تقديم النفع
[ ١٤٨ ]
«أَحبُّ الناس إلى الله أنفعُهم» (١)
نرى كثيرًا من الطاقات المدفونة بين جوانح أصحابها، ونلمس جوانب من الخير كامنة في نفوس أربابها، ولكنها غير متعدية إلى الآخرين لا بنفع ولا إفادة. وكم تكون الصورة محزنة حين تجد فقيهًا بصحبة جاهل لم يُفِدْه من فقهه، وقارئًا برفقة أُميٍّ لم ينفعه بحسن تلاوته، وعابدًا بجوار فاسق ولم يتعدَّ إليه شيء من صلاحه.
الدعوة نفسها نفع عام، فحين دخل أبو ذر في الإسلام كان من حديث رسول الله - ﷺ - معه أن قال له: «فهل أنت مُبلِّغ عني قومك؛ لعل الله ﷿ أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم» (٢)، وكانت التربية الأولى لحديث الدخول في الإسلام تربية على الدعوة، والحرص على تعدِّي نفعه إلى الآخرين.
وكان خالٌ لجابر بن عبد الله يَرقِي من العقرب، فقال: (يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقي، وإني أرقي من العقرب)، وكأنه يستأذن في ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» (٣)، ومع التشديد الوارد بشأن السحر، فقد أفتى سعيد بن المسيب بجواز
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ١٧٦ (حسن).
(٢) صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب ٢٨ - الحديث ١٣٢/ ٢٤٧٣ (شرح النووي ٨/ ٢٦٠).
(٣) مسند أحمد ٣/ ٣٠٢، ورواه مسلم في كتاب السلام برقم ٦٢/ ٢١٩٩ (شرح النووي ٧/ ٤٣٦).
[ ١٤٩ ]
الاستعانة بساحر في حل السحر عن المصاب به، وقال في ذلك: (لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم يُنهَ عنه) (١)، فالأصل في المسلم أنه يسعى لنفع الناس لا أنه يمنع النفع عنهم (٢).
وتجد بعض النفوس أحيانًا تمتنع عن الإقدام على أعمال لا تضرها، مع أن فيها نفعًا لغيرِها، اقتصارًا على مصالحها الشخصية في حدود ذواتها واهتماماتِها، وليس هذا من شأن المسلم، ولذلك عنَّف عمر بن الخطاب - ﵁ - محمد بن مَسْلَمة لما منع الضحَّاك بن خليفة من حفر ساقية ماء تصل إلى أرضه مارَّة بأرض محمد بن مسلمة، فقال عمر: (لِمَ تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولًا وآخرًا، وهو لا يضرك .. والله ليَمُرَّنَّ به ولو على بطنك) (٣).
إن الأصل في المسلم أنه يسعى إلى تقديم الخدمة لمن يحتاجها، والنصيحة لمن يجعلها، والمنفعة إلى مَن هو أهل لها، بمبادرة منه وحرص من طرفه، ورسولُنا - ﷺ - كان يسعى إلى العباس ليقول له: "يا عم! ألا أحبوك؟ ألا أنفعك؟ ألا أصلك؟ .. " (٤)، وعلَّمه صلاة التسبيح، وهكذا كان يعرض نفسه للنفع، ويعلم الناس النفع، وكان من وصية رسول الله - ﷺ - لأبي برزة حين جاءه يقول: يا رسول الله،
_________________
(١) صحيح البخاري - الطب - من ترجمة الباب ٤٩ (الفتح ١٠/ ٢٣٣).
(٢) هذا الكلام في حل السحر على إطلاقه فيه نظر، وانظر الضوابط في ذلك في كتاب: (النذير العريان لتحذير المرضى والمعالجين بالرقي والقرآن) لفتحي بن فتحي الجندي وهو من منشورت دار طيبة. وانظر أيضًا: (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) في باب النشرة.
(٣) موطأ مالك - كتاب الأقضية - باب ٢٦ - الحديث ٣٣.
(٤) صحيح سنن ابن ماجه - الصلاة - باب ١٩٠ - الحديث ١١٣٨/ ١٣٨٦ (صحيح).
[ ١٥٠ ]
علِّمني شيئًا ينفعني الله ﵎ به، قال له: «انظر ما يؤذي الناس فأعزله عن طريقهم» (١)، ومثل هذه الخدمات تُنمِّي في نفس الداعية التواضع، وتعمق في نفسه معاني الخير، وتجعل المجتمع من حوله يرى فيه حرصًا عمليًّا على كل ما يعود عليهم بنفع، أو يدافع عنهم ضررًا.
وإذا ما تذكَّر المؤمن نعمة الله عليه بالهداية، وذاق حلاوة الإيمان ونعيم الطاعة، فلن يبخل بالكلمة الطيبة؛ ليستنفذ بها أناسًا مازالوا محرومين مما ذاق، ومحجوبين عمَّا عرَف، ولذلك ضرب - ﷺ - مثلًا بالأرض الطيبة التي قبلت الغيث فأنبتت، فقال: «فذلك مثل من فقه في دين الله ﷿، ونفعه الله ﷿ بما بعثني به، ونفع به فعلم وعلَّم ..» (٢)، والداعية الحريص هو الأرض الطيبة التي تشرَّبت الخير وجادت به.
ولم يكن رسول الله - ﷺ - ليتركَ فرصة ركوب غلام - كابن عباس - خلفه دون أن يزيده انتفاعًا بما يربِّيه ويملأ وقت الطريق، فقال له: «ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، احفظ الله يحفظك ..» (٣)، واصطبغ الصحابة ﵃ بهذا الخُلُق، وكان هذا شأن أبي هريرة مع أنس بن حكيم حيث قال له: (يا فتى، ألا أحدثك حديثًا لعل الله أن
_________________
(١) مسند أحمد ٤/ ٤٢٣، ورواه مسلم بلفظ مقارب في كتاب البر برقم ١٣٢/ ١٩١٤.
(٢) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب ٢٠ - الحديث ٧٩ (فتح الباري ١/ ١٧٥).
(٣) مسند أحمد ١/ ٣٠٧، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٧٩٥٧.
[ ١٥١ ]
ينفعك به؟ .. إن أول ما يُحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة .. " (١).
ونفعُ الأقربين أكثر وجوبًا وأعظم أجرًا.
قال أبو قلابة: (وأي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار؛ يُعفُّهم أو ينفعهم الله به، ويعينهم الله به ويغنيهم!) (٢)، وهذا الاهتمام بالأقارب كسبٌ لقلوبهم، وصلةُ رحمٍ، ورمز وفاء، وعنوان محبة، ودليل رحمة، خاصة حين يكون فيهم أطفال صغار، يفتقدون الرعاية والحنان وأهم الحاجات البشرية.
إن أبواب النفع كثيرة، أجمَلَها رسول الله - ﷺ - بقوله: «على كل مسلم صدقة»، وضرب لها بعض الأمثلة بحسب القدرة: «فيعمل بيديه، فينفع نفسه ويتصدق .. فيعين ذا الحاجة الملهوف ..»، وإن لم يفعل المسلم شيئًا من ذلك: «فليُمسِك عن الشر فإنه له صدقة» (٣)، وهذه أدنى مراتب النفع التي لا ينبغي لمؤمن أن ينزل عنها، ولا يليق بداعية أن يقف عندها.
والجهاد أعلى مراتب النفع، والعزلة أدناها، سأل أعرابي: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: «رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شِعْب
_________________
(١) مسند أحمد ٢/ ٤٢٥، واللفظ المرفوع في صحيح أبي داود للألباني برقم ٧٧٠/ ٨٦٤ (صحيح).
(٢) صحيح مسلم - كتاب الزكاة - باب ١٢ - الحديث ٣٨/ ٩٩٤ (شرح النووي ٤/ ٨٥).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٣٣ - الحديث ٦٠٢٢ (فتح الباري ١٠/ ٤٤٧).
[ ١٥٢ ]
من الشِّعاب، يعبد ربه، ويدع الناس من شره» (١)، فالذي جاهد نفع الناس بتضحيته بروحه، وجوده بماله، لحمايتهم ولإرهاب عدوهم، وهذا أكبر الخير، والناس يتفاوتون في الخير ما بين منزلة المجاهد ومنزلة المعتزل الكافِّ لشره عن الناس.
وتعظم المسؤولية ويثقل العبء على من تولى أمر بضعة من المسلمين؛ لأنه أقدر على دفع الضر أو جلب النفع بما أوتي من سلطان إمرة وحق الطاعة، وفي ذلك يقول رسول الله - ﷺ -: «.. فمَن ولي شيئًا من أمة محمد - ﷺ - فاستطاع أن يضرَّ فيه أحدًا، أو ينفع فيه أحدًا، فليقبَل من محسنِهم، ويتجاوز عن مسيئهم» (٢)، بحيث يبقى أمره يدور بين تكريم محسنهم، والعفو عن مسيئهم، أي بين تقديم نفع، أو دفع أذى؛ لأن أهل الإمرة كثيرًا ما يجورون وهم لا يشعرون، فإذا ما وضعوا نُصب أعينهم مهمة جلب المنفعة ودَرْء الأذى عصموا أنفسهم من الزلل بإذن الله.
ومن الصور العملية لخلق النفع ألا تستبقي أرضًا تملكها دون خدمة ولا زراعة، مع وجود أخٍ لك عاطل عن العمل يستطيع أن يستخرج خير الأرض، وأن ينتفع بها، وفي ذلك يقول رسول الله - ﷺ -: «مَن كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليُزرِعها أخاه» (٣)، وكم
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ٣٤ - الحديث ٦٤٩٤ (فتح الباري ١١/ ٣٣٠).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الجمعة - باب ٢٩ - الحديث ٩٢٧ (فتح الباري ٢/ ٤٠٤).
(٣) صحيح مسلم - كتاب البيوع - باب ١٧ - الحديث ٨٨ (شرح النووي ٥/ ٤٥٤).
[ ١٥٣ ]
لدى المسلمين من قدرات معطَّلة، وثروات مكنوزة، وطاقات مهدورة، ولا نلتفت إلى التفكير في استغلالها؛ فيما يعود بالنفع على المسلمين!
أفلا تجود بعلمك، وتتصدق بعرقك، وتعين بسعيك؛ لتكون دائمًا ممن جعله الله مفتاحًا للخير، مِغلاقًا للشر، وعندئذٍ بُشراك الجنَّة كما في الحديث: «.. فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه» (١).
ولدوام النفع بأمثال هؤلاء لا بدَّ من تعزيزهم بالمال والسلطان، وقد ذكر النسائي - عقب حديث في كتاب قسم الفيء - طريقة قسمة سهم النبي - ﷺ - من الغنائم بعد وفاته، فقال: (وسهم النبي - ﷺ - إلى الإمام: يشتري الكراع منهم، والسلاح، ويُعطي منه مَن رأى، ممن رأى فيه غناءً ومنفعة لأهل الإسلام، ومن أهل الحديث والعلم والفقه والقرآن) (٢).
وقد جعل النبيُّ - ﷺ - المؤمنَ مثلًا في دوام النفع به، وشبَّه النخلة به لدوام خضرتها وإمكانية الانتفاع بكل ما فيها، فقال: «إني لأعلم شجرة يُنتفع بها مثل المؤمن» (٣)، والمؤمن يحرص على تقديم خيره إلى الناس لوجه الله، وابتغاء مرضاته، ولا تتحكم به مشاعر شخصية، أو مواقف عارضة، وقد عاتب ربُّنا ﷿ أبا بكر - ﵁ - حين
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - المقدمة - باب ١٩ - الحديث ١٩٤/ ٢٣٧ (حسن).
(٢) صحيح سنن النسائي للألباني، من تعقيب النسائي على الحديث ٣٨٦٦ من كتاب قسم الفيء.
(٣) مسند أحمد ٢/ ١١٥. كما رواه البخاري في العلم - باب ٥ - الحديث ٦٢ (الفتح ١/ ١٤٧).
[ ١٥٤ ]
حلف ألا يُنفِق على مِسْطَح بن أُثاثة لمشاركته في حديث الإفك (فحلف أبو بكر ألا ينفع مِسطحًا بنافعة أبدًا)، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨] قال أبو بكر: (بلى والله، إنا لنُحب أن يغفر لنا) (١)، وأعاد النفقة على مسطح.
إذا كنت تحب أن يغفر الله لك، فهيَّا إلى مزيد من الدعوة والنصح والإفادة والنفع، واستغلال الأوقت والطاقات .. فإنه كما قال رسول الله - ﷺ -: «خيرُ الناس أنفعهم للناس» (٢).
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
_ إذا لم يَقُمِ المؤمن بتقديم النفع لم يتعدَّ خيره إلى غيره.
- «مَن استطاع أن ينفع أخاه فليفعل».
- المبادرة بتقديم النفع قبل طلبه.
- اغتنام كل الأوقات في توصيل الخير.
- أوجب النفع ما كان للأقربين.
- من لم يقدر أن ينفع، فليحرص ألا يضر.
- أعلى النفع الجهاد، وأدناه العزلة.
- يعظم النفع بعظم المسؤولية، والضرر كذلك.
- في النفع اغتنام للطاقات المهدرة لمصلحة مَن يحتاجها.
- يعظم النفع بتأييده بالمال والسلطان.
_________________
(١) مسند أحمد ٦/ ٥٩ - ٦١، وروى البخاري في صحيحه قصة حادثة الإفك برقم ٤٧٥٠.
(٢) صحيح الجامع برقم ٣٢٨٩ (حسن).
[ ١٥٥ ]
- من مزايا المؤمن: دوام خيره وكثرة نفعه.
- النافع خير الناس.
[ ١٥٦ ]