بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله تعالى الرزَّاق ذي القوة المتين، والمنَّان صاحب الفضل المبين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه أعلام الدين.
أخي المسلم: الغفلة! ذلك الداء الأكبر .. والخطر الأحمر! كم أهلكت من خلائق .. وكم أفسدت من قلوب وصدَّت عن حقائق ..
وصف الله تعالى بها أعداءه الكافرين .. والعصاة الظالمين .. وأهل ناره الخاسرين ..
فقال الله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
الغفلة سلطان إبليس على القلوب .. وفرحته التي يجدها من الخلق ..
أخي المسلم: لقد عمَّت نار الغفلة .. حتى أصبح أكثرهم يعيش عيش البهائم! وقليل أولئك الذين عرفوا الغاية التي خُلقوا من أجلها .. فسعوا إلى تحقيقها؛ فسلموا من شرور الغفلة ..
فيا من أردت السَّعادة في الدنيا والآخرة؛ هذه وقفة أخرى من
[ ٥ ]
دروس المحاسبة .. وعروة من عُرى هذه السلسلة: (سلسلة المحاسبة).
ونحن وإيَّاك على متن سفينة النُّصْح .. نعبر ذلك البحر الفسيح؛ بحر الإسلام .. الدين الحق .. عسى أن نصل إلى دار النَّجاة .. ومنزل أولياء الله ألأبدي؛ (الجنَّة!).
فقف معي أخي .. وحاسب نفسك: هل أنت من أهل الغفلة؟
قليلٌ أولئك الذين وقفوا هذه الوقفة .. وحاسبوها .. وسائلوها .. ليعلموا هل هم من أهل الغفلة؟ !
أخي المسلم: لقد استفحل داء الغفلة .. وكُثر أصحابه في كل مجمع وفي كل مكان!
فترى الأكثرين سُكارى .. لا يدرون إلى أين يسيرون .. حيارى .. تائهين!
نَسُوا ماذا بعد الحياة؟ ! نَسُوا الأجل! نَسُوا ساعة الرَّحيل! نَسُوا الدَّار الأخرى! نَسُوا الموت وسكراته! نَسُوا القبر وضمَّته وأهواله! نَسُوا هول المحشر! نَسُوا الصراط وكلاليبه! نَسُوا النَّار وفظائعها!
يا أيُّهَذَا الذي قد غرَّهُ الأملُ ودون ما يأملُ التَّنغيصُ والأجَلُ
ألا ترى إنَّما الدُّنيا وزينتُها كمنزل الرَّكْبِ دارًا ثُمَّةً ارْتحلُوا
تظلُّ تُفزعُ في الرُّوعات ساكنَها فما يسوغُ له لينٌ ولا جَذَلُ
المرءُ يشقى بما يسعى لوارثِهِ والقبرُ وارثُ ما يسعى له الرَّجُلُ
[ ٦ ]
عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥]. قال: (زيَّن لهم الخطايا، ومدَّ لهم في الأمل).
لقد انشغل الخلق عن الطاعات .. وأعرضوا عن فعل الصالحات .. وأقبلوا على دار الغرور .. ومستوطن الشرور!
فترى هذا مشغولًا بتجارته .. وتكثير أمواله؛ من حلال أو حرام!
وهذا مشغول بزراعته في ليله ونهاره!
وهذا مشغول بحساب رصيده الفاني! فهو في ليله ونهاره؛ يحسب في أمواله .. وإذا نام؛ كانت أحلامه مواصلة لذلك الحساب! !
وآخر عكف على الشهوات .. فهو مشغول بتلبية شهواته البهيمية! !
وآخر غارق في أنواع من المعاصي! يستفتح يومه بمعصية .. ويختمه بمعصية! !
وآخر لا يدري لم خلق؟ ! ولا ماذا يجب عليه؟ !
خلق سيطرت عليهم الغفلة .. وكستهم من ثيابها ألوانًا!
قال نصر بن محمد السمرقندي: (ويقال: الناس يصبحون على ثلاثة أصناف: صنف في طلب المال، وصنف في طلب الإثم، وصنف في طلب الطريق. فأما من أصبح في طلب المال؛ فإنه لا يأكل فوق ما رزقه الله تعالى، وإن أكثر المال. ومن أصبح في طلب الإثم؛ لحقه الهوان والإثم. ومن أصبح في طلب الطريق؛ آتاه الله تعالى الرزق والطريق!).
فانظر أخي المسلم؛ من أي الأصناف أنت؟ !
[ ٧ ]
وإيَّاك أن تتكل على عمل صالح قليل عملته .. فتظن نفسك أنك بعيد عن أهل الغفلة! بل الواجب عليك أن تتهم نفسك دائمًا .. وتنظر إليها بعين التقصير ..
فإن ذلك من علامات النجاة .. فهاهم الصالحون؛ يحاسبون أنفسهم .. ويتهمونها بالغفلة ..
كان عون بن عبد الله ﵀ يقول: (ويحي! كيف أغفل عن نفسي، وملك الموت ليس بغافل عني؟ ! ويحي! كيف أتكل على طول الأمل، والأجل يطلبني؟ !).
وكان محمد بن النضر الحارثي ﵀ يقول: (إلى الله أشكو طول أملي، وعند الله أحتسب عظيم غفلتي).
فيا أيها الغافل .. ويا أيها اللاَّهي السَّاهي .. تذكَّر أنَّك لن يُغفل عنك! فبادر إلى العمل الصالح؛ قبل أن يُحال بينك وبينه!
جهولٌ ليس تنهاهُ النَّواهي ولا تلقاهُ إلاَّ وهو ساهي
يُسرُّ بيومِهِ لعبًا ولهوًا ولا يدري وفي غدِهِ الدَّواهي
قال سلمان الفارسي - ﵁ -: (ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني: مؤمِّل الدنيا والموت يطلبه! وغافل ليس يُغْفل عنه! وضاحكٌ مِلءْ فيه ولا يدري أساخط ربُّ العالمين عليه أم راضٍ؟ !)
أخي المسلم: أسوأ ما في الغفلة أنها تبعد صاحبها عن الله تعالى! فالغافلون بعيدون عن الله تعالى .. شغلتهم الدنيا بزهرتها الفانية!
إذا ذُكر الله تعالى .. لم يكن الغافل من الذاكرين!
وإذا قرئ القرآن .. لم يكن الغافل من التالين!
[ ٨ ]