الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم، رازق الجزيل وواهب الفضل العظيم، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، حامل لواء الحمد وصاحب المقام العظيم، وعلى آله وصحبه معادن الصدق وأنصار الدين القويم. وبعد:
أخي المسلم: ها هما رجلان التقيا على غير ميعاد وتواعدا من غير معرفة! أحدهما مداوم على أداء الصلوات، والثاني مرة يصلي ومرة لا يصلي!
جمعهما الطريق إلى المسجد وقد نادى المؤذن إلى الصلاة .. فدار الحديث بينهما وهما يستشعران ضرورة إجابة هذا المنادي إذ يقول: حي على الفلاح .. حي على الفلاح ..
فقال الأول: ما أسعد المسلم يا أخي إن حافظ على هذه الصلوات .. وكانت له سكنًا يجد فيه الراحة والطمأنينة ..
قال الثاني: صدقت يا أخي ولكني كم حاولت المحافظة عليها، فأجد نفسي أصلي عدة أيام ثم أكسل بعدها؛ فأتركها اليوم واليومين أو أكثر من ذلك! !
الأول: سبحان الله! أو يحدث لك هذا يا أخي ..
الثاني: هو ما أقوله لك ..
[ ٥ ]
الأول: إن أمر الصلاة يا أخي أعظم من أن يتهاون بها المسلم، ولن تجد يا أخي نفسك لحظات سعيدة صافية كما تجدها في الصلاة، فإنك إن وجدت يا أخي هذه السعادة فإني لا أشك في أنك ستحافظ على أدائها، ومهما تحدثنا يا أخي عن فوائد الصلاة فإنها أعظم من ذلك!
ونصيحتي لك يا أخي أن تسأل الله كثيرًا أن يعينك على طاعته والمحافظة على أداء الصلوات كما أمرك تعالى ..
الثاني: سأحاول يا أخي هذه المرة وسأعمل بنصيحتك ..
الأول: وفقك الله يا أخي وأعانك على طاعته، وإن شاء الله موعدنا دومًا هذه اللحظات وإن لم تلتق أجسامنا ..
أخي المسلم: إنها (الصلاة) ذلك الكنز العظيم .. وتلك الدرة الغالية .. ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
أخي: يا ترى ما هو حظك من هذا الكنز؟ !
هل أنت ممن ملأ يديه منه؟ ! أم أنت من الزاهدين عنه المعرضين عن خيراته؟ ! !
فإن كنت من هؤلاء أخي! فكم أنت محروم! وكم أنت ناقص الحظ! فما أحراك أخي وقتها أن تبادر لتشارك المغترفين من ذلك الكنز ..
أخي في الله: أما تفكرت أبدًا في يوم من الأيام في تلك اللحظات العجيبة التي مرت على نبينا محمد - ﷺ - يوم عرج به إلى
[ ٦ ]
السماء، ثم إلى سدرة المنتهى فرأى ما رأى من عجائب الملكوت ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]. فعرج به - ﷺ - حتى سمع صرير الأقلام! وهنالك وفي تلك اللحظات المهيبة كان فرض الصلوات على هذه الأمة المرحومة ..
وقال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: «هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لديّ» [رواه البخاري ومسلم].
فرجع النبي - ﷺ - بفرض خمس صلوات في اليوم والليلة أجرها أجر خمسين صلاة!
أخي: أما تذكرت تلك اللحظات؟ ! تلك هي قصة فرض الصلوات الخمس .. خرجت غضة .. زاهية من نفحات الأنوار الإلهية لتكون نورًا وشذى يجد المؤمن عبيره في كل صباح ومساء!
أخي المسلم: أما وجدت تلك النفحات القدسية وأنت تتضوع نفح الصلوات ونسيمها الزاكي؟ !
أخي: ما أسعد المصلين. وما أهنأهم إذا وقفوا بين يدي رب العالمين! .
قال طلق بن حبيب ﵀: (يموت المسلم بين حسنتين حسنة قد قضاها، وحسنة ينتظرها - يعني الصلاة).
أخي: فهل أنت من هؤلاء؟ الذين صلوا ثم هم ينتظرون صلاة أخرى .. فهم قد خرجوا من حسنة، ويريدون الدخول في حسنة.
أخي المسلم: وأنت تصلي لا تنس أنك في خدمة ملك
[ ٧ ]
الملوك .. مالك النفع والضر .. فإذا كنت أخي من خدامه فإنه تعالى ولي من لزم بابه .. وحري بك أن لا يضيعك ..
قال ثابت البناني ﵀: (الصلاة خدمة الله في الأرض، لو علم الله ﷿ شيئًا أفضل من الصلاة لما قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩].
أخي المسلم: الصلاة شرف وأي شرف! ومنزلة إن نالها العبد فلن يندم على خير فاته! فهي مائدة جمعت بين أطرافها صنوفًا من الطيبات، وأنواعًا من اللذات!
(إن مثل الصلاة كمثل ملك اتخذ عرسًا فاتخذ وليمة وهيأ فيها ألوانًا من الأطعمة والأشربة لكل لون لذة وفي كل لون منفعة؛ فكذلك الصلاة دعاهم الرب إليها وهيأ لهم فيها أفعالًا مختلفة وأذكارًا؛ فتعبدهم بها ليلذهم بكل لون من العبودية، فالأفعال كالأطعمة والأذكار كالأشربة) نصر بن محمد السمرقندي.