﵁ - قوله: (فإن أحسن الناس فأحسن معهم. وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم) (٤).
_________________
(١) إحياء علوم الدين ٣/ ٥١.
(٢) صحيح مسلم - كتاب المسافرين - باب ٢٦ - الحديث ٧٧١.
(٣) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه ٢/ ١١٨: (إسناده ضعيف، وله شاهد في صحيح ابن حبان وأبي داود والترمذي. وقال: حسن غريب).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الآذان - باب ٥٦ - الحديث ٦٩٥ (موقوف على عثمان).
[ ٤٨٩ ]
وتربية القرآن تُنشِئ في نفس المؤمن صورًا من الإحسان؛ لأنه مخاطب بالتأمل فيما أحسن الله إليه من النعم الغامرة، ومطالب بالإحسان إلى الخلق بمثل ذلك: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، وكم في القرآن من المرغبات للمرء في أن يحسن: لينال محبة الله وليضمن معية التأييد، وعدم ضياع الأجر، وقرب الرحمة منه، وإيتاء الحكم والعلم جزاءً على إحسانه، وله في الآخرة الحسنى وزيادة، والسلام، وما يشاء (١):
وكم من مجالات الإحسان أمام الداعية! فإن أراد الدعوة فبالحكمة والموعظة الحسنة، وإن أراد القول فمَن أحسن منه قولًا؟! وهو الذي يقول للناس حسنًا، وإن أمر فبالعدل والإحسان، وهو الذي يأمر الناس أن يقولوا التي هي أحسن، وإن دفع مخالفيه أو جادلهم فبالتي هي أحسن، وهو يتقلب في صور الإحسان عاملًا بها وداعيًا إليها.
وقد يجد المرء نفسه في حالات الضعف مائلًا عن الإحسان إلى صور لا تليق بالمحسنين؛ كأن يصبح استماعه للمواعظ تتبعًا للهفوات، وتسقطًا للزلات، بينما كان من الذين ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وأخطر أمراض الحائدين عن الإحسان أنهم يسيئون ومع ذلك ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]؛ ذلك أن الواحد منهم ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] بسبب انقلاب الموازين لديه وعدم تقبله للنصح وبسبب غلبة الهوى على الرابطة الإيمانية.
_________________
(١) إشارة لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤].
[ ٤٩٠ ]
فاحذَر أن تكون من أولئك الظالمين لأنفسهم البعدين عن رحمة الله: ﴿إلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] فاجعل الله غايتك، واستزِدْ من الإحسان يُسدِّد الله خطاك، ويكن عونك على من عاداك ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ووعد الله باق، وسنته مع المحسنين ماضية.
خلاص هذا الفصل وعناصره:
- يدعونا ديننا إلى الإحسان.
- من صور الإحسان (إحسان الإسلام بصدق التوبة).
- إحسان العمل بإتقانه.
- إحسان الخلق.
- إحسان اغتنام الحياة.
- الإحسان إلى الذبيحة.
- إحسان الباطن والظاهر.
- الدعاء عون على الإحسان.
- الجهاد يعين على الإحسان.
- أسمى صور الإحسان بمقابلة الإساءة بالحسنى.
- مجالات الدعوة كلها إحسان.
- من أمراض الذين لا يحرصون على الإحسان.
- عمى بصيرة المسيء يريه الإساءة إحسانًا.
- استحقاق الرحمة بالإحسان بعد الإساءة.
- المحسن مؤيد بالعون من الله.
****
[ ٤٩١ ]