يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣، ١١٤].
فيا من شغلتك الدنيا .. ويا من غفلت عن ثواب الله، وفضله الكبير! لن تجد في أيامك يومًا خيرًا لك من يوم تسارع فيه إلى الطاعات!
فإنك إن كنت من المسارعين إلى الطاعات؛ كفاك الله هم دنياك .. لأنك في طاعة من بيده الدنيا وما فيها!
قال رسول الله - ﷺ -: «يقول ربكم: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقًا، يا ابن آدم لا تُباعد مني؛ أملأ قلبك فقرًا، وأملأ يديك شُغُلًا». [رواه الحاكم/ صحيح الترغيب: ٣١٦٥].
وقال النبي - ﷺ -: «قال الله ﷿: يا ابن آدم، قُم إليَّ أمش إليك، وامش إلي أهرول إليك». [رواه أحمد/ صحيح الترغيب: ٣١٥٣].
أخي المسلم: إنَّ كل يوم تحياه يعد غنيمة .. وينبغي أن تشكر الله عليه؛ لأنه فرصة لك في الازدياد من الأعمال الصالحة .. فإن ضيعته في غير طاعة الله؛ فلا أغبن منك! فبادر .. وإياك وتأخير فعل الطاعات! فكم من مسوِّف أتته المنية بغتة فندم حين لا ينفع الندم!
قال رسول الله - ﷺ -: «بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها؛ أو الدُّخان، أو الدَّجال، أو الدَّابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة» [رواه مسلم].
[ ٧ ]
قال الحافظ ابن رجب: (فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة؛ قبل أن لا يقدر عليها، ويُحال بينه وبينها، إما بمرض، أو موت، أو بأن يدركه بعض هذه الآيات التي لا يُقبل معها عمل).
فلتحاسب نفسك .. فإن كنت من المقصرِّين الغافلين؛ فارجع إلى ربك .. وعجِّل قبل أن يأتي الأجل!
المرءُ مُرْتهنٌ بسوفَ وليتني وهلاكُهُ في السَّوفِ واللَّيْتِ
لله درُّ فتىً تدبَّر أمرَهُ فَغَدا وراح مُبادرَ الفَوْتِ
وإن كنت من المسارعين إلى الطاعات؛ فلتزداد .. ولتسأل الله تعالى أن يثبتك على ذلك ..
فيا أيها الغافل! إلى متى تؤخر فعل الصالحات؟ !
أما علمت أن العجلة لا تحمد إلاَّ في عمل الآخرة؟ !
قال رسول الله - ﷺ -: «التَّؤُدَة في كلِّ شيء خير إلاَّ في عمل الآخرة» [رواه أبو داود والحاكم والبيهقي/ صحيح الترغيب للألباني: ٣٣٥٦].
ولتعلم أخي المسلم أن المسارعة إلى الخيرات تبدأ معك من أصغر عمل من أعمال البر والطاعات، حتى أكبر عمل منها .. فلا تستحقرنَّ عملًا من أعمال الخير؛ فإنه وإن كان عندك صغير؛ فهو عند الله عظيم ..
قال رسول الله - ﷺ -: «كل معروف صدقة، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تُفرغ من دلوك في إناء أخيك» [رواه أحمد والترمذي/ صحيح الترغيب: ٢٦٨٤].
[ ٨ ]
أخي المسلم: لقد دعاك الله تعالى إلى جنة عرضها السماوات والأرض! ولم يطلب منك ثمنًا لها؛ إلاَّ المسارعة إلى طاعته .. فماذا عملت؛ لتكون من أهل جناته ونعيمه المقيم؟ !
قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
قال أنس بن مالك - ﵁ -: «التكبيرة الأولى».
وقال سعيد بن جبير ﵀: «سارعوا بالأعمال الصالحة إلى مغفرة من ربكم».
فبادر .. وسارع .. قبل حلول الآفات .. وإظهار الندم والحسرات!
قال رسول الله - ﷺ -: «بادرُوا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرَّجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا!» [رواه مسلم].
فيا معرضًا عن الصالحات! ويا كسُولًا عن الطاعات! بأي شيء لهوت؟ ! أم أي خير أدركت؟ ! أأخذت من الموت أمانًا؟ !
وكم من صحيحٍ بات للموت آمنًا أتَتْهُ المنايا بغتةً بعدما هَجَعْ
ولم يستطعْ إذ جاءه الموتُ بغتةً فرارًا ولا منه بقوَّتهِ امتَنَعْ
فأصبح تبكيه النِّساءُ مقنعًا ولا يسْمَعُ الدَّاعي وإنْ صوتَهُ رفَعْ
[ ٩ ]
وقُرِّب من لحد صار مقيلَهُ
وفارق ما قد كان بالأمس قد جَمَعْ ولا يتْرُكُ الموتُ الغنِيَّ لماله
ولا مُعْدَمًا في الحال ذا حاجة يَدَعْ
فاعمل ليوم الرحيل .. وسارع إلى الذُّخَر الباقي!
فإنك لسعيد إن شغلك عمل الآخرة عن عمل الدنيا!
عن معاذ - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أوصني؟ قال: «اعبد الله كأنَّك تراه، واعدُدْ نفسك في الموتى، واذكر الله عنه كل حجر، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السرُّ بالسرِّ، والعلانية بالعلانية». [رواه الطبراني/ صحيح الترغيب للألباني: ٣٣٤٢].
أخي المسلم: حاسب نفسك .. كم من ساعات عمرك أضعتها في غير الطاعات؟ ! كم من ساعات عمرك لم تستثمرها في عمل الصالحات؟ !
فكم من أناس ذهبت أعمارهم سُدىً .. وانقضت أيامهم من غير فائدة! غرهم طول الأمل! وأسكرتهم الدنيا بشهواتها!
وقال رسول الله - ﷺ -: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» [رواه الحاكم/ صحيح الترغيب: ٣٣٥٥].
فهل أنت من المغتنمين لأيام العمر؟ !
أم أنك من المضيعين المفرِّطين؟ !
[ ١٠ ]
إن كل يوم يمضي من عمرك حجة عليك .. وشاهد عليك غدًا!
وشتان ما بين من عمَّر أيامه بالطاعات .. وبين من عمَّر أيامه بالمعاصي!
ومن العجب أن تنقضي السنين بعد السنين .. وترى البعض منصرفًا عن الطاعات .. مقبلًا على المعاصي!
وقد قال رسول الله - ﷺ -: «من عمر من أمتي سبعين سنة؛ فقد أعذر الله إليه في العمر» [رواه الحاكم/ صحيح الترغيب: ٣٣٦٠].
وعكس هذا الغافل .. رجل أفنى عمره في الطاعات .. وبادر إلى الخيرات .. والتمس ما عند الله تعالى من رفيع الدرجات ..
وفي هذا قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أنبئكم بخيركم؟ !» قالوا: نعم. قال: «خياركم أطولكم أعمارًا، وأحسنكم أعمالًا» [رواه أحمد، وابن حبان والبيهقي/ صحيح الترغيب: ٣٣٦١].
أخي المسلم: إن العاقل من وُعظ بغيره .. فها هو الموت يخطف الأرواح من حولك .. وسيأتي يومك!
فهل اعتبرت بذلك؟ ! فتذكر يوم أن تبلغ الروح الحلقوم!
ماذا أعددت لتلك اللحظات؟ !
فإياك أن تكون ممن قال الله تعالى عنهم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].
وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ
[ ١١ ]