المداومة على فعل المعروف
[ ٤١٦ ]
«لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا»
«عليكم باصطناع المعروف»
كل مسلم يحب الخير ويرغب في المعروف، ولكن ليس كل مسلم لديه الدافعية الدائمة المستمرة للبحث عن أبواب المعروف وطرق الخير بحيث لا يترك ثغرةً خالية يمكن أن يسدها بنفسه إلا ويسدها، صغُرت الثغرة أم كبُرت، عظمت أم حقرت.
وسوف تجد في أحاديث رسول الله - ﷺ - سيلًا من صنائع المعروف تنتظر الحريصينَ على الأجر والمهتمين بشؤون إخوانهم من المؤمنين؛ كقولِه: - ﷺ - «مَن نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا نفس الله عنه كربة من كُرَب يوم القيامة، ومَن يسَّر على مُعسِّر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (١).
ولما أن عدَّ رسول الله - ﷺ - صورًا من صدقات المرء على نفسه في كل يوم تطلع فيه الشمس ذكر صورًا من الإيجابية الاجتماعية للمسلم منها: «ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعزل الشوك عن طريق الناس، والعظم والحجر، وتَهْدِي الأعمى، وتُسمع الأصم والأبكم - أي تفهمه - حتى يفقه، وتدل المستدلَّ على حاجة له قد علمتَ مكانها، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٦٥٧٧ (صحيح).
[ ٤١٧ ]
الضعيف » (١).
وفي رواية أخرى «على كل مسلم صدقة، فإن لم يجد فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، فإن لم يستطع فيُعِين ذا الحاجة الملهوف، فإن لم يفعل فيأمر بالخير، فإن لم يفعل فيُمسِك عن الشر فإنه له صدقة» (٢) وهذه أدنى درجات المسلم وأقل ما يمكن أن يتوقع منه، فإنه إذا لم ينبعث بنفسه لفعل الخير، ولم يبادر للقيام بمعروف، فلا أقل من أن يأمر بفعل الخير، وإن فاته كل ذلك ولم يقدم على شيء من المعروف الإيجابي، فليضمن نفسه ألا يقع في شر وليلتزم بالامتناع عن الأذى.
والأصل في المسلم التطلع إلى الدرجات العلى فكما قال رسول الله - ﷺ -: «خير الناس أنفعهم للناس» (٣)، «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله ﷿ سرور تُدخِله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دَينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهرًا ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى يثبتها - يقضيها - له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزلُّ الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخلَّ العسل» (٤).
وهذا الفهم لفعل المعروف يغفل عنه كثير من أهل الصلاح الذين سبقوا في الذكر والاعتكاف والتلاوة والصيام والقيام، ولكنهم تفتر هممهم عن قضاء حوائج الخلق والسعي في مصالح المسلمين، وقد
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٤٠٣٨ (صحيح).
(٢) صحيح الجامع - الحديث ٤٠٣٧ (صحيح).
(٣) صحيح الجامع - الحديث ٣٢٨٩ (صحيح).
(٤) صحيح الجامع - الحديث ١٧٦ (صحيح)
[ ٤١٨ ]
تصغر في أعينِهم مثل هذه الخدمات، ورسول الله - ﷺ - يقول «لا تحقِرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق» (١)، وفي رواية «لا تسبَنَّ أحدًا، ولا تحقِرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف » (٢)، وفي رواية أخرى: «لا يحقرن أحدكم شيئًا من المعروف فإن لم يجد فليلقَ أخاه بوجه طَلْق، وإذا اشتريتَ لحمًا أو طبخت قدرًا فأكثر مرقته واغرف منه لجارك» (٣)، وهل هنالك أعظم من أن نُزِيل همَّ قلب مؤمن ليحل محله السرور والحبور ورسول الله - ﷺ - يقول: «أفضل الأعمال أن تُدخل على أخيك المؤمن سرورًا، أو تقضي عنه دينًا، أو تطعمه خبزًا» (٤)؟!
والمؤمن المهتم بأحوال إخوانه من المجاهدين وأسرهم وضعفاء الحيلة لا يفوته أجر المجاهدين ولا العابدين بهذه الأعمال، لقوله - ﷺ -: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار» (٥).
بل إن عملًا ربما كان في نظر الناس هينًا وبسيطًا، جعل الله له من الأجر ما يحفز الهمم للمعروف، وما يستنفر الجهود لخدمة المسلمين، كالذي جاء في قوله - ﷺ -: «نزع رجل لم يعمل خيرًا قطُّ غصن شوك عن الطريق، إما كان في شجرة مقطعة فألقاه، وإما كان موضوعًا فأماطه، فشكر الله له بها فأدخله الجنة» (٦).
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٧٢٤٥ (صحيح)
(٢) صحيح الجامع - الحديث ٧٣٠٩ (صحيح)
(٣) صحيح الجامع - الحديث ٧٦٣٤ (صحيح)
(٤) صحيح الجامع - الحديث ١٠٩٦ (صحيح)
(٥) صحيح الجامع - الحديث ٣٦٨٠ (صحيح)
(٦) صحيح الجامع - الحديث ٦٧٥٥ (صحيح)
[ ٤١٩ ]
وصاحب المعروف والحريص عليه محفوظ من الله ومخصوص منه سبحانه بحسن الخاتمة، والوقاية من سوء المصرع في الدنيا لقوله - ﷺ -: «عليكم باصطناع المعروف، فإنه يمنع مصارع السوء » (١)، والنفس الخيرة يفيض خيرها على من حولها، وصاحب القلب الحيِّ يفكر في إخوانه كما يفكر في نفسه، ولا تفلح أمة يتقلب أبناؤها بين السلبية والأنانية.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- يتفق الناس في حب الخير ويتفاوتون في المداومة عليه.
- من صور المعروف:
- الاهتمام بأمور المسلمين.
- تقديم خدمات اجتماعية.
- الأكل من عمل اليد.
- الإمساك عن البشر.
- المشاركة الشعورية.
- النهي عن استصغار بعض صور المعروف.
- من أعظم المعروف إزالة الهم وإدخال السرور.
- من أعظم المعروف تعهد أسر المجاهدين.
- صور صغيرة من المعروف أجرها كبير.
- حسن خاتمة المداوم على المعروف.
****
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٤٠٥٢ (صحيح).
[ ٤٢٠ ]