[ ٤٥٩ ]
«حُرِّم على النار كل هيِّن ليِّن سهل ».
إن التوازن في شخصية المسلم ليجمعُ الشدة والرحمة، وإن من الحكمة مراعاة كل ظرف بما يناسبه، والتعامل مع كل حالة بما تقتضيه؛ من الأخذ بقوة أو الرفق واللين، غير أنه يبقى أن الأصل في التعامل الاجتماعي اللين والرقة، ما لم يَقُمْ ما يقتضي خلاف ذلك.
أما حين تنضُبُ ينابيع العاطفة، فلابد من تطهير القلب من عوامل القسوة؛ لتنعكس صور اللين على المعاملة والسلوك.
إن طول الزمن قد يُخفِّف من رقة الشعور، وتطاول الأيام قد ينسي بعض القيم، وتقادم العهد قد يغير المشاعر القلبية، ما لم يتعهَّد المرء نفسه، ويجلو قلبه، ليبقى حاضرَ الفكر، واعيَ القلب، يقظَ الإحساس، ولأن الليِّن ظاهرة سلوكية تنبع عن قلب لين، فقد عاتب ربنا ﷿ الصحابة الكرام حين رأى منهم تغيرًا في القلوب: ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]، وحدَّث ابن مسعود فقال: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين) (١)، وزاد في رواية (فجعل ينظر إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟!) (٢)، فإذا كان
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب التفسير - باب ١ - الحديث ٢٤/ ٣٠٢٧ (شرح النووي ٩/ ٣٦٨).
(٢) عن الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١٦٢ عند تفسير الآية ١٦ من سورة الحديد.
[ ٤٦١ ]
الصحابة الكرام قد احتاجوا إلى تلك اللفتة القلبية بعد أربع سنوات من إسلامهم، فكم تحتاج قلوبنا إلى تعهُّد وتزكية؟!
وقسوة القلب قد تكون أحيانًا نتيجة المعاصي، ومظهرًا من مظاهر غضب الله على العبد، ولذلك يقول مالك بن دينا: (ما ضُرِب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضِب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم) (١).
وإن العيش في أعطاف النعمة ليجعل على القلب غشاوة، تشغل المرء بذاته، وتحد من همته، ولذلك رأى محمد بن كعب في الآية السابقة توجيهًا آخر فقال: (كانت الصحابة بمكة مجدبين، فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة ففتَروا عما كانوا فيه فقسَتْ قلوبهم، فوعظهم الله فأفاقوا) (٢)، ألا فلنتواصَ حتى نُفِيقَ.
إن الانشغال بلغو الكلام وتتبع الهفوات يُجفِّف منابع اللين في القلب، وتنعكس الآثار على صورة حدة في التعامل.
جاء في موطأ الإمام مالك قوله: (بلغني أن عيسى ﵇ قال لقومه: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى؛ فتقسوا قلوبكم؛ فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان: معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية) (٣).
إن شخصية الداعية لتقتضي القدرة على التعامل مع الناس
_________________
(١) عن الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ١٦١ عند تفسير الآية ٢٢ من سورة الزمر.
(٢) عن الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١٦٢ عند تفسير الآية ١٦ من سورة الحديد.
(٣) موطأ مالك - كتاب الكلام - باب ٣ - الحديث ٨ من بلاغات مالك.
[ ٤٦٢ ]
باللين. وقد تعجبت السيدة عائشة من موقف رسول - ﷺ - حين استأذن رجل بالدخول عليه، فنعته بقوله: «بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام ..» (١)، وليس عجيبًا أن يكون هذا شأن نبينا - ﷺ - وهو القائل: «الكلمة اللينة صدقة» (٢)، ولما سأل رجل رسول - ﷺ - عن أفضل الأعمال أوجزها له في صفات ذكر منها: «لين الكلام وبذلك الطعام» (٣).
وإذا كان قصدنا الفوز برضا الله، والنجاة من النار، فإن المسلم لينال باللين ما لا يناله بالغلظة والشدة، كما في الحديث: «حُرِّم على النار: كل هيِّن ليِّن سهل، قريب من الناس» (٤).
ويمكن أن يكون تكلف السلوكيات اللينة مدخلًا إلى اكتساب اللين القلبي، فقد شكا رجل إلى النبي - ﷺ - قسوة قلبه فقال له: «إن أردت أن يَلِين قلبك؛ فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم» (٥).
وكثيرًا ما يُحرِّش الشيطان في الصدور، حتى في لحظة القيام للصلاة، وتسوية الإمام للصفوف، بتأخير هذا وتقديم ذاك، إلى أن يستقيم الصف، وقد كان من وصيته - ﷺ - قبل الدخول في الصلاة: «ولِينوا في أيدي إخوانكم» (٦)؛ لأن إقامة الصفوف وسد الخلل
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٤٨ - الحديث ٦٠٤٥ (فتح الباري ١٠/ ٤٧١).
(٢) مسند أحمد ٢/ ٣١٢.
(٣) مسند أحمد ٤/ ٢٠٤.
(٤) مسند أحمد ١/ ٤١٥ وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٣١٣٥.
(٥) مسند أحمد ٢/ ٢٦٢ وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم ١٤١٠.
(٦) مسند أحمد ٢/ ٩٨ وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ١١٨٧ ورواه أبو داود.
[ ٤٦٣ ]
تقتضي الاستجابة وعدم المعاندة.
وليس المقصود باللين عدم إنكار المنكر، وإنما اللين في الأسلوب حيث يغني اللين ويحقق الغرض، وذلك باستنفاد جميع الوسائل الممكنة التي تضمن الاستجابة، ولا تستعدي الآخرين، وراجع - إن شئت - حديث البخاري في قصة الرجل الذي جامَع أهله في نهار رمضان، كيف عرض عليه رسول الله - ﷺ - عددًا من الخيارات للتكفير عن ذنبه، فقال له: «هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا»، فجاء النبي - ﷺ - تمرٌ، فأعطاه للرجل، وقال له: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله، والله ما بين لَابتَيْها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي - ﷺ - حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (١).
فاللين صورة من صور الرحمة يضعها الله في قلب العبد، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والرفيق الرحيم أحقُّ الناس برحمة الله كما في الحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء» (٢)، ولذلك فإن رسول الله - ﷺ - (كان أرحم الناس بالصبيان والعيال) (٣)، ونفى كمال الإيمان عمَّن لا يرحم، «ليس
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الصوم - باب ٣٠ - الحديث ١٩٣٦ (فتح الباري ٤/ ١٠٦٣).
(٢) صحيح الجامع برقم ٣٥٢٢ (صحيح)، وهو عند أحمد وأبي داود الترمذي والحاكم.
(٣) صحيح الجامع برقم ٤٧٩٨ (صحيح).
[ ٤٦٤ ]
منا مَن لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا» (١)، وحتى الرحمة بالمخلوقات من أسباب استحقاق رحمة الله في الآخرة، كما في قوله - ﷺ -: «مَن رحم ولو ذبيحة عصفور، ﵀ يوم القيامة» (٢).
والعَلاقات الأُسْرِيَّة مع الأهل وذوي الرحم، ينبغي أن يسودها الرفق واللين؛ للمحافظة على تماسك بنيان الأسرة المسلمة وصفاء أجوائها، كما في الحديث: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق» (٣).
والهين اللين ينسحب رفقه على كل صور حياته، التي تقتضي السماحة واللين في التعامل مع المؤمنين، حتى يحظَى بمحبة الله «إن الله تعالى يحب الرفق في الأمر كله» (٤)، كما نحظى بعون الله «إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضاه، ويعين عليه ما لا يعين على العنف ..» (٥).
وصورة الشديد الغليظ، الغاضب العنيف، صورة مَشينة مَعِيبة تنفر منها الطباع البشرية؛ بينما صورة السهل الرفيق، اللين اللطيف، صورة تزين صاحبها، وترتاح إليها النفوس، وتأنس إليها القلوب، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» (٦).
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٥٤٤٤ (صحيح) وهو عند أحمد والترمذي والحاكم.
(٢) صحيح الجامع برقم ٦٢٦١ (حسن).
(٣) صحيح الجامع برقم ٣٠٣ (صحيح) ورواه أحمد في مسنده).
(٤) صحيح الجامع برقم ١٨٨١ (صحيح) وهو أيضًا عند البخاري.
(٥) صحيح الجامع برقم ١٧٧٠ (صحيح).
(٦) صحيح الجامع برقم ٥٦٥٤ (صحيح).
[ ٤٦٥ ]
ولا ينفي كل ما مضى أن المؤمنين أشداء على الكفار رحماء بينهم. ولا أنهم يغضبون لله، كما أنهم يلينون لوجه الله.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- اللين هو الأصل.
- من عوامل قسوة القلب:
- طول الأمد.
- كثرة المعاصي.
- كثرة التنعم.
- كثرة اللغو.
- اللين بالكلام.
- تَنال باللين ما لا تناله بالشدة.
- يمكن اكتساب اللين بممارسته.
- اللين في تسوية الصفوف.
- اللين لا ينفي الأمر بالمعروف.
- الرجل الرفيق حقيق بالرحمة.
- الرفق بالبهائم من الرحمة.
- صورة الرجل اللين محبوبة.
- لا تعارض بين اللين والشدة.
****
[ ٤٦٦ ]