الأمانة
[ ٥١٢ ]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾
حين تستقيم الفطرة وتسلَم من اتِّباع الهوى تتمثَّل في صاحبها بخلق الأمانة، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، يقول القرطبي (والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال) (١)، كما يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]، (والأمانة والعهد: يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولًا وفعلًا، وهذا يعمُّ معاشرة الناس، والمواعيد، وغير ذلك، وغاية ذلك حفظه والقيام به) (٢).
وحين يعم التعامل بالأمانة يؤدي الذي اؤتُمِن أمانته، سواء اؤتمن على قنطار أو دينار؛ لأن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، ونهى عن خيانة الله والرسول وخيانة الأمانات، وجعل من صفات المُفلِحين أنهم يرعون عهودهم وأماناتهم، والنفوس البشرية بفطرتها تميل إلى الناصح الأمين، وتثق بالقوي الأمين، حتى غير المسلمين يؤثرون الأمين، فقد روي في قصة أهل نجران لما وافقوا على دفع الجزية أنهم قالوا: «إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال: لأبعثن معكم رجلًا أمينًا، حقَّ
_________________
(١) فتح القدير ٤/ ٣٠٨ نقلًا عن القرطبي.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٧٣.
[ ٥١٣ ]
أمين» (١)، وأرسل معهم أبا عبيدة.
إن من أغلى ما يرزقُه الله للعبد، ولا يحزن بعده على أي عَرَض من الدنيا، ما جاء في الحديث: «أربعٌ إذا كُنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، وعفة مطعم» (٢)، فالأمانة ركن من هذه الأركان الأخلاقية الأربعة، التي لا يعدلُها شيء في الدنيا، بل قد تكون سببًا في إقبال الدنيا على العبد، لما يجده الناس فيه.
والأمانة صفة مميزة لأصحاب الرسالات، فقد كان كل منهم يقول لقومه: ﴿إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٧، ١٢٥، ١٤٣، ١٦٢، ١٧٨].
وكانت تلك شهادة أعدائهم فيهم، كما جاء في حوار أبي سفيان وهرقل، حيث قال هرقل: (سألتُك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة، والصدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة - قال: - وهذه صفة نبي) (٣)، وفي موضع آخر في صحيح البخاري: (وسألتُك هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون) (٤).
ولئن كانت هذه صفة أصحاب الدعوات فإن أتباعهم كذلك متميزون، ولذلك اقتران تعريف المؤمن بسلوكه المميز، حيث قال - ﷺ -:
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب ٧٢ - الحديث ٤٣٨٠.
(٢) صحيح الجامع - الحديث ٨٧٣ (صحيح).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الشهادات - باب ٢٨ - الحديث ٢٦٨١.
(٤) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ١٠٢ - الحديث ٢٩٤١.
[ ٥١٤ ]
«والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» (١).
وإذا تمكَّنت صفة الأمانة من صاحبها تعامل بها مع القريب والبعيد، والمسلم، والكافر يقول ابن حجر: (الغدر حرام باتفاق، سواء كان في حق المسلم أو الذمي) (٢)، وكذلك حال المؤمن حتى مع مَن عُرف بالخيانة، واشتهر بالغدر كما في الحديث: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (٣)؛ وذلك لأن خطورة السقوط في الخيانة، وفساد الفطرة بنقض العهد، أشد من مجرد مقابلة الخائن بمثل فعله؛ ولأن السقوط مرة قد تستمرِئُه النِّفس، وتواصل في منحدر الخيانة.
وغدر الكبراء والوجهان وخيانة ذوي الهيئات أفحش وأقبح من انزلاقه العامة، لِمَا يترتَّب على زلة الأوَّلين من مفاسد كبرى.
ويُوضِّح القرطبي هذه المسألة في حديثه عن غدار الأمراء؛ حيث يقول: (قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش منه في غيره؛ لما في ذلك من المفسدة، فإنهم إذا غدروا وعُلم ذلك منهم، ولم ينبذوا بالعهد على سواء، لم يأمنهم العدو على عهد ولا صلح، فتشتد شوكته، ويعظم ضرره، ويكون ذلك مُنفِّرًا عن الدخول في الدين، وموجبًا لذم أئمة المسلمين، وقد اختلف العلماء
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي - كتاب الإيمان - باب ١٢ - الحديث ٢١١٨/ ٢٧٧٥ (حسن صحيح).
(٢) فتح الباري - من شرح الحديث ٣١٧٨ من باب ١٧ من كتاب الجزية.
(٣) صحيح سنن أبي داود - كتاب البيوع - باب ٤٥ - الحديث ٣٠١٩/ ٣٥٣٥ (حسن صحيح).
[ ٥١٥ ]
هل يُجاهد مع الإمام الغادر؟) (١).
وإذا كانت الخيانة من الوضيع مذمومة، فإنها من الوجيه أكثر قبحًا، وتصل الدناءة بالمرء حين تفسد فطرته إلى حال أهل النار؛ الذين عدَّ منهم رسول الله - ﷺ -: «والخائن الذي لا يخفى عليه طمع وإن دقَّ إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» (٢)، وكم تنفطِرُ قلوبنا حين نرى هذه الأوصاف في بعض المسلمين، فيُهرَعون لكل طمع يلوح، ويخونون في سبيله كل وعد مقدس، وكل عِرْض مَصُون.
لا يكفي عديم الأمانة ما يلقاه في الدنيا من مهانة وصغار، وإنما يجدها متمثلة له يوم القيامة عند الصراط؛ لتهوي به من فوق الصراط؛ إلى قعر جهنم؛ لقاء ما ضيّع منها، وفرّط فيها كما في الحديث: «وتُرسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبَتَي الصراط يمينًا وشمالًا» (٣)، وهنيئًا لن قام بحق الأمانة فجرى على الصراط غير هيَّاب ولا وَجِل، والحسرة والندامة - حيث لا تنفع حسرة ولا ندامة - على مَن تساهل فخان، وسقط فغدر؛ لشهوة عارضة، أو لحقد أعمى.
ومن الصور العملية للأمانة: أن تنصح مَن استشارك، وأن تصدق من وثق برأيك، فقد جاء في الحديث: «المستشار مؤتمن» (٤)، «ومَن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه» (٥)، وماذا يكون
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٣٣ عند تفسير الآية ٥٨ من سورة الأنفال.
(٢) مسند أحمد ٤/ ١٦٢. ورواه مسلم أيضًا.
(٣) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - الحديث ٣٢٩.
(٤) صحيح الجامع - الحديث ٦٧٠٠ (صحيح).
(٥) صحيح الجامع - الحديث ٦٠٦٨ (حسن).
[ ٥١٦ ]
قد بقي فيه من الخير مَن أشار على أخيه بما لا ينفعه، بل ربما بما يضره؟!
والمجاهد في أرض المعركة مأمورٌ بالأمانة، ومنهيٌّ عن الغدر والخيانة والغلول: «لا تغدروا ولا تغلُّوا ولا تمثلوا» (١)، والقاعد الذي يخلف المجاهد في أهله بخيرٍ قائمٌ بالأمانة، وإن قصر أو خان وقف له المجاهد يوم القيامة، يأخذ من حسناته ما شاء: «وما من رجلٍ من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟» (٢)؛ أي: هل تظنُّون أنه يُبقي له من حسناته شيئًا؟
ومن أخطر الأمانات شأنًا حفظ أسرار الناس، وستر عَوْراتهم، وكتمان أحاديث مجالسهم، فقد ورد في الحديث «المجالس بالأمانة» (٣)، وإن لم يوصِ المتحدِّث بكتمان حديثه الخاص إليك لم يكن لك أن تُشيِّعه إلا بإذنه وعلمه؛ لقوله - ﷺ -: «إذا حدَّث رجل رجلًا بحديث ثم التفت فهو أمانة» (٤)، وأقل ما في هذه الأمانة أن ينقله الناقل - حين ينقله - بنصِّه، ولا يُحمِّله ما ليس فيه بتدليس أو تحريف.
ومن الأمانة في العمل إتقانه، وكتمان أسراره، ولذلك ترجم البخاري في كتاب الأحكام (باب: يستحب للكاتب أن يكون أمينًا
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٣٠٠ وهو عند مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والموطأ.
(٢) مسند أحمد ٥/ ٣٥٢ وعند مسلم برقم ١٨٩٧ في كتاب الإمارة.
(٣) صحيح الجامع - الحديث ٦٦٧٨ (حسن).
(٤) صحيح الجامع - الحديث ٤٨٦ (حسن).
[ ٥١٧ ]
عاقلًا)، مشيرًا بذلك إلى قول أبي بكر لزيد بن ثابت - ﵄ - حين أراد أن يستعمله: (إنك رجل شابٌّ عاقل لا نتَّهِمك) (١).
ومن مخاطر الأزمان المتأخرة اضطراب الموازين، وفساد القيم، إلى الدرجة التي وصفها رسول الله - ﷺ - بقوله: «سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات؛ يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتَمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضة في أمر العامة، قيل وما الرُّوَيْبضة؟ قال: الرجل التافِهُ» (٢).
ومن خشي رسول الله - ﷺ - من انتشار الخيانة بعد قرون الخير فقال: «إن بعدكم قومًا يخونون ولا يُؤتَمَنون» (٣).
ومن ذلك الحين استمرَّ مسلسل السقوط، إلى أن أصبحنا نرى الأمر يوسَّد إلى غير أهله، ويُؤتَمن الخائن، ويُخوَّن الأمين، ويغدو الأمناء - حقًّا - ندرةً يُشار إليهم كما جاء في الحديث: « فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يُؤدِّي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا» (٤)، ومع نُدْرة هؤلاء الأمناء يُستَبعدن ويُولَّى غيرهم، ويكون ذلك سببًا في تضييع الأمانات - وهو من علامات الساعة - قال رسول الله - ﷺ -: «إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة»، «قال أبو هريرة: كيف إضاعتها يا رسول الله؟» «قال: إذا أُسنِد الأمر إلى غير أهله، فانتظر
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأحكام - باب ٣٧ - الحديث ٧١٩١.
(٢) صحيح سنن ابن ماجه - كتاب الفتن - باب ٢٤ - الحديث ٣٢٦١/ ٤٠٣٦ (صحيح).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الشهادات - بابا ٩ - الحديث ٢٦٥١.
(٤) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - بابا رفع الأمانة - الحديث ٦٤٩٧.
[ ٥١٨ ]
الساعة» (١)، وفي الفتح: (قال ابن بطَّال: معنى (أُسند الأمر إلى غير أهله): أن الأئمة قد ائتمَنهم الله على عباده، وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلَّدوا غير أهل الدين فقد ضيَّعوا الأمانة التي قلَّدهم الله تعالى إياها) (٢).
ومن اللَّمحات الفقهية لتبويب البخاري أنه استشهد بحديث «فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة» (٣)، في كتاب العلم، ويُعلِّل ابن حجر إيراده في كتاب العلم، فيقول: (ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل، ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط) (٤).
الوفاء بحقوق الأمانة من صفات المؤمنين، والإخلال بشيء خصلة من النفاق، ولذلك جاء في صفات المنافق أنه «إذا ائتمن خان» (٥)، وقال - ﷺ -: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دِين لمن لا عهد له» (٦).
صاحب خلق (الأمانة) حريصٌ على أداء واجبه، بعيد عن الغدر والمكر والخيانة، حافظ للعهود، وافٍ بالوعود.
ورسالة عظيمة مثل رسالتنا لا يصلُحُ لحملها والمُضِي بها إلا
_________________
(١) نفس المرجع السابق - الحديث ٦٤٩٦.
(٢) فتح الباري عند شرح بابا رفع الأمانة من كتاب الرقاق.
(٣) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب ٢ - الحديث ٥٩.
(٤) فتح الباري عند شرح باب من سئل علمًا وهو مشتغل .. من كتاب العلم.
(٥) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ٢٤ - الحديث ٣٤.
(٦) مسند أحمد ٣/ ١٥٤. صححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٧١٧٩.
[ ٥١٩ ]
الأمناء، فهل نرشح أنفسنا لذلك؟
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- تفسير القرطبي للأمانة بأنها تعم وظائف الدين.
- حتى الكافر يميل إلى الأمين.
- الأمانة صفة المؤمن.
- الأمانة لا يعدلها شيء في الدنيا.
- الأمانة صفة المرسلين.
- أعداء رسول الله - ﷺ - شهدوا له بالأمانة.
- أفحش الخيانة ما كان من الأمراء والكبراء.
- الأمانة تقتص من الخائن عند الصراط.
- من صور الأمانة:
- الأمانة في الشورى.
- الأمانة في الجهاد بعدم الغدر أو الغلول.
- أمانة القاعد في حفظ عرض المجاهد.
- الأمانة بحفظ أسرار المجالس.
- الأمانة بإتقان العمل.
- من علامات الساعة:
- تخوين الأمين وائتمان الخائن.
- وتوسيد الأمر إلى غير أهله.
- وندرة الأمناء.
- وتضييع الأمانة باستبعاد أهل الدين وبغلبة الجهل.
- لا يصلح لحمل الدعوة إلا الأمناء.
****
[ ٥٢٠ ]