التيسير
[ ١٣٨ ]
«يسروا ولا تعسروا».
بما أن الداعية لا بدَّ أن يختلط بالناس، فلابد أن يصبر على أذاهم، وأن يجنبهم أذاه، فلا يعسر عليهم حيث يمكن التيسير، ولا يشق عليهم حيث يمكن التخفيف.
خلق التيسير يعني: قابلية الشخص للتنازل والأخذ بالأيسر، طالمًا أن التيسير ممكن ولا حرج منه شرعًا، وإن الأمة التي تعد أبناءها ليكونوا مجاهدين، تعدهم أيضًا ليكونوا ميسرين، لا يتعنتون في طريقهم إلى الجهاد بما يفسد عليهم قلوبهم، أو يعكر صفو علاقاتهم، ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: «الغزو غزوانِ: فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، ويَاسَر الشريك، واجتَنَب الفساد، فإن نومه ونُبْهَه أجر كله، وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعةً، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف» (١).
يقول الخطابي في شرح الحديث: (ياسر الشريك: معناه الأخذ باليسر في الأمر، والسهولة فيه مع الشريك والصاحب والمعاونة لهما) (٢)، فالمياسرة إحدى الأخلاق التي تجعل كل الأعمال المباحة للمجاهد مأجورة. ولفظ المياسرة يوحي بأن قابلية التيسير قائمة في كلا الطرفين المتصاحبين.
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ٢٣٤، وفي صحيح سنن أبي داود - كتاب الجهاد - باب ٢٥ - الحديث ٢١٩٥/ ٢٥١٥ (حسن).
(٢) معالم السنن للخطابي ٣/ ٣٠.
[ ١٣٩ ]
ولِمَا لشخصية الداعية الميسِّر من كبير الأثر في المدعوين، فقد حمل رسول الله - ﷺ - هذه الوصية للصحابيين - أبي موسى ومعاذ بن جبل ﵄ - قبل إرسالهما إلى اليمن: «بشِّرا ويسِّرا وعلِّما ولا تُنفِّرا - وأراه قال - وتطاوعا» (١).
وفي ترجمة باب عند البخاري أن النبي - ﷺ - (كان يحب التخفيف والتسري على الناس) (٢).
ولم يكن صلوات الله وسلامه عليه يقبل من أصحابه أي نوع من الغلظة والجفاء والإحراج، وإنما يقول لهم كما جاء في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فثاروا عليه، وكادوا يعقون به: (دعوه، وأهريقوا على بوله ذَنُوبًا من ماء؛ فإنما بعثتُم ميسِّرين، ولم تبعثوا معسِّرين) (٣)، والرسول - ﷺ - كان أكبر مثلٍ في التعامل باليسر وعدم الأخذ بالشدة، وهذا ما وصفته به السيدة عائشة ﵂ بقولها: (ما خُيِّر رسول الله - ﷺ - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما؛ ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه ..) (٤) وقال عن نفسه صلوات الله وسلامه عليه: «.. إن الله لم يبعثني مُعنِّتًا ولا مُتعنِّتًا ولكن بعثني معلمًا ميسرًا» (٥).
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الأشرية - باب ٧ - الحديث ٧٠ (شرح النووي ٧/ ١٨١).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الأدب - من ترجمة الباب ٨٠ - (فتح الباري ١٠/ ٥٢٤).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٨٠ الحديث ٦١٢٨ (فتح الباري ١٠/ ٥٢٥).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٨٠ - الحديث ٦١٢٦ (فتح الباري ١٠/ ٥٢٤ - ٥٢٥).
(٥) صحيح مسلم - كتاب الطلاق - باب ٤ - الحديث ٢٩/ ١٤٧٨.
[ ١٤٠ ]
ولقد كان رسول الله - ﷺ - وهو في صلاته يحسب حساب من يأتمون به؛ ألا يشق عليهم، وإذا توقع الحرج ولو لواحدٍ ممن خلفه اختصر تيسيرًا ورفعا للحرج، ومن ذلك قوله: «إني لأقومُ إلى الصلاة وأنا أريد أن أطولَ فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوَّز كراهيةَ أن أشقَّ على أمه» (١)، وكان - ﷺ - يغضب ممن يطيل بالناس في الصلاة، ويعتبرهم منفرين، أو فتانين .. وذلك ليتشرَّبوا منه خُلق التيسير، وهو من أهم ما يتحلى به الداعية المسلم.
وقدوتنا برسول الله - ﷺ - تقتضي منا أن نختار الأيسر للناس، ونقبل به، وإن كان فيه تنازل عن حق من حقوقنا، فتلك المياسرة في الدنيا طريق لتحصيل التيسير والمغفرة من الله في الآخرة، كما في الحديث: «يُؤتَى برجل يوم القيامة فيقول الله: انظروا في عمله، فيقول: رب ما كنت أعمل خيرًا، غير أنه كان لي مال، وكنت أخالط الناس؛ فمن كان موسرًا يسرت عليه، ومن كان معسرًا أنظرته إلى ميسرة، قال الله ﷿: أنا أحق مَن يسَّر فغفر له ..» (٢)، لم يعمل من الخير إلا أنه كان مياسرًا للناس، مخففًا عليهم، سمحًا معهم، فنال بذلك المغفرة، والتيسير حبيب إلى الله، حبيب إلى خلق الله.
وقد ورد في شمائله - ﷺ - أنه: «كان يحب ما خف على الناس» (٣)، «إن كان رسول الله - ﷺ - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود - كتاب الصلاة - باب ١٢٧ - الحديث ٧٠٨/ ٧٨٩ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ٥/ ٤٠٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٢٠٧٩، والقصة مروية في الصحيحين.
(٣) مسند أحمد ٦/ ١٦١، ورواه الترمذي والبيهقي وحسنه البخاري (انظر بلوغ الأماني ١٥/ ٢٣).
[ ١٤١ ]
به؛ خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم» (١).
ويقول البخاري: (.. وكانت الأئمة بعد النبي - ﷺ - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداءً بالنبي - ﷺ - (٢).
ومن التزم التيسير على الناس، ورفع الحرج عنهم، فقد تكفل الله له بالوقاية من النار، وبغفران الذنوب، كما في قوله - ﷺ -: «حُرِّم على النار كلُّ هيِّن ليِّن سهل قريب من الناس» (٣)، و«غفر الله لرجل كان من قبلكم سهلًا إذا باع، سهلًا إذا اشترى، سهلًا إذا قضى، سهلًا إذا اقتضى» (٤).
سر هذه المغفرة أن السهولة واليسر طبعت تصرفاته كلها، وطبيعة هذا الدين التيسير، ومن قواعده الشرعية رفع الحرج، فما كان أيسر كان أرضى لله، يقول الإمام الشعبي: (إذا اختلف عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق)؛ لقوله تعالى: ﴿.. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٥)، ولأن ديننا قائم على رفع العنت: «إن الدين يسر» (٦).
ومن يُسر الداعية مع الناس أن يأمرهم بما يُطيقون، مثلما كان حال النبي - ﷺ -، ومن يُسر المفتي مع الناس ألا يقصد إيقاعهم فيما يشق عليهم من خلال التنقيب والمساءلة، وفي ذلك يقول ابن العربي
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب التهجد - باب ٥ - الحديث ١١٢٨ (فتح الباري ٣/ ١٠).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الاعتصام - من ترجمة الباب ٢٨ (فتح الباري ١٣/ ٣٣٩).
(٣) مسند أحمد ١/ ٤١٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٣١٣٥.
(٤) مسند أحمد ٣/ ٣٤٠، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٤١٦٥.
(٥) عن محاسن التأويل للقاسمي ٣/ ٤٢٧.
(٦) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ٢٩ - الحديث ٣٩ (فتح الباري ١/ ٩٣).
[ ١٤٢ ]
في أحكام القرآن: (إذا جاء السائل عن مسألة فوجدتم له مخلصًا فيها فلا تسألوه عن شيء، وإن لم تجدوا له مخلصًا فحينئذٍ اسألوه عن تصرف أحواله وأقواله ونيته عسى أن يكون له مخلص) (١).
وقد وصف ابن مسعود - ﵁ - جيلَ الصحابة بأنهم تميزوا بالبعد عن التكلف، والعمل بما تيسر (.. أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا) (٢).
والتيسير خير، وثمارُه بركة، ولذلك أخبر النبي - ﷺ - أن الخيرية والبركة في المرأة التي اتصفت بـ تيسير خطبتها وتيسير صداقها» (٣)، وفي رواية: «خير النكاح أيسره» (٤)، لكي يميل الناس إلى البساطة، وعدم المبالغة في المهور والأفراح؛ بما يُرهِق الراغبين في العفَّة، ويسد أبواب التحصين، ويفتح أبواب الانحراف.
وبعض الناس قد يشق على نفسه بالأخذ بالعزيمة؛ حيث تُباح له الرخصة، وبالمبالغة في نوافل الطاعات، ثم قد ينفرط حبله، وتملُّ نفسه، وتفتر همَّته، ولا يدوم على عمله هذا، ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: «إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة، وخير دينكم اليسرة» (٥)، وفي
_________________
(١) أحكام القرآن للقرطبي ٤/ ١٦٣.
(٢) إغاثة اللهفان ١/ ١٥٩.
(٣) مسند أحمد ٦/ ٧٧ وطرفه: "إن من يمن المرأة .. "، وحسنه الألباني في صحيح الجامع /٢٢٣٥.
(٤) صحيح سنن أبي داود - كتاب النكاح - باب ٣٢ - الحديث ١٨٥٩/ ٢١١٧ (صحيح).
(٥) عن فتح الباري ١/ ٩٤ وبعضه عند أحمد ٤/ ٣٣٧ وحسنه الألباني في صحيح الجامع /٢٣١١.
[ ١٤٣ ]
رواية: «إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره» (١)، فليس خير الدين ما كان فيه التنطع أو الغلو أو التعنيت، وإنما هو اليسر والسهولة والسماحة.
ومن الصور العملية التي تبين أثر تربية رسول الله - ﷺ - لصحابته على خلق التيسير: أن ابن عباس - ﵁ - حين رأى المطر متواصلًا وغزيرًا يوم الجمعة، خشي على الناس التخبط في الطين، أو الانزلاق بسببه، فقال للمؤذن أن يقول بدلًا من (حي على الصلاة): (صلُّوا في بيتوكم)، فكأن الناس استنكروا ذلك، واعترضوا عليه، فقال ابن عباس: (فعله مَن هو خير مني، إن الجمعة عَزْمةٌ، وإني كرهتُ أن أحرِّجكم في الطين والدَّحض) (٢)، وهذا شأن العلم والعلماء، ولا تجد التشديد - غالبًا - إلا مع الجهل والجهال.
ولذلك قال مَعْمَر وسفيان الثوري: (إنما العلم أن تسمع بالرخصة من ثقة، فأمَّا التشديد فيحسنه كل أحد) (٣).
والقصد إلى التشديد ليس من شأن النفوس السوية، ولا يكون من مطالب الشرع ولا من مقاصده، ولذلك يقول الشاطبي: (المشقة: ليس للمكلف أن يقصدها .. وله أن يقصد العمل الذي يعظُم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل .. فإذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة فقد خالف قصد الشارع، من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ٤٧٩، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (انظر بلوغ الأماني ١٩/ ١٥).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الجمعة - باب ١٤ - الحديث ٩٠١ (فتح الباري ٢/ ٣٨٤).
(٣) جامع بيان العلم وفضله ص ٢٨٥.
[ ١٤٤ ]
نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل ..) (١)، ونفس المعنى عبر عنه - بصورة أخرى - العز بن عبد السلام فقال: (لا يصح التقرب بالمشاق؛ لأن القُرب كلها تعظيم للرب ﷾، وليس عين المشاق تعظيمًا ولا توقيرًا) (٢).
وبذلك نرى أن اختلاق القيود للناس، وافتعال العُقد، وإلزام الآخرين بالعزائم، والإثقال بالمواعظ، والإكثار من التكاليف .. فيه مجانبة لطبيعة الحنيفية السمحة، ومناقضة لما دعا إليه ديننا من التيسير، ومخالفة لما تميَّزت به الشريعة الإسلامية من رفع الحرج (٣)، وإنه لمن عوامل نجاح الداعية أن يجنح إلى التيسير فيما يأخذ به الناس، ثم ليأخذ نفسه بما يطيق أن يداوم عليه.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- التيسير: تنازل إلى ما هو أيسر على الناس، فيما يرضي الله.
- من صور التيسير:
- مياسرة الشريك في الجهاد.
- التيسير على المدعوين.
- التيسير على الجاهل حتى يتعلم.
_________________
(١) الموافقات ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) قواعد الأحكام ١/ ٢٦.
(٣) من البحوث النافعة في هذا الموضوع كتاب (رفع الحرج في الشريعة الإسلامية - ضوابطه وتطبيقاته) للدكتور (صالح بن عبد الله بن حميد) من جامعة أم القرى - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية. وقد استفدنا من هذا البحث كثيرًا في إعداد خُلق التيسير، فجزى الله مؤلفه خيرًا.
[ ١٤٥ ]
- التيسير على المؤتم بعدم التطويل.
- التنازل عن حق شخصي للتيسير.
- الله يحب التيسير، ورسوله كذلك، والخلفاء من بعده.
- التيسير وقاية من النار، وغفران للذنوب.
- التيسير أقرب إلى الحق؛ لأن الله يريده.
- من تيسير الداعية يسره في الفتوى، وتكليف الناس بما يطيقون.
- من بركة المرأة يسر نكاحها وصداقها.
- التيسير وقاية من الغلو (وخير دينكم اليسرة).
- تجد التعسير حيث وجد الجهل.
- تعمّد المشقة خلاف قصد الشرع؛ فلا يصح التقرب بالمشاق.
- تميزت الشريعة برفع الحرج فلماذا نميل إلى التعنت.
[ ١٤٦ ]