الإحسان ونفع الناس عبادة عظيمة، وحتى يؤديها المسلم على الوجه الصحيح، يجب أن يراعي عدة أمور:
١ - الإخلاص في العمل لله - ﷿ -، وأن يقصد بعمله وجه الله - ﷿ - ونفع أخيه المسلم، قال - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى » [رواه مسلم]، لا يقصد بذلك مدحًا أو ثناء أو جاهًا عند قومه، أو غير ذلك من حظوظ الدنيا.
قال عون بن عبد الله -رحمه الله تعالى-: (إذا أعطيت المسكين شيئًا، فقال: بارك الله فيك، فقل أنت: بارك الله فيك، حتى تخلص لك صدقتك) (١).
وقد روي مثل ذلك عن عائشة ﵂:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فمن كان مخلصًا في أعمال الدين، يعملها لله؛ كان من أولياء الله المتقين أهل النعيم المقيم) (٢).
٢ - البعد عن الرياء وحب الظهور والرياسة، وكذلك العجب بعمله والتحدث به.
قال ابن القيم ﵀: (لا شيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس، ولا شيء أصلح لها من شهود العبد منة الله وتوفيقه والاستعانة به والافتقار إليه وإخلاص العمل) (٣).
_________________
(١) حلية الأولياء: (٣/ ١٤٠).
(٢) مجموع الفتاوى: (١/ ٨).
(٣) الفوائد: (ص ٦٤).
[ ٣٣ ]
ولهذا كان الإخلاص شاقًا، قال سهل بن عبد الله ﵀: (ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب) (١).
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية حديث المرأة البغي التي سقت كلبًا فغفر الله لها .. والرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له، ثم قال ﵀: (فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلبًا يغفر لها، فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإجلال) (٢).
٣ - أن لا تجر هذه المصلحة التي تقدمها نفعًا لك في الدنيا، فتشفع لفلان حتى يشفع لك في موطن آخر، أو تقدم الإحسان إلى من عرفت انتظارًا لحاجة قد تطلبها منه مستقبلًا.
٤ - الحذر من المن والأذى، وقد قال الله - ﷿ -: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] فالمنة تهدم الصنعة، ولا خير في المعروف إذا أحصي.
٥ - عدم انتظار رد الجميل، وتوقع النفع من الطرف الآخر؛ لأنك قدمت له إحسانًا.
٦ - للإحسان ثلاث خصال جميلة في المحسن، فقد قال جعفر بن محمد لسفيان الثوري رحمهما الله تعالى: (لا يتم المعروف إلا
_________________
(١) جامع العلوم والحكم: (١/ ٢١).
(٢) منهاج السنة النبوية: (٦/ ٢١٨).
[ ٣٤ ]
بثلاثة: بتعجيله، وتصغيره في عينيك حتى إذا كان كبيرًا، وستره) (١).
٧ - يتنبه إلى أن لا يكون الإحسان إلى إنسان قد يجره إلى أمر محرم، ومن ذلك مثلًا الشفاعة في سفر إلى بلاد الكفار لغير حاجة، أو دفع أموال يعلم أنها تذهب إلى أمور محرمة شرعًا .. أو اقتطاع حق امرئ مسلم بشفاعة أو في تقديم المؤخر أو تأخير المقدم والإسلام دين العدل، يأمر بالمصلحة وينهى عن المفسدة، والشفاعة في الحدود من أعظم المنكرات.
أخي المسلم:
إن كان هناك من يحسن إليك ويحنو عليك فأنت صاحب حاجة، فعلى طالب الحاجة والشفاعة:
أولًا: أن لا يطلب الحوائج إلا من أهلها، ولا يحرج أخاه المسلم بما لا يستطيع، كأن تأتي إلى أخ لك وتطلب مالًا لا يستطيعه فترهقه وتغم قلبه وأنت تعلم أنه لا يستطيع إلا بمشقة.
ثانيًا: أن لا يطلب حاجته في غير حينها.
ثالثًا: أن لا يطلب ما لا يستحق، فإن من طلب ما لا يستحق استوجب الحرمان.
رابعًا: وليتخير من الكلام أطيبه، ومن القول أعجبه.
ولا لوم على من ردت شفاعته ولو عظم قدر الشافع، فقد
_________________
(١) صفة الصفوة: (٢/ ١٦٩).
[ ٣٥ ]
ردت امرأة شفاعة سيد الخلق - ﷺ - حينما قال لها: «لو راجعتِ زوجك فإنه أبو ولدك» قالت: يا رسول الله، أتأمرني؟ قال: «لا، وإنما أنا شافع» قالت: فلا حاجة لي فيه [متفق عليه].
وإذا قضيت حاجة المرء فينبغي الثناء على الشافع وعلى المشفوع عنده، يقول -﵊-: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» [رواه أحمد] ويقول: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» [رواه النسائي].
وقال - ﷺ -: «من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، أبلغ في الثناء» [رواه الطبراني].
وإذا قصرت يدك على المكافأة فليصل لسانك بالشكر، فخير مواضع المعروف ما جمع الأجر والشكر.
وإن كان للمحسن عليك حق فبادر برده، فإن ذلك من الإحسان، فأحسن كما أحسن إليك في البدء.
ومن اعتذر عن تقديم خدمة إليك فلا تلمه وتجعله على لسانك غيبة وبهتانًا، فالله - ﷿ - يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] ولربما أنه قد أتاه غيرك وتحمل ما لا تعلمه، وليس من المروءة أن يخبرك بذلك.
جعلنا الله وإياكم من المتعاونين على البر والتقوى.
[ ٣٦ ]