إن منهج التربية في القرآن قام على معالجة المشاكل القائمة، والتعليق على الأحداث الواقعة، والقطع فميا فيه الاختلاف، بحيث تتنَزَّل الآيات مُواكِبةً في تنَزُّلها مسيرة المجتمع الإسلامي الأول، فتنقش آثارها التي لا تُمحَى في القلوب، وقد قام على تتبع هذه الظاهرة علم (أسباب النزول).
وكذلك الأمر في سنة النبي - ﷺ -؛ حيث كان الحدثُ يجري أمام سمع وبصر رسول الله - ﷺ - فيكون له عليه تعليق، أو إقرار، أو استنكار، حتى تركت هذه التربيةُ العمليةُ بصماتِها على شخصية الصحابة، بحيث كان أحدهم يستحضر موقفَ رسول الله - ﷺ - من الأمر كلما تكرر مثيلُه أمام الصحابي، وحتى كان الواحد منهم حين يروي ما سمع أو رأى، كثيرًا ما كان يؤدي السنة مع الألفاظ والكلمات والحركات والإشارات وتشخيص الموقف وتمثيله، وهو ما سُمِّي في علم مصطلح الحديث بالحديث (المسلسل)، وجُمِعَت الأحاديث ذوات المناسبة تحت علم (أسباب الورود).
إن التجرِبة التي عشناها دهرًا في هذا المجتمع البشري ذي المواصفات والظروف الخاصة - بحلوِها ومرِّها - كانت تُملِي علينا ضرورة العودة إلى صقل المفاهيم، وأهمية مراجعة النفس لتحديد معالم الطريق، ومعالم الشخصية الإسلامية كما ينبغي أن تكون، لا كما هي كائنة، وفي كل شهر كنا نراجع النفس لتحديد أكبر الأمراض ظهورًا
[ ١٥ ]
لتكون الكتابة عن ضده من محاسن الأخلاق.
إن ذكر الحوادث الدافعة لكتابةِ كل موضوع فيه من الفضيحة ما لا ينبغي أن نُشارِك فيه، مما يسيء إلى الصديق ويسر العدو، غير أنه يكفينا أن نقطف العبرة؛ لتكون هذه الأخلاق حصنًا لأي تجمع مثيل، يمكن أن يقوم مرة أخرى بنفس الاتساع أو بصورة أصغر، فأمراضنا هي هي، نحملُها معنا حيث حلَلْنا، وتظهر بارزة حيث نكون مجتمعين، أكثر مما تظهر ونحن مُوزَّعون ومشتَّتون، وتظهر حيث نشعر بنوع من الحرية، أكثر مما تظهر حين نعيش في بلد ذي نظام صارم وقوة وسلطان.
كانت الفتن تدعونا إلى العودة إلى كتاب ربنا ﷿، وسنة نبينا - ﷺ -، وفهم القرون الأولى وسيرتهم؛ حتى نُعِيد صياغةَ عقولنا، وتعديل سلوكنا من جديد، فوجدنا كنوزًا مدفونة يجدها مَن يُنقِّب عنها، وحاولنا أن نبرز ما أسفر عنه التنقيب.
[ ١٦ ]