في أوقات الغفلة وقبل حدوث اليقظة الإيمانية، تكون ثقة المرء في ربه، وفي أنه مالك الكون ومدبر أموره والقائم عليه؛ محدودة، وفي المقابل تكون ثقته في الناس وفي قدراتهم الظاهرة أمامه كبيرة، ومن ثَمَّ يزداد إيمانه في إمكانية نفعهم أو ضرهم له، فيسعى لنيل رضاهم والاستفادة منهم، لذلك تجده يتزين لهم بأقواله وأفعاله .. يفرح بمدحهم، ويحزن من نقدهم .. يسعى دوما لتحسين صورته أمامهم لعله ينال حظوتهم.
فإذا ما حدثت اليقظة وازداد الإيمان قوة ورسوخًا في القلب ازدادت تبعًا له الثقة في الله ﷿، ومن ثَمَّ تحولت هذه المشاعر تدريجيًّا نحوه سبحانه، وانصرفت عن الناس، فيقل الاهتمام بهم والتفكير فيهم، والحرص على نيل رضاهم، وإن كان رضاهم عنه سيتحقق بعد ذلك - بإذن الله - ولكن عن طريقه سبحانه - تبعًا لا قصدًا -.
قال ﷺ: «من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن أسخط الناس برضا الله كفاه الله مُؤنَة الناس» (٢).
وقال: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادى جبريل فى أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول فى الأرض» (٣).
وكلما نما الإيمان أكثر نقص التعلق بالناس، والطمع فيهم حتى يصل المرء لدرجة الاستغناء القلبي عنهم، أو بمعنى آخر: ينقطع تعلق القلب بهم من حيث النفع والضر.
نعم هو قد يطلب مساعدتهم في بعض الأعمال، لكنه يتعامل معهم باعتبار أنهم من جملة الأسباب التي قد يأخذ بها، أما الذي يُحرك الأحداث ويُنشئ النتائج فهو الله ﷿، وما البشر إلا ستار لإظهار قدرته وربوبيته.
وكذلك فهو قد يأخذ منهم ما يُعطونه إياه بطيب نفس، ولكن يأخذه بمشاعر من يأخذ من الله عن طريقهم، وأنهم مجرد أدوات لتوصيل رزق ربه - سبحانه - إليه.
وهكذا تظهر بالتدريج ثمار الاستغناء عن الناس تبعًا لنمو الإيمان الحقيقي في القلب.
_________________
(١) أخرجه ابن أبى شيبة (٦/ ٢٤، رقم ٢٩١٨٤)، وأبو داود (٤/ ٣٢٤، رقم ٥٠٩٠)، وأحمد (٥/ ٤٢، رقم ٢٠٤٤٦)، وقال الشيخ الألباني صحيح الإسناد.
(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٠٩ برقم ٢٤١٤)، وصححه الشيخ الألباني في «صحيح الجامع» برقم (٦٠١٠).
(٣) متفق عليه: أخرجه البخارى (٣/ ١١٧٥، رقم ٣٠٣٧)، ومسلم (٤/ ٢٠٣٠، رقم ٢٦٣٧).
[ ٢٩ ]