منذ مطلع حياتنا في أجواء التربية الإسلامية، كانت تصطرع حولنا أفكار، نحفظ ألفاظها ولا ندري مبرِّر الاختلاف عليها، هؤلاء يقولون: التربية الفكرية أولًا لتحصين الشاب من الغزو الفكري، ومن اعتقاد تصورات خرافية حول سنن الله في الكون.
وآخرون يقولون: التربية الأخلاقية أولًا لحماية الشاب من الانجراف وراء سعير الشهوات، ومن الغرق في حمأة الرذيلة، فذاك يريد دفع الشبهات، وهذا يُحصَّن من الشهوات.
كنا يومها - بالفطرة - نشعر أننا مطالبون بكلا الأمرين إذا ما أردنا أن ندخل في السِّلْم كافَّة، وكنا نرى في واقع الحياة أن الشيطان يستعمل كلا السلاحين: الشهوات والشبهات.
ولكم رأينا من العابدين الذين نحسبهم من أهل العلم والصلاح لا يعيشون عصرهم، ولا يُدرِكون كيف يُواجهون الأفكار الدخيلة بأكثر من تَمْتَمات وتعاويذ وحَوْقَلة وتهليل، وبقي يسرح في عالمه، وبقيت الشبهة عالقة بقلوب الناس، لم تُزِلْها من قلوبهم تهويمات العابد ولا انفعالاته!
وكم رأينا من ذوي الفكر الرَّصين، والنظر الثاقب، والعرض الجذاب للإسلام، والقدرة الفائقة في بيان أوهام الأفكار الضالة والمذاهب الهدامة، الذين حين نُفتِّش في سلوكهم عن عناصر القدوة نجدها
[ ١١ ]
ضامرة، وإن واجه المخالف له بدأ يسخر ويطعن ويجرح، وإن لقي ندًّا هوَّن من أمره، وكشف من عيوبه ما يظهر فضله عليه، فتجد وراء هذا الفكر البرَّاق مرضًا أخلاقيًّا خطيرًا، فعلمنا - بفطرتنا - أيضًا أن في كلٍّ من الفريقين ميزة، كما في كل من الفريقين نقص وخلل.
ثم إن الكتابات التي خدمت الفكر الإسلامي وخاطبت العقل وسعت لنشر الوعي وتعميق المفاهيم، هذه الكتابات ملأت الساحة الثقافية، وأُتْخِمت بها المكتبات، وتدور بها المطابع كل يوم، بينما لم تحظَ التربية الأخلاقية بهذا القدر من الاهتمام، وكان ما يُكتَب فيها نادرًا، وربما كانت الكتابة في المجال الأخلاقي محدودةَ المواضيع لا تحتمل الكثير من التجديد لا في المحتوى ولا في الأسلوب، غير أن الهدف الأخلاقي يمكن أن يشارك في تعميق غورِه كلُّ كاتب إسلامي من خلال المقالة أو القصة أو الشعر، بحيث تغطي مسحة الأخلاق كل صور التعبير الأدبي والفكري. ولست أعني أن الكتابة عن الأخلاق هي التي ستعدِّل الأخلاق.
إن التربية الأخلاقية تؤخذ بالمعايشة والقدوة والمواقف الحياتية، وما الكتابة عن الأخلاق سوى إشاراتٍ تدل على الطريق، وتُذكِّر بالقيم، وترفع الأبصار إلى القمم، لنرى البون الشاسع بين ما نحن فيه وما ينبغي أن نكون عليه، وحين نحس بأزمتنا التربوية، ومشكلتنا الأخلاقية، وحاجتنا المُلِحَّة إلى التأديب والتهذيب، عندئذٍ قد نضع أقدامنا على بداية الطريق بمجاهدة النفس وحسن الصحبة والتناصح ومجالسه الصالحين.
إن الواقع العملي لحملة الفكر الإسلامي على اختلاف مشاربهم
[ ١٢ ]
قد يُحدِث بينهم نوعًا من التقارب الفكري في أجواء الحوار الهادئ والتعامل المهذَّب والاحترام المتبادل إذا وجدت الأخلاق، وإن أصحاب الفكر الواحد قد يتقاذفون الاتهامات ويَفْجُرون في الخصومات، ويشقون الصفوف، وتحركهم الأهواء إذا ضعفت فيهم الأخلاق، فالخلق الفاضل يجمعهم على ما بينهم من اختلاف، وسوء الخلق يُفرِّقهم على ما بينهم من وحدة فكرية.
لقد ملك المسلمون في قرونهم الأولى - قرون الخير - أعلى مستوى من التربية الأخلاقية، وكان الناس يدخلون في هذا الدين أفواجًا لِما يرون من حسن المعاملة وجميل الأخلاق أكثر مما كانوا يدخلونه بالمناظرات الكلامية والمنطق السديد في العرض.
كانوا يملكون من القدوة أكثر مما يملكون من قوة البيان، وخاصة في دعوة العجم؛ حيث لم يكونوا يملكون مزيد بيان، واستطاع ذلك الجيل أن يُدخل الناسَ في دين الله قبل أن يعرف منطق أرسطو والفلسفة اليونانية، وبعد أن دخلت إليه الفلسفة وعلم الكلام بدأت تضمُرُ التربية الأخلاقية، وبدأت تتنامى على حسابِها العلومُ العقلية.
إذا تحدَّثنا عن الأفكار تتعدد المواقف بتعدد المشارب.
وإن تحدثنا في قضية فقهية تجاذبتنا الخلافات المذهبية واختلفنا أكثر في الراجح والمرجوح، والمعتبر وغير المعتبر.
وإن حاولنا أن نتحدث في العقيدة لا يخلو الأمر من الفرق والملل والنِّحل، التفسيق والتبديع والتكفير.
أما إذا تحدثنا في الأخلاق، فالحسن منها تكاد تجمع على حسنه العقول البشرية، كما تجمع على قبح القبيح منها، وتضيق دائرة الخلاف حولها بين المؤمنين وحتى مع غير
[ ١٣ ]
المسلمين، وإن أحب الناس إليك لينفضون عنك حين تكون فظًّا غليظ القلب، وإن أبغض الناس إليك ليحتكمون إليك حين تكون صادقًا وأمينًا.
[ ١٤ ]