الكرم
[ ٥٠١ ]
«إن الله كريم يحب الكرماء».
بين الكرم والتضحية ارتباطٌ وثيق وصلة قوية؛ فالمجاهد يَجُود بنفسه - وهذا غاية الجود - والمتحرِّر من شهوة المال، الباسط يده في أبواب البر والإحسان، قد يكون أقدر على الجهاد، لَما يُؤصِّله الكر في النفس من معاني التضحية والإيثار.
ولأن الكرم له مجالاته المشروعة، فإن بذل المال في غيرها قد لا يكون كرمًا، ولذلك يقول ابن حجر: (والجود في الشرع إعطاءُ ما ينبغي لمن ينبغي وهو أعم من الصدقة) (١)، وضده الشح الذي يعني البخل مع مزيد من الحرص.
وصاحب الكرم لا بدَّ أن يكون شديد التوكل، عظيم الزهد، قوي اليقين. ولذلك فإن الكرم مرتبط بالإيمان ظاهره كرم اليد ودافعه كرم النفس، وقد وصف رسول الله - ﷺ - المؤمن بقوله: «المؤمن غرٌّ كريم، والفاجر خب لئيم» (٢)، وفي حديث آخر: «ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا» (٣).
وأعظم صور الكرمِ ما يكون مع الفقر والحاجة وقلة ذات اليد، وهذه كانت من أخلاق العرب في الجاهلية، وأهل الإيمان بها أولى.
_________________
(١) فتح الباري ١/ ٣١ من شرح الباب ٥ من كتاب الوحي.
(٢) صحيح سنن الترمذي - أبواب البر - باب ١٤ - الحديث ١٥٩٩/ ٢٠٤٧ (حسن).
(٣) صحيح سنن النسائي - كتاب الجهاد - باب ٨ - الحديث ٢٩١٣ (صحيح).
[ ٥٠٣ ]
وقد ورد أن أسماء بنت أبي بكر - ﵂ - قالت لرسول الله - ﷺ -: «إنه ليس لي من شيء إلا ما أدخل على الزبير أفأعطي؟»، قال: «نعم، لا تُوكِي فيُوكَى عليك» (١)، وعلى قلة ما يدخل عليها أشار عليها بالعطاء وبعدم الإحصاء ليُبارِك في الرزق ولمزيد من التوكُّل.
وجيء إلى رسول الله - ﷺ - ذات يوم بلحمٍ، أتدرون ممن كان، كان من بَريرة الفقيرة ومن صدقة قدَّمت إليها: «قال: ما هذا؟» «قالوا: شيء تُصُدِّق به على بَريرة»، «فقال: هو لها صدقة ولنا هدية» (٢)، فقد كان الواحد منهم لا يملك إلا قوت يومه ويكون كريمًا، وحين سئل رسول الله - ﷺ -: أي الصدقة أفضل؟ «قال: جهد المُقلِّ» (٣).
إن دينَنا بماله من أهداف عظيمة ليحتاج إلى النفوس الكريمة التي يفيض خيرها على الأقربين، وينصب في الإعداد والجهاد «أفضل الدينار: دينار ينفقه الرجل على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله. ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله» (٤).
قد تنطلق نفحات الكرم من فاقد الأمل بالدنيا حين يشرف على الموت، ولكن الكرم الحقيقي لصاحب قوة البدن، وطول الأمل، ودواعي الحرص محيطة به من كل جانب، لذلك حين سئل رسول الله
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي - أبواب البر - باب ٤٠ - الحديث ١٥٩٨/ ٢٠٤٣ (حسن).
(٢) صحيح سنن أبي داود - كتاب الزكاة - باب ٣١ - الحديث ١٤٥٧/ ١٦٥٥ (حسن).
(٣) صحيح سنن أبي داود - كتاب الزكاة - باب ٤١ - الحديث ١٤٧١/ ١٦٧٧ (حسن).
(٤) صحيح سنن الترمذي - أبواب البر - باب ٤٢ - الحديث ١٦٠١/ ٢٠٤٩ (حسن).
[ ٥٠٤ ]
- ﷺ -: أي الصدقة أعظم أجرًا؟ «قال: أن تَصَّدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى» (١).
قال ابن حجر: (ولَمَّا كانت مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام مانع الشح دالًّا على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة كان ذلك أفضل من غيره، وليس المراد أن نفس الشح هو السبب في هذه الأفضلية) (٢).
من الصفات المميزة لمن تأصلت فيه خصلة الكرم أنه لا يرد أحدًا يسأله وقد كان هذا الحال رسول الله - ﷺ - (ما سئل عن شيء قط فقال: لا) (٣)، حتى حين أُهدِيت إليه بُرْدَة وكان محتاجًا إليها رآها عليه رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسُنِيها.
قال: نعم، فلام الصحابة ذلك الرجل قائلين له: (أخذها محتاجًا إليها ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوتُ بركتَها حين لبِسها النبي - ﷺ - لعلِّي أكفَّن فيها) (٤).
والكرم من صفات الرب ﷾، يقول رسول الله - ﷺ -: «إن ربكم حَيِيٌّ كريم، يستَحْيِي من عبده أن يرفع إليه يديه؛ فيردهما صِفْرًا، (أو قال خائبتين)» (٥).
وعباد الله الصالحون يمنعهم حياؤهم وكرمهم من رد حاجة العبد من عباد الله.
ومن أوجب الكرم معاملة الكرام بما يستحقون كما في الحديث:
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الزكاة - باب ١١ - الحديث.
(٢) فتح الباري ٣/ ٢٨٥.
(٣) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٣٩ - الحديث ٦٠٣٤.
(٤) نفس المرجع السابق - الحديث ٦٠٣٦.
(٥) صحيح سنن ابن ماجه - كتاب الدعاء - باب ١٣ - الحديث ٣١١٧/ ٣٨٦٥ (صحيح).
[ ٥٠٥ ]
«إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» (١)، وقد حث رسول الله - ﷺ - على الضيافة - كمظهر من مظاهر الكرم - بتحريك المشاعر الإيمانية: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ..» (٢)، ومَن كانت المادة قد التَهَمَتْه واستولت على قلبه وجعلته يعد ويُحصِي ويُحجِم عن المكارم استبقاء لما في الجيب وحذرًا مما يأتي به الغيب فلا خير فيه يقول - ﷺ -: «لا خير فيمن لا يضيف» (٣).
وقد كانت السمعة والصيت عند أبناء الجاهلية عرضًا يخشون عليه أن يمسّ، فيتحدث الناس عنهم بما لا يحبون، فكانوا يهينون أموالهم حفاظًا على سمعتهم، وعزَّز الإسلام خيار الأخلاق فقال - ﷺ -: «ذُبُّوا عن أعراضكم بأموالكم» (٤)، وأي دناءة يصل إليها المرء حين يؤثر المال الوفير المحفوظ بالشح والبخل والتقتير؟!
الناس بفطرتهم لا يُحِبُّون الشحيح البخيل، وإذا لم تتحقَّق المحبة لم تنفتح القلوب للاستجابة والاستقبال، وقد ورد بهذا المعنى: (السَّخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولَجَهِل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل) (٥).
ومما يُعِين المرء على اكتساب صفة الكرم وتأصيلها في نفسه أن
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٢٦٩ (حسن).
(٢) صحيح سنن الترمذي - أبواب البر - باب ٤٣ - الحديث ١٦٠٢/ ٢٠٥٠ (حسن).
(٣) صحيح الجامع - الحديث ٧٤٩٢ (صحيح) وهو عند أحمد ٤/ ١٥٥.
(٤) صحيح الجامع - الحديث ٣٤٢٦ (صحيح).
(٥) أخرجه الترمذي. وقال المناوي: روي بأسانيد ضعيفة يقوي بعضها بعضًا. قال الأرناؤوط: ومعنى الحديث صحيح (جامع الأصول ٥/ ٣ - الحديث ٢٩٧٩).
[ ٥٠٦ ]
يستحضر صفة ربه - ﷿ -: «إن الله تعالى جوادٌ يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق ويكره سَفاسفها» (١)، «إن الله كريم يحب الكرماء جواد يحب الجَوَدة» (٢)، «إن الله كريم يحب الكرم» (٣)، ومَن لا يحب أن يكون كما يحب الله؟!
وإن في تأمُّل الحياة العملية للرسول القدوة صلوات الله وسلامته عليه ما يُفجِّر معاني الجود والكرم في قلب المتبع المحب. جاء في الحديث (كان النبي - ﷺ - أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس) (٤)، كما ورد بمثل هذا المعنى: (كان رسول الله - ﷺ - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فلرسول الله - ﷺ - أجود بالخير من الريح المرسلة) (٥)، وجوده هذا كان سبب إيمان الكثيرين، ومحبة الكثيرين، واحترام العدو والصديق، وما على حملة الدعوة إلا أن تكون الدنيا أحقرَ ما يكون في أعينهم لتفيض بها أيديهم، وليعم الخير من حولهم.
وللشيطان نصيب كبير في قلب البخيل الشحيح، ولذلك شرع لنا الاستعاذة بالله من هذه الصفات الشيطانية، فقد كان رسول الله - ﷺ - يتعوذ دبر كل صلاة من: «اللَّهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن ..» (٦)، ولعل السر في تلاحق وصف البخل والجبن أن من عزَّ
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ١٧٤٤ (صحيح).
(٢) صحيح الجامع - الحديث ١٨٠٠ (صحيح).
(٣) صحيح الجامع - الحديث ١٨٠١ (صحيح).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٣٩ - الحديث ٦٠٣٣.
(٥) صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي - باب ٥ - الحديث ٦.
(٦) صحيح سنن النسائي - كتاب الاستعاذة - باب ٢٧ - الحديث ٥٠٥٩ (صحيح).
[ ٥٠٧ ]
عليه ماله أن يصرفه في وجوه الخير فبخل، طبيعي من مثله أن تعزَّ عليه روحه أن يُزهِقها في سبيل الله فيجبن، والجود بالنفس أسمى غاية الجود.
وإذا افتقدت الأمة الجود بالمال والجود بالنفس، فقد سارت في طريق الهلاك لما جاء في الحديث: «إياكم والشح، فإنما هلك مَن كان قبلكم بالشح: أمرهم بالبخل فبخِلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا» (١).
وقد حذر رسول الله - ﷺ - من صفات شرار الخلق في آخر الزمان وكان من صفاتهم الشح: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقَى الشح، ويكثر الهرج» (٢)؛ ولأن الكرم صفة قلبية تنعكسُ على السلوك، فإن المريض بالشح مريض بالقلب يقعد به بخله عن البناء، ويحجزه الشح عن المبادرة، ويغدو يأخذ ولا يعطي، وماذا بعد ذلك من شر؟ لذلك يقول رسول الله - ﷺ -: «شرُّ ما في رجل شحٌّ هالع، وجبن خالع» (٣).
وقد عدَّ رسول الله - ﷺ - الموبقات فذكر منها «الشرك بالله والشح» (٤)، وعدَّ المهلكات، فذكر فيها: «هوى متبع، وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه» (٥)،
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود - كتاب الزكاة - باب ٤٧ - الحديث ١٤٨٩/ ١٦٩٨ (صحيح).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٣٩ - الحديث ٦٠٣٧.
(٣) صحيح سنن أبي داود - كتاب الجهاد باب ٢٢ - الحديث ٢١٢٩/ ٢٥١١ (صحيح).
(٤) صحيح سنن النسائي - كتاب الوصايا - باب ١٢ - الحديث ٣٤٣٢ (صحيح).
(٥) صحيح الجامع - الحديث ٣٠٣٩ (حسن).
[ ٥٠٨ ]
الجيل الأول تميز بزهده ويقينه فصعد؛ فما هي سنن السقوط والهلاك؟ يقول - ﷺ -: «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلِك آخرها بالبخل والأمل» (١)، قبض اليد والإحجام عن المبادرة والامتناع عن تقديم أي جهد، ثم بعد كل ذلك بناء الأحلام الكبيرة والآمال العريضة، ذلكم تشخيص هلاك الدنيا فهل صرنا إليه؟
أما في الآخرة، فإن الكانز لمال دون أن يؤدي حق الله فيه يخيل له المال يوم القيامة بصورة: «شجاع أقرع يفرُّ منه صاحبه وهو يتبعه يقول له: هذا كنزك الذي كنت تبخل به» (٢).
إذا لم يكن خلق (الكرم) يميز عامة أبناء الإسلام العاملين لنصرته فلن تجتمع حولهم القلوب ولن يحظوا بالثقة، وحين تكرم النفوس وتتخلص من رق الدنيا، ويصغر في عينها كل متاع تنجذب إليها القلوب، وتعظم في الأنظار، ويتسابق الناس في الجود والكرم لا في الحرص والشح، وعندئذٍ نكون أهلًا للتمكين، بإذن الله.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الرابط بين الكرم والتضحية.
- ارتباط الكرم بالإيمان.
- من أعظم الكرم جود الفقير وجهد المقل.
- الجهاد لا يكون بلا كرم.
- الكرم الحقيقي مع وجود دواعي الحرص.
- الكريم لا يرد سائلًا.
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٣٨٤٥ (حسن).
(٢) صحيح سنن النسائي - كتاب الزكاة - باب ٩ - الحديث ٢٣٠٢ (صحيح).
[ ٥٠٩ ]
- البخيل لا خير فيه.
- من صفات ربنا ﷿ أنه كريم.
- من أوجب الكرم إكرام الكرماء.
- الكرم إهانة للمال وحماية للعِرْض.
- الكريم قريب من الله والناس.
- الله يحب الكرماء.
- القدوة يجب أن يكون كريمًا.
- الرابط بين الجبن والبخل.
- الشح مرض قلبي.
- الشح من الموبقات والمهلكات في الدنيا والآخرة.
- الكرم مدعاة للقبول عند الناس والتمكين في الأرض.
****
[ ٥١٠ ]