الثبات
[ ٣٠٨ ]
«يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (*)
كثيرًا ما نجد شبابًا يحنُّون إلى البدايات التي كانوا يتفجَّرون فيها حيوية، ويتدفقون حماسًا، ويبالغون في الحرص على دقائق السنن، ناهيك عن البعد عن دائرة الحرام والشبهات، ثم ماذا؟ كلَّت النفوس، وفترت الهمم، واكتفى كل شاب بأن يكون واحدًا من عامة المسلمين. وهذا أحسن حالًا ممن انقلبوا على أعقابهم فغَدوا يعادون الدعوة ويسخرون من أهلها ويحذرون من سبيلها، إنها معركة تقرير المصير بين الارتداد على الأعقاب والثبات.
نعني بالثبات الاستمرار في طريق الهداية، والالتزام بمقتضيات هذا الطريق، والمدوامة على الخير، والسعي الدائم للاستزادة، ومهما فتر المرء، فهنالك مستوى معين لا يقبل التنازل عنه أو التقصير فيه، وإن زلت قدمه فلا يلبث أن يتوب، وربما كان بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها، ذلك هو حال المتصف بخلق الثبات.
وللثبات صور تشمل عددا من جوانب حياة المسلم منها الثبات في المعركة كما ثبت الربيون الكثير مع أنبيائهم، وكان قولهم ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ [آل عمران: ١٤٧] والفئة الصابرة بإمرة طالوت الذين قال الله فيهم ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ [البقرة: ٢٥٠] وفي ذلك توجيه للمؤمن أن يلتجئ
_________________
(١) (*) صحيح الجامع - الحديث ٧٩٨٧ (صحيح).
[ ٣٠٩ ]
إلى الله طالبًا منه التثبيت.
وخُوطِب أبناءُ هذه الأمة بأمر الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ﴾ [الأنفال: ٤٥].
ومن الكبائر في ديننا الفرار من الزحف؛ ولذلك كان من الوصايا العشر التي أوصى بها رسول الله - ﷺ - معاذ بن جبل: «وإيَّاك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس مُوتانٌ وأنت فيهم فاثبُتْ» (١)؛ لأن الثبات يزيد المؤمنين قوة، ويوقع في نفوس العدو رهبة، وتزعزعُ المواقف يخذل الصديق ويُشمِّت العدو، وقد كان رسول الله - ﷺ - يعمق هذا المعنى يوم الأحزاب وهو ينقل التراب وقد وارى التراب بطنه وهو يقول: (لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا، فأنزل السكينة علينا، وثبِّت الأقدام إن لاقينا، إن الأُلَى قد بغَوْا علينا إذا أرادوا فتنة أبَيْنا) (٢).
ولأن مسألة الثبات على الدين قضية تشغل فكر المسلم فإنه يكثر من الدعاء بها، فقد كان رسول الله - ﷺ - يكثر من قول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (٣)، وقد كان رسول الله - ﷺ - يخشى على نفسه في مواجهة الجاهلية أن يداهن أو يلين، ولذلك خاطبه ربنا ﷿ بفضله عليه بأن أخلص ولاءه لله ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ٢٣٨ وطرفه (أوصاني رسول الله - ﷺ - بعشر كلمات قال: لا تشرك بالله شيئًا ..).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ٣٤ الحديث ٢٨٣٧ (الفتح ٦/ ٤٦).
(٣) مسند أحمد ٣/ ١١٢.
[ ٣١٠ ]
الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥]، فليحذر الدعاة وهم يواجهون الطغاة من زلزلة الأقدام وزعزعة الولاء.
وقد حذَّر حذيفة العلماء العباد لأنهم قدوة: (يا معشر القراء استقيموا، فإن أخذتُم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا) (١)، ولو أن ضلال المتذبذب يمينًا وشمالًا يقتصر عليه لهان الأمر، ولكن يفتن بضلاله آخرون.
وقد كان من وسائل أهل الكتاب في زعزعة صفوف المسلمين أن يتظاهروا بالدخول في الإسلام، ثم يرتدون ليرتد معهم آخرون ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل العمران: ٧٢]، فالسعيد مَن وفقه الله للثبات، وختم له بخير ومات وهو يعمل عمل أهل الجنة إلى أن يرزقه الله التثبيت حين يسأل.
ولو تأملت في أحاديث الحوض من صحيح مسلم لوجدت أناسًا مُنعوا منه ورسول الله - ﷺ - يقول: «يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، فيدعو عليهم رسول الله «سحقًا سحقًا لمن غير بعدي»، وفي رواية أخرى يقال له «والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم»، فكان ابن أبي مُلَيكة - أحد رواة هذا الحديث - يقول: (اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا) (٢)، وكلمة "ما برحوا يرجعون" توحي بالتراجع البطيء المتواصل المؤدي إلى
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الاعتصام - باب ٢ - الحديث ٧٢٨٢ (الفتح ١٣/ ٢٥٠).
(٢) صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب ٩ - الأحاديث ٢٢٨٩ - ٢٢٩٥ (شرح النووي ٨/ ٥٨).
[ ٣١١ ]
الهاوية. وربما يصعب الرجوع بعد طول الاستدراج. فهنيئًا لمن استدرك نفسه لئلا تزل قدمه بعد ثبوتها.
نجد كثيرًا من الأدعية تركز على معنى الثبات، ومن ذلك دعاء عبدالله بن مسعود: (الله إني أسألك إيمانًا لا يرتد، ونعيمًا لا ينفد ) (١)، وقال شدَّاد بن أَوْسٍ: (كان رسول الله - ﷺ - يُعلِّمنا كلمات ندعو بهن في صلاتنا. الله إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد) (٢).
ومن صور الثبات في الفتن: الصبر في أيام الصبر التي وصفها رسول الله - ﷺ - بقوله: «الصبر فيهن مثل القبض على الجمر»، وفي رواية: يأتي على الناس زمانٌ الصابر فيه على دينه، كالقابض على الجمر) (٣)، ومن ذا الذي يثبت قابضًا على الجمر؟! لذلك بشَّر رسول الله - ﷺ - بأن الثابت من هؤلاء له أجرُ خمسين من الصحابة: «إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذٍ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم» (٤).
وفي أشد ما يلقاه المسلمون من الفتن حين يخرج الدجال ويعيث يمينًا وشمالًا، فإن الوصية الأساسية لرسول الله - ﷺ - التي يوصي بها أمته حينئذٍ: «يا عباد الله، اثبتوا» (٥).
من أهم صور الثبات
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٤٠٠ من دعاء ابن مسعود.
(٢) مسند أحمد ٤/ ١٢٥ وطرفه «ما من رجل يأوي إلى فراشه ..».
(٣) الرواية الأولى لأبي داود والترمذي، والثانية للترمذي (ضعف الأرناؤوط إسنادهما، وقواهما بشواهدهما) (جامع الأصول ١٠/ ٤٠٣ الحديثان ٧٥٤٣ - ٧٥٤٥).
(٤) سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ ٨١٢ الحديث ٤٩٤.
(٥) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٣٨٦ الحديث ٣٢٩٤/ ٤٠٧٥.
[ ٣١٢ ]
المداومة على الطاعات: فالمطلوب في بعضها المثابرة عليها، يروي الترمذي: «مَن ثابر ثنتَي عشرة ركعة من السُّنة بنَى الله له بيتًا في الجنة» (١).
وفي رواية مسلم تقولُ أم حبيبة راوية الحديث، ويقول كلٌّ من عمرو بن أوس والنعمان بن ثابت - من رجال السند -: (ما تركتهن منذ سمعتهن) (٢).
وتقول عائشة ﵂ عن رسول الله - ﷺ -: (وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه) (٣)، وعند مسلم كذلك (وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته) (٤).
وحين سئل رسول الله - ﷺ -: أي العمل أحب الى الله؟ قال: «أدومه وإن قل» (٥)، (وكان آل محمد - ﷺ - إذا عملوا عملًا أثبتوه) (٦)، يقول النووي: (أي لازموه وداوموا عليه) (٧).
والثبات مظهر بارز للاستقامة؛ لأن المذبذب المتقلِّب لا يقدر على الثبات، ولا يقوى على الاستقامة، فقد كان الواحد من الصحابة يقول: يا رسول الله، حدِّثني بعملٍ أستقيم عليه وأعمله، فأجابه بأوجب
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٦١٨٣ (صحيح).
(٢) صحيح مسلم - كتاب المسافرين - باب ١٥ الحديث ٧٢٨ (شرح النووي ٣/ ٢٥٢).
(٣) صحيح مسلم - كتاب المسافرين - باب ٣١ الحديث ٢٢١ (شرح النووي ٣/ ٣٢١).
(٤) صحيح مسلم - كتاب المسافرين - باب ٣٠ الحديث ٢١٨ (شرح النووي ٣/ ٣١٩).
(٥) صحيح مسلم - كتاب المسافرين - باب ٣٠ الحديث ٢١٦ (شرح النووري ٣/ ٣١٨).
(٦) نفس المصدر السابق الحديث ٢١٥.
(٧) شرح النووي لصحيح مسلم ٣/ ٣١٩.
[ ٣١٣ ]
الواجبات وقتها: «عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها» (١).
وكان من دقيق ملاحظة الصحابة لظاهرة الثبات في يلوك كل فرد أن بريدة بن الحصيب لقي سلمة بن الأكوع قادمًا من البادية فظن أنه قطع هجرته إلى المدينة وأقام خارجها، فقال له: (ارتددتَ عن هجرتك يا سليمة؟! فقال مسلمة: معاذ الله إني في إذنٍ من رسول الله - ﷺ -) (٢).
ومن الملعونين على لسان رسول الله - ﷺ -: (المرتد أعرابيًّا بعد هجرته) (٣)، هذه صورة الجيل الفريد كيف يحرِص على الثبات ويتواصى به، ويخشى الانقلاب على الأعقاب، وإلى عام (حجة الوداع) والرسول - ﷺ - يدعو للصحابة بالثبات على هجرتهم إلى المدينة لتقوى بهم الدولة الناشئة: «اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهم على أعقابهم» (٤).
والقول الجامع لرسول الله - ﷺ - في بيان حقيقة الإسلام: إيمان وثبات «قُل لي في الإسلام قولًا لا أسال عنه أحدًا بعدك، قال: قل آمنتُ بالله ثم استقم» (٥).
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- أكثر الشباب قد لا يستمرون على حماس البدايات.
_________________
(١) صحيح سنن النسائي - كتاب البيعة - باب ١٤ الحديث ٣٨٨٥ (حسن صحيح).
(٢) مسند أحمد ٤/ ٥٥.
(٣) صحيح الجامع - الحديث ٥ (صحيح).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الجنائز - باب ٣٦ - الحديث ١٢٩٥ (الفتح ٣/ ١٦٤).
(٥) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب جامع أوصاف الإسلام.
[ ٣١٤ ]
- من صور الثبات:
- الثبات في مواجهة العدو.
- الثبات على دين الله.
- الثبات على الاستقامة.
- الثبات في أيام الفتن.
- المداومة على فعل الطاعات.
- المتذبذب قد يفتن الناس بعدم ثباته.
- الثبات مظهر بارز للاستقامة.
- مما يعين على الثبات التواصي به.
- حقيقة الإسلام إيمان وثبات.
****
[ ٣١٥ ]