الصبر والمصابرة
[ ٧٨ ]
﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾
المجاهد الذي ارتضى لنفسه طريق التضحية لن يستمر في هذا الطريق ما لم يتحلَّ بالصبر، وأية فئة اختارت طريق الابتلاء فلن تدوم رابطتها، ولن تتماسك بنيتها ما لم تتواصَ بالحق وتتواصَ بالصبر، والمؤمنون جميعًا مخاطبون بقول ربهم - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
عُرِّف الصبر الاختياري بتعريفات كثيرة نختار منها الأقوال التالية:
- قال الطبري: (الصبر: منع النفس محابها، وكفها عن هواها) (١).
- وقال إبراهيم الخواص: (الصبر: هو الثبات على الكتاب والسنة) (٢).
- ووصفه ابن الجوزي بأنه: (حبس النفس عن فعل ما تحبه، وإلزامها بفعل ما تكره في العاجل، مما لو فعله أو تركه لتأذى به في الآجل) (٣).
وأما الصبر على البلاء المقدور والمصائب النازلة التي ليس فيها للإنسان إرادة ولا اختيار، فكما قال ابن عطاء: (الصبر: الوقوف مع
_________________
(١) عن فتح الباري ٣/ ١٧٢ من شرح كتاب الجنائز - باب ٤٢ - الحديث ١٣٠٢.
(٢) شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ١٠٤.
(٣) عن فتح الباري ١١/ ٣٠٤ من شرح كتاب الرقاق - باب ٢٠.
[ ٧٩ ]
البلاء بحسن الأدب).
وقال أبو علي الدقاق: (حقيقة الصبر ألا يعترض على المقدور ..) (١).
والحياة صراع بين الحق والباطل، ويفوز في هذا الصراع الأطول نفسًا والأكثر احتمالًا: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾ [الفرقان: ٢٠].
ويتواصى أهل الباطل بالصبر على باطلهم: ﴿وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ﴾ [ص: ٦] ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ﴾ [الفرقان: ٤٢]، أفلا يقول أهل الحق للمبطلين: ﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا ﴾ [إبراهيم: ١٢] حتى تتحقق فيهم سنة الله بالنصر والتمكين: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾ [السجدة: ٢٤].
كثير من الناس يتعللون بأن طباعهم تغلبهم، وأنه ليس لديهم القدرة على التحمل والصبر، ولو جاهد أحدهم نفسه لكظم الغيظ، وعف عن الحرام، ووسع صدره، وقنع بما آتاه الله إياه، وتجلد على ما ابتلاه الله به؛ حتى يكتسب هذا الخلق، فقد قال - ﷺ -: «ومن يستعفِفْ يعفَّه الله، ومن يستغنِ يُغنِه الله، ومن يتصبر يصبِّره الله ..» (٢).
ويوضح هذا المعنى ابنُ حجر بقوله: (.. يصبره الله: أي فإنه يقويه ويمكنه من نفسه حتى تنقاد له، ويذعن لتحمل الشدة، فعند ذلك يكون الله معه فيظفره بمطلوبه) (٣).
_________________
(١) قول ابن عطاء، وقول الدقاق من شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ١٠٤.
(٢) صحيح البخاري كتاب الزكاة - باب ٥٠ - الحديث ١٤٦٩ (فتح الباري ٣/ ٣٣٥).
(٣) فتح الباري ١١/ ٣٠٤ - كتاب الرقاق - باب ٢٠ - من شرح الحديث ٦٤٧٠.
[ ٨٠ ]
والصبر المحمود ما كان بغير تسخط ولا جزع ولا يأس ولا شكوى، وفي هذا المعنى يقول - ﷺ -: «ليس من أحد يقع الطاعون؛ فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد» (١).
يقول ابن حجر: (صابرًا؛ أي: غير منزعج ولا قلق، بل مسلمًا لأمر الله راضيًا بقضائه) (٢)، وحين أمر رسول الله - ﷺ - بالصبر في بداية الدعوة أمر بالصبر الجميل ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥].
يقول القرطبي: (والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله) (٣).
والصبر المحمود ما كان فيه تمامُ التوكل على الله وكمال اليقين به، هذا اليقين الذي يجعل المجاهد مقبلًا غير مدبر، (قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن قتلتُ في سبيل الله يكفر عني خطاياي؟ قال رسول الله - ﷺ -: «نعم. إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ..» (٤) وهو الصبر المتجمل باليقين في ساعة المصيبة؛ بحيث لا يفقد صوابه ولا يهذي بلسانه.
وفي الحديث القدسي: «ابن آدم، إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى لم أرضَ لك ثوابًا دون الجنة» (٥).
قال الخطابي: (المعنى أن الصبر الذي يُحمَد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة،
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأنبياء - باب ٥٤ - الحديث ٣٤٧٤.
(٢) فتح الباري ١٠/ ١٩٣، من شرح كتاب الطب - باب ٣١ - الحديث ٥٧٣٤.
(٣) تفسير القرطبي ١٨/ ١٨٤.
(٤) صحيح سنن الترمذي للألباني - كتاب الإيمان - باب ٣٢ - الحديث (صحيح).
(٥) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الجنائز - باب ٥٥ - الحديث ١٥٩٧ (حسن).
[ ٨١ ]
بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو) (١).
إن الذين عاشوا حياة الصبر ذاقوا لذتها وقطفوا ثمرتها وتركت تلك المواقف الصابرة أثرها في حياتهم، قال عمر - ﵁ -: (وجدنا خير عيشنا بالصبر) (٢)، وقال - ﷺ -: «.. وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر» (٣).
وقد وصف رسول الله - ﷺ - الصبر بقوله: «والصبر ضياء» (٤).
يقول النووي: (والمراد أن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًّا على الصواب) (٥).
وقد تعجب رسول الله - ﷺ - من الخيرية التي تعم حياة الصابرين "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (٦). وقال تعالى: ﴿ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] وأهم ما في حياة الصبر من الخير أنها تميز الصف، وتكشف معادن الرجال ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
وقد يظن الناس أن الصبر ذلة لصاحبه مع أن رسول الله - ﷺ - يؤكد أنه «.. ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله - ﷿ -
_________________
(١) عن فتح الباري ٣/ ١٥٠ من شرح كتاب الجنائز - باب ٣١ - الحديث ١٢٨٣.
(٢) ذكره البخاري في ترجمة الباب ٢٠ من كتاب الرقاق.
(٣) صحيح البخاري - كتاب الزكاة - باب ٥٠ - الحديث ١٤٦٩.
(٤) صحيح مسلم - كتاب الطهارة - باب ١ - الحديث ١/ ٢٢٣ (شرح النووي ٢/ ١٠١).
(٥) شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٦) صحيح مسلم - الزهد والرقائق - باب ١٣ - الحديث ٦٤/ ٢٩٩٩ (شرح النووي ٩/ ٣٣٥).
[ ٨٢ ]
عزًّا» (١).
والثابت على الصبر الدائب في العمل يبشره رسول الله - ﷺ - بما بشر به ابن عباس: «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» (٢).
والمجتمع المسلم هو الذي يعم فيه التناصح بالصبر والتواصي به، فحين مر رسول الله - ﷺ - بامرأة وهي تبكي عند قبر قال لها: «اتقي الله واصبري» (٣)، وحين أرسلت إليه إحدى بناته تخبره أن ابنها قُبِض أرسل إليها بقوله: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب » (٤).
ولا يزول الخسران عن المجتمع البشري ما لم يكن من صفاتهم: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧].
ولأن طعم الصبر مرٌّ فلابد أن يتعهد الإنسان نفسه ويتزود بالصبر الجميل، ومما يعين المسلم على التصبر استحضار ما أعد الله للصابرين؛ من تكفير السيئات ورفع الدرجات وتكثير الحسنات؛ ففي قصة المرأة التي كانت تصرع أن رسول الله - ﷺ - خيَّرها: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوت الله أن يعافيك .. فقالت: أصبر ..» (٥).
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٣٠٢٤ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٧٩٥٧.
(٣) صحيح البخاري - كتاب الجنائز - باب ٣١ - الحديث ١٢٨٤ (فتح الباري ٣/ ١٤٨).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الجنائز - باب ٣٢ - الحديث ١٢٨٤ (فتح الباري ٣/ ١٥١).
(٥) صحيح البخاري - كتاب المرضى - باب ٦ - الحديث ٥٦٥٢ (فتح الباري ١٠/ ١١٤).
[ ٨٣ ]
وجاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو بن العاص يشكون إليه حاجتهم للنفقة والدابة والمتاع فخيَّرهم: (إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما يسر الله لكم، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان، وإن شئتم صبرتم فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا» قالوا: (فإنا نصبر لا نسأل شيئًا) (١).
ويعين المرء على الصبر والثبات تذكُّر سير الصالحين والتأسِّي بهم، فحين ذُكر لرسول الله - ﷺ - أن رجلًا قدح في قسمة رسول الله - ﷺ - قال: «يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (٢)، وقد وجَّهه القرآن إلى هذا المعنى ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
ويهون على النفس استقبال البلاء وتلقِّي المحن، حين تعلم أن البلاء والصبر على قدر صلابة الدين وقوته، سُئل رسول الله - ﷺ -: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى العبد على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة» (٣).
وفي حديث آخر: «لقد كان أحدهم
_________________
(١) صحيح مسلم - أول كتاب الزهد - الحديث ٣٧/ ٢٩٧٩. وانظر (شرح النووي ٩/ ٣٢٠ - ٣٢١).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الأنبياء - باب ٢٨ - الحديث ٣٤٠٥ (فتح الباري ٦/ ٤٣٦).
(٣) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الفتن - باب ٢٣ - الحديث ٣٢٤٩ (حسن صحيح).
[ ٨٤ ]
يُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها فيلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله. ولأحدهم كان أشد فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء» (١).
وحين يعلم الصابر ما يُزِيحه الصبر عن كاهله من الذنب؛ يكون أكثر طمعًا في رحمة الله، وأكثر رضًا بقدر الله، فبعض الناس ليس لهم أعمال صالحة يداومون عليها ترفع درجاتهم، يصلون إلى المراتب العليا بالصبر: «إن الرجل ليكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها» (٢) وهؤلاء يغبطهم أهل نعيم الدنيا على ما هم فيه «ليودُّن أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم قُرِضت بالمقاريض مما يرون من ثواب أهل البلاء» (٣) هذا عدا معية الله للصابرين ﴿ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وعدا وفاء الله بوعده لعباده الصابرين ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠، غافر: ٥٥، ٧٧].
وكم يهون عليك الصبر حين تتفكر في جرأة العباد على ربهم، ثم في كرم الله معهم: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى: إنهم يجعلون له ندًّا، ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم» (٤).
كما يهون علينا الصبر حين نتذكر أن أعداءنا يألَمون كما نألَم، يقول سيد قطب - ﵀ -:
(وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشد إصرارًا
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٩٩٥ (صحيح).
(٢) صحيح الجامع برقم ١٦٢٥ (حسن).
(٣) صحيح الجامع برقم ٥٤٨٤ (حسن).
(٤) صحيح مسلم - كتاب المنافقين - باب ٩ - الحديث ٥٠/ ٢٨٠٤ (شرح النووي ٩/ ١٥٢).
[ ٨٥ ]
وأعظم صبرًا على المضي في الطريق) (١)، من أجل ذلك كله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
ومن صور الصبر التي يمتحن الله بها عباده: الابتلاء في الصحة، كما جاء في الحديث القدسي: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتَيْه فصبر، عوَّضته منهما الجنة» (٢)، كما قد يبتلي المرء بمحيط يحسده، ويعد عليه أنفاسه، ويستأثر عليه بكل خير، وهذا متوقع من الضعف البشري، خاصة إذا انفتحت الدنيا على الناس وتنافسوا فيها، لذلك قال رسول الله - ﷺ -: «إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا ..» قال أنس: (فلم نصبر) (٣).
ومن أعظم صور الصبر ما يكون في مواقف النزال والمواجهة والصراع، لذلك قال - ﷺ -: «لا تمنَّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا ..» (٤)، وكان رسول الله - ﷺ - يأخذ عليهم العهد بألا يفروا، وذلك بأن يبايعهم على الصبر (٥).
_________________
(١) في ظلال القرآن ١/ ٥٤٦. في ظلال الآية الأخيرة من سورة آل عمران.
(٢) صحيح البخاري - كتاب المرضى - باب ٧ - الحديث ٥٦٥٣ (فتح الباري ١٠/ ١١٦).
(٣) صحيح البخاري - كتاب فرض الخمس - باب ١٩ - الحديث ٣١٤٧ (فتح الباري ٦/ ٢٥١).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ٣٢ - الحديث ٣٠٢٥ (فتح الباري ٦/ ١٥٦).
(٥) حديث البيعة على الصبر في صحيح البخاري - الجهاد - باب ١١٠ - الحديث ٢٩٥٨.
[ ٨٦ ]
وقد ضرب لنا القرآن مثلًا عمليًّا في الصبر على طلب العلم؛ حيث اشترط العبد الصالحُ على موسى ﵇ الصبرَ من البداية، وظن موسى أنه يستطيع أن يصبر: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ ﴾ [الكهف: ٦٩]، وفي كل مرة يُذكِّره العبد الصالح ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥]، حتى فارقه بعد ثلاث مرات من تذكيره إياه، وقد جاء في الحديث: «.. ولو صبر لرأى العجب» (١)، فالعلم لا يفتح كنوزه إلا للصابرين المثابرين.
والصبر ضروري في تربية الأولاد، وخاصة إن كن بنات، وبالصبر على التربية ينفتح للمربي باب من الأجر أو يكتب له ستر من النار كما في الحديث: «مَن كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جِدَتِه كن له حجابًا من النار يوم القيامة» (٢).
وقال تعالى: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
ولأن المؤمن إلف مألوف فلا بد أن يتزود بالصبر على أخطاء الناس؛ ليتمكن من مخالطتهم، ومن إصلاح أحوالهم، وفي ذلك قال - ﷺ -: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٣)، ومن الثلاثة
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب ٤٦ - الحديث ١٧٢/ ٢٣٨٠ (شرح النووي ٨/ ١٥٣).
(٢) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الأدب - باب ٣ - الحديث ٢٩٥٩ (صحيح).
(٣) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الفتن - باب ٢٣ - الحديث ٣٢٥٧ (صحيح).
[ ٨٧ ]
الذين يحبهم الله «الرجل يكون له الجار يؤذيه جواره فيصبر على أذاه؛ حتى يفرق بينهما موت أو ظعن » (١).
والمجاهد الذي يسعى لاستئناف الحياة الإسلامية وإقامة المجتمع الإسلامي لا بدَّ له من الصبر على طول الطريق، وضعف الإخوة، وعناء المجاهدة، وعنت البلاء، بالإضافة إلى صبره على مدافعة الظلم والظالمين، وعندئذٍ يتذوق معاني الإيمان «أفضل الإيمان الصبر والسماحة» (٢).
(والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة؛ الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب، والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصوُّرهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الشهوة، وتصعير الغرور والخيلاء! والصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووسوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق! والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة من الألم والغيظ، والحنق والضيق، وضعف الثقة أحيانًا في الخير، وقلة الرجاء أحيانًا في الفطرة البشرية؛ والملل والسأم واليأس أحيانًا والقنوط! والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة، واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ١٥١، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٣٠٧٤.
(٢) صحيح الجامع برقم ١٠٩٧ (صحيح).
[ ٨٨ ]
الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلا الاعتداء!) (١).
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- لا يستمر جهاد بلا صبر.
- أهل الباطل يصبرون على باطلهم، وأهل الحق أولى.
- الصبر يُكتسب بالتصبر.
- عاقبة الصبر خير.
- الصبر المحمود ليس فيه سخط ولا جزع ولا شكوى.
- الصبر المحمود بتمام التوكل وكمال اليقين.
- الصبر هو العز، وفي الثبات عليه يكون الفرج.
- يعين على الصبر الجميل.
- استحضار ما أعد الله للصابرين من الأجر.
- التأسي بسير الصابرين.
- تذكر أن البلاء على قدر صلابة الدين.
- استحضار ما يمحوه الصبر من الذنوب.
- تذكر صبر الله على عباده.
- من صور الصبر:
- الصبر على المرض وبلاء البدن.
- الصبر في مواقف النزال.
- الصبر في طلب العلم.
- الصبر في تربية الأبناء.
- الصبر على أخطاء الناس.
- الصبر على طول الطريق وعناء المجاهدة.
_________________
(١) في ظلال القرآن ١/ ٥٤٥ - ٥٤٦.
[ ٨٩ ]