إن الكتابة عن الأخلاق من وراء مكتب فارهٍ، وبالنظر إلى عناوين وأسماء الأخلاق التي سبق أن كُتِب عنها أمر سهل ويسير، فالموضوعات محدودة، والأحاديث المشهورة في كل موضوع تكاد تكون مكررة في أكثر كتب الحديث، لقد كان اختيار الموضوع مستوحًى من واقع أليم لا من فهارس الكتب، ولقد كانت المادة المختارة - في كثير من الأحيان - مستخرَجة من غير مظانِّها في كتب الحديث، ولقد كان اختيار العناوين أيضًا بما يناسب الهدف والمحتوى.
حاولنا أن نتوسَّع في معنى الأخلاق، بحيث يشمل كل ما يمكن أن يتَّصِف به المسلم من الصفات المحمودة، التي إن التزم بها، ودوام عليها، صارت له خلقًا مميزًا.
ولقد كان تسلسل المواضيع تابعًا لِمَا يتوارد من أحداث - كما أشرنا - غير أنه لَمَّا انعقد العزم على إخراج هذه المواضيع في كتاب، تم تصنيف هذه الأخلاق على أبواب تشمل بمجموعها جوانب شخصية المسلم بنوع من التوازن، واقتضى الأمر إعادة النظر في المواضيع لاستبعاد ما ينبغي استبعاده، وإضافة ما يحسن إضافته، وتعديل ما يلزم تعديله، فإن الصفحة الواحدة من المجلة التي كنا ألزمنا أنفسنا بها، كانت تضطرنا إلى مزيد من الإيجاز، بحيث نترك الكلام لرسول الله - ﷺ -، أكثر مما نستأثر به لأنفسنا، وألا يكون كلامنا أكثر من تمهيد، أو تعليق، أو ربط بين النصوص.
إن طبيعة الكتابة في مجلة غير متخصصة، لم تكن تتيح لنا وضع الحواشي والتخريجات، فلما أن عزمنا على إخراج الكتاب إلى
[ ١٧ ]
النور، كان لا بدَّ أن يُوثَّق بالمصادر والمراجع، وتخريجات الأحاديث.
ولقد حاولت ألا أعتمد على حديث ضعيف - قدر الاستطاعة - فما علمت ضعفه، ولم يُصحِّحه أحد من العلماء، استبعدته. وأشرت في الحاشية إلى المرجع الذي استخرجت منه لفظ الحديث، مشيرًا إلى الكتاب والباب ورقم الحديث - غالبًا - بحيث يعين الباحث - وإن اختلف رقم الصفحة باختلاف الطبعات.
وكان جلُّ اعتمادي على الصحيحين، وغالبًا أقدم رواية البخاري، وأقتبس من فهم ابن حجر في (فتح الباري)، كما أفدت كثيرًا من الكتب التي خدمها كل من الشيخين (الألباني والأرنؤوط) - رحمهما الله تعالى - والذي كان يتعبني ندرة المراجع في الغربة، وخصوصًا في محاولة توثيق (مسند أحمد)، واعتمدت في تخريج بعض أحاديثه على طبعة الشيخ أحمد شاكر ﵀ - التي لم تكتمل - وطبعة الشيخ عبد الرحمن البنا الساعاتي في كتابه (نيل الأماني على الفتح الرباني) رغم عناء البحث وصعوبة الطلب.
واكتفيت في التوثيق بمجرد العزو إلى المراجع والمصادر، وأعفيت نفسي - لئلا يتأخر الكتاب - من شرح الألفاظ الغريبة، وإن كنت حاولت في تعبيري ألا أُغرِب، ونصوص الأحاديث يغلب عليها الوضوح.
كما أعفيت نفسي من الترجمة للرجال أو الأماكن، واكتفيت من نصوص كثير من الأحاديث بموضع الشاهد، حرصًا على الإيجاز وعدم الإطالة، وخشية من توزع الفكر وتشتت الذهن إذا تعددت مواضيع الحديث الواحد، فمَن أراد الحديث بتمامه رجع إلى موضعه المشار إليه في الحاشية، وما كان من الأحاديث الموقوفة أو المرسلة استبعدت ما علمت ضعفه، وما لم أعلم لسنده صحة ولا ضعفًا أبرأت الذمة بعزوه إلى مصدره، وارتياحًا مني بموافقة معناه لأصول صحيحة.
[ ١٨ ]