التعاون
[ ٢١٢ ]
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
الأصل في مجتمع المسلمين أنه مجتمعُ تعاونٍ وتكاتف وتعاضد، ولكن باتجاه الخير والبر والتقوى، وبعيدًا عن الشر والإثم والعدوان.
وطالما يعيش الإنسان في المجتمعات البشرية، فإنه مدفوع لا محالة إلى صور من التعاون تعبر عن ولائه لأبناء مجتمعه، ومحتاج لا محالة إلى صور من التعاون تعبر عن ضعفه وعجزه، وعدم استغنائه بنفسه عن معونة من يعيشون حوله.
من الصدقات التي يزكي بها المسلم يومَه ويتصدَّق بها على نفسه أنه «يعين ذا الحاجة الملهوف» (١)، «ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه» (٢)، وإذا ما وجدت عظمًا في طريق الناس كان «رفعك العظم عن الطريق صدقة، وهدايتك الطريق صدقة، وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة، وبيانك عن الأرتم صدقة» (٣).إن مجتمعًا يفشو فيه التعاون لا يضيع فيه أحد ولا يشتكي مخلوق، لأن كل واحد منهم عندئذٍ مقضي الحاجة، مُعانٌ على
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الزكاة - باب ٣٠ - الحديث ١٤٤٥ (الفتح ٣/ ٣٠٧).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ١٢٨ - الحديث ٢٩٨٩ (الفتح ٦/ ١٣٢).
(٣) مسند أحمد ٥/ ١٥٤.
[ ٢١٣ ]
الشدة، ويكون فيه «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (١).
قال ابن بطال: «المعاونة في أمور الآخرة، وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها» (٢).
وإن الذي يمنع عونه عن إخوانه قد يتخلى الله عنه حيث يحتاج إلى العون، ولذلك فقد جاء في الحديث أن من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: «.. ورجل منع فضل مائِه، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» (٣).
وإن من رحمة الله بمَن يتولَّى أمرًا من أمور المسلمين أن يرزقه الله مَن يُعِينه على أمره ويساعده على القيام بواجبه وهو واجب من واجبات البطانة ندر من يقوم به في هذا الزمان. وقد جاء في الحديث قوله - ﷺ -: «إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق؛ إن نسي ذكَّره، وإن ذكَّر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء؛ إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يُعِنه» (٤).
إن مجرد دخول الإنسان في دائرة الإسلام يجعله مصونًا محفوظًا محمي الذمار مُقال العثرة.
يذكر بلال - ﵁ - عن نفقة رسول الله - ﷺ - كيف كانت، فكان فيما قاله: (.. وكان إذا أتاه الإنسان مسلمًا فرآه عاريًا؛ يأمرني فأنطلق فأستقرض، فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه ..) (٥).
ويدور الزمان ليغدو المسلم حربًا على أخيه ذي الشيبة
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٣٦ - الحديث ٦٠٢٦.
(٢) فتح الباري ١٠/ ٤٥٠.
(٣) صحيح البخاري - كتاب المساقاة - باب ١٠ - الحديث ٢٣٦٩ (الفتح ٥/ ٤٣).
(٤) صحيح سننن أبي داود - كتاب الإمارة - باب ٤ - الحديث ٢٥٤٤/ ٢٩٣٢ (صحيح).
(٥) صحيح سنن أبي داود - كتاب الإمارة - باب ٣٥ - الحديث ٢٦٢٨/ ٣٠٥٥ (صحيح الإسناد).
[ ٢١٤ ]
في الإسلام، وبدلًا من أن يسد خلته، ويرد فاقته، يحاربه في رزقه ويكون عونًا للشيطان عليه! فهل هكذا يكون البنيان الذي يشد بعضه بعضًا؟!
إن من فوائد التعاون رفع الظلم عمن أريد به الشر، وقد جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال له: «الرجل يأتيني فيريد مالي؟ - يعني ماذا أفعل معه - قال: ذكَّره بالله، ولأن الرجل يعلم أن بعض النفوس لا يكفيها مجرد التذكير بالله قال: فإن لم يذكر؟ قال: فاستعِن عليه مَن حولك من المسلمين، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: فاستعن عليه بالسلطان، قال: فإن نأى السلطان عني؟ قال: قاتِلْ دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك» (١).
فالأصل أن يحال دون وقوع الظلم على الضعيف بعون المسلمين له من حوله وبعون السلطان والقضاء له لكيلا يضطر للمقاتلة بنفسه؛ حيث لا يجد معينًا، وإذا تُرك الناس ولم يُعانوا كثرت الخصومات وعظمت الثارات؛ لأنه لم يعُدِ المؤمن للمؤمن كالبنيان.
وإذا كان الله - ﷿ - يتعهَّد ويتكفَّل بعون أصناف من عباده أفلا نتشرف بأن نكون سببًا لهذا العون وستارًا لقدر الله في قضاء حوائج الناس؟ ومن ذلك ما جاء في الحديث: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» (٢)، وكلها عون على حق بشري أن يعيش المرء
_________________
(١) صحيح سنن النسائي - كتاب تحريم الدم - باب ٢١ - الحديث ٣٨٠٣ (حسن صحيح).
(٢) صحيح سنن الترمذي - كتاب فضائل الجهاد - باب ٢٠ - الحديث ١٣٥٢/ ١٧٢٢ (حسن).
[ ٢١٥ ]
حرًّا، فيُعان المجاهد على التحرر من طغيان الطغاة والبغاة، كما يعان المكاتب على التحرر من ذل الرق، ويعان الشاب على التحرر من رق الشهوة، ويُحصَّن المسلم من كل صور الاستعباد والذل بتقديم العون له.
وفي التعامل مع الخدم والرقيق وجه رسول الله - ﷺ - إلى معاونة أحدهم على ما يقوم به من أمر الخدمة: «إخوانكم فأحسِنوا إليهم أو فأصلحوا إليهم، واستعينوهم على ما غلبكم، وأعينوهم على ما غلبهم» (١).
وفي قصة تحرر سلمان برزت أسمى صور التعاون؛ حيث وجَّه رسول الله - ﷺ - سلمان للمكاتبة وقال للصحابة: «أعينوا أخاكم»، وكان سيده قد طلب منه ثلاثمائة نخلة يزرعها ومالًا يؤديه ليحرره، فتطوع كل منهم بثلاثين نخلة وبخمس عشرة نخلة وبعشر حتى سدَّدوا عنه ثلاثمائة نخلة، وأعانه الصحابة في الحفر لها، وأعانه رسول الله - ﷺ - في زراعتها، ولما أُتي رسول الله - ﷺ - بمثل بيضة الدجاجة من ذهب في بعض المغازي دعا سلمان وقال له: «خذ هذه فأدِّ بها ما عليك ..» (٢)، وبذلك أعتق سلمان - ﵁ -.
وكل ما يخطر على البال من صور التعاون بين المؤمنين يعمُّه قول رسول الله - ﷺ -: «مَن نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن يسَّر على مُعسِر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة،
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ٥٨.
(٢) مسند أحمد ٥/ ٤٤٣.
[ ٢١٦ ]
والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» (١).
ولقد كانت النسوة تقدم خدماتها في ميادين الجهاد، ومن ذلك موقف نساء من بني غِفارٍ، أردن الخروج مع رسول الله - ﷺ - إلى خيبر فقلن له: «يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا، فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال: على بركة الله» (٢)، فإذا كان هذا شأن النساء في التعاون فهل يحجم الرجال؟!
وأصحاب الأهداف العظيمة لا يصلون إلى أهدافهم بالجهود المتضادة المتنافرة، ولنا في ذي القرنين أسوةٌ حين قال لقومه: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥]، فنتعاون بقوة للخير وعلى الخير، ولنخرج من دائرة الأنانية والاهتمامات الفردية، ولنعش مشاعر الأمة ذات الجسد الواحد.
خلاصة هذا الفصل وعناصر:
• الإنسان لا يستغنى عن التعاون مع أفراد مجتمعه.
• كثير من صدقات المرء على نفسه إنما هي من صور التعاون.
• من أبرك صور التعاون، التعاون مع الأمير الصالح.
• حديثُ الدخول في الإسلام تقدم إليه خدمات تعاونية.
• من أعظم التعاون:
- التعاون في دفع الظلم.
- في تجهيز الغازي.
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود - كتاب الأدب - باب ٦٨ - الحديث ٤١٣٧/ ٤٩٤٦ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ٦/ ٣٨٠.
[ ٢١٧ ]
- في تزويج العزّاب.
- في معاونة الخدم.
- في تحرير الرقيق.
• أثر التعاون في الدنيا يلاقيه صاحبه في الآخرة تنفيسًا وتيسيرًا.
• المجتمع المتعاون يشترك جميع أفراده.
* * *
[ ٢١٨ ]