عندما يضعف الإيمان: يعلو الهوى ويسيطر على الإرادة.
والهوى هو كل ما تميل إليه النفس، أي أن غلبة الهوى معناها سيطرة النفس بأطماعها على إرادة الإنسان وقلبه، فيصبح أسيًرا لها.
فالنفس شحيحة تحب الاستئثار بكل ما تظن أن فيه نفعها فينشأ عن هذا الهوى - عندما يتمكن من القلب - الطمع والظلم والبخل والتعدي على حقوق الآخرين.
والنفس تريد دومًا العلو على الآخرين وتكره أن يتميز عليها أحد فينتج عن ذلك الحسد والحقد.
والنفس تكره الظهور بمظهر المخطئ فينشأ عن هذا الهوى عندما يسيطر على القلب: الكذب والغش والخداع ..
والنفس تكره المشاقّ والتكاليف فينشأ عن ذلك: الفسوق وعدم القيام بالأوامر الشرعية
وهكذا تنطلق جميع الظواهر السلبية والمشكلات من ضعف الإيمان وغلبة هوى النفس.
والحل الأول والأمثل لعلاج المجتمع المسلم من ظواهره السلبية إنما يكون بإصلاح الإيمان، فكلما ازداد الإيمان في القلوب انحسر تأثير الهوى عليها وقويت الإرادة ودفعت صاحبها لمكارم الأخلاق ومعاليها .. تأمل قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [ص/٢٤].
إيقاظ الإيمان هو البداية الصحيحة لحل المشكلات:
إن العمل على زيادة الإيمان في القلوب هو الحل الأول لكثير من المشكلات، ففي ظل الأجواء الإيمانية تذعن القلوب لداعي العفو والصفح والتسامح والتغاض عن الهفوات، فالإيمان يصنع المعجزات، ويروض النفوس، لذلك فإنه ليس من المناسب أن نحكم على شخص ما حكمًا نهائيا من خلال سلوكياته التي قد تبدو منه في حالة ضعف إيمانه، وليس من المناسب كذلك أن تدفعنا تلك التصرفات إلى مواجهته واتخاذ موقف مضاد منه؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى الاجتهاد في الانتصار لنفسه وإثبات صحة موقفه، فتزداد الأمور تعقيدًا، لذلك فالمقترح في مثل هذه الحالات أن تكون البداية هي العمل على إيقاظ الإيمان في القلوب، فتتحول تدريجيًّا الأجواء المحيطة إلى أجواء صحية يسعى فيها الجميع إلى مرضاة الله ﷿.
ففي مثل هذه الأجواء الإيمانية تصبح - في الغالب - نفس المرء وراءه وليست أمامه، عند ذلك ستتغير الدوافع، وتنتهي الكثير من المشكلات تلقائيًّا بإذن الله.
ليس معنى هذا هو انعدام حدوث المشكلات بين الأفراد، فالطبيعة البشرية وما تحمله من ضعف تأبى ذلك، ولكنها - إن حدثت - تكون هينة، عارضة سرعان ما تزول عندما يسمع أصحابها حادي الإيمان ينادي عليهم أن اتقوا الله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص/٣٠].
_________________
(١) سيرة ابن هشام (٢/ ١٧٢)، وسيرة ابن كثير (٣/ ١٣٠)، وحلية الأولياء لأبي نُعيم (١/ ١١٣)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (١/ ٤٨).
[ ١٦ ]
فعلى سبيل المثال: عندما عزم أبو بكر الصديق على قطع النفقة التي كان ينفقها على مسطح بن أثاثة لأنه كان ممن تكلم في حادثة الإفك نزل القرآن ليُذكّره وغيره بفضيلة العفو بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور/٢٢] فعند ذلك قال الصديق: بلى والله إنّا نحب أن تغفر لنا يا ربنا، ثم أرجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا (١).
وعندما اختلف رجلان على ميراث بينهما وذهبا يحتكمان إلى رسول الله ﷺ، فماذا فعل معهما؟!.
عن أم سلمة ﵂ قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد دُرِست ليس بينهما بينة، فقال رسول الله ﷺ: «إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحَن بحُجَّته من بعض فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة» فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي. فقال رسول الله ﷺ: «أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخَّيَا الحق ثم استهما ثم ليتحلل كل واحد منكم صاحبه» (٢).
غنائم بدر:
عندما انتصر المسلمون على المشركين في غزوة بدر كانت هناك غنائم كثيرة مما أدى إلى اختلاف البعض حول كيفية توزيعها، وظن بعض الشباب أنهم أحق مِن غيرهم من الشيوخ .. فكيف تمَّت معالجة هذه المشكلة؟
نزلت سورة الأنفال وبدأت بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. فخرجت الغنائم من أيديهم تمامًا، وأصبحت لله ورسوله.
ثم بدأت الآيات تذكِّرهم بالإيمان وعلاماته، وأوردت بعض صفات المؤمنين ليعرض كل منهم نفسه عليها ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فهل يفكر أحد بعد هذه الآيات في الغنائم، أم أنه سيفكر في نفسه، وأين هو من هذه الصفات، وهل هو مؤمن حقا أم لا؟
ثم تمضي السورة فتذكرهم بما مَنَّ الله عليهم من نصر عظيم في هذه الغزوة المباركة، وأن هذا النصر كان من عند الله ﷿ وحده، لا من عند أنفسهم، فلقد غشَّهم بالنعاس، وأنزل عليهم الغيث، وأمدهم بالملائكة، وسدد رميهم، وثبت أقدامهم، وأوهن كيد عدوهم.
ثم تذكرهم الآيات بضرورة الاستجابة لله والرسول، وتخوِّفهم بأن الله يحُول بين المرء وقلبه.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/ ٢٥٩، ٢٦٠.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٣٢٠)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، وابن أبي شيبة (٧/ ٣٥٣). والإسطام: هي الحديدة التي تُحرَّك بها النار.
[ ١٧ ]
وتعود الآيات بذاكرتهم إلى أيام مكة حين كانوا مستضعفين: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦].
وبعد أن تجردت القلوب لله، وراجع كل واحد منهم إيمانه، ونسي أمر الغنائم .. جاءت الآية الحادية والأربعين لتتحدث عن كيفية تقسيم الغنائم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١].
ومن ثمار شجرة الإيمان المباركة