١ - الإحسان بالجاه: إذا نزلت بأخيك المسلم حاجة ولم يتيسر أمرها على يديك؛ فاسعَ لنفعه عند إخوانك، فقد يتيسر ذلك على أيديهم -بإذن الله - ﷿ - اقتداء برسول الله - ﷺ -، وامتثالًا لأمره، فقد شفع - ﷺ - لمغيث لدى زوجته بريرة ﵂، وأمر أصحابه بالشفاعة فقال: «اشفعوا تؤجروا ..» [رواه البخاري ومسلم].
ولا يستنكف الشافع خوفًا من أن ترد شفاعته، فقد ردت بريرة شفاعة النبي - ﷺ -، وليعلم الشافع أن هذا الجاه وهذه المنزلة ابتلاء من الله - ﷿ -، لينظر كيف يصنع بهذه النعمة التي أسبغها عليه؟ !
ولا يضيرك أن تشفع عند من هو أقل منك منزلة ومرتبة دنيوية؛ فقد شفع النبي - ﷺ - لدى جارية وردت شفاعته - ﷺ -.
٢ - الإحسان بالعلم: وهذه الطريق تعتبر من أعظم الطرق وأتمها نفعًا؛ لأن هذا الإحسان يؤدي إلى ما فيه سعادة الدنيا والآخرة، وبه يعبد الله على بصيرة، فمن يسر الله له أسباب تحصيل العلم، وظفر بشيء منه؛ كانت مسئوليته عظيمة، ولزمه القيام بما يجب للعمل من تعليم الجاهل، وإرشاد الحيران، وإفتاء السائل، وغير ذلك من المنافع التي تتعدى إلى الغير.
قال الحسن: «ما أعظم النفقة نفقة العلم».
٣ - الإحسان للمؤمنين والمؤمنات بالاستغفار: وهذا عمل سهل ميسور، فعن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات، كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة
[ ٩ ]
حسنة» [رواه الطبراني] وفضل الله واسع، فكم من مؤمن ومؤمنة؟ !
٤ - الإحسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وقد أثنى الله - ﷿ - على هذه الأمة، وجعل الخيرية فيها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال تعالى في حق بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩]، ولا يحصل المطلوب، ويتم النفع إلا إذا كان الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر مؤتمرًا بما يأمر به، ومنتهيًا عما ينهى عنه، وإلا كان أمره ونهيه وبالًا عليه، لقول الله - ﷾ -: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣٠].
والإحسان إلى الناس بأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، لا بد أن يكون عن علم؛ لأن الجاهل قد يأمر بما هو منكر، وقد ينهى عما هو معروف، ولا بد أن يجمع إلى العلم الحكمة، ويصبر على ما أصابه، ومن الأدلة على هذه الأمور الثلاثة قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
[ ١٠ ]
وقد جعل النبي - ﷺ - إنكار المنكر على ثلاث مراتب، إن لم تحصل المرتبتان الأوليان، فلا أقل من الثالثة التي هي أضعف الإيمان، كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - حيث قال - ﷺ -: «من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم].
٥ - الإحسان بالنفع البدني: وذلك بأن يجود ببذل ما يستطيعه من القوة البدنية في تحصيل المصالح ودفع المفاسد، فيمنع الظالم من الظلم، ويميط الأذى عن الطريق مثلًا، وهذه الطريق هي التي عناها - ﷺ - بقوله في الحديث المتفق عليه: «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة» [رواه البخاري ومسلم].
٦ - الإحسان بالمال: ومن وسع الله عليه الرزق، وآتاه المال؛ فإن عليه أن يشكر الله على ذلك بصرفه في الطريق التي شرعها، فيقضي الحاجة، ويواسي المنكوب، ويفك الأسير، ويقري الضيف، ويطعم الجائع، تحقيقًا لقوله سبحانه: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
٧ - الإحسان بالرقية الشرعية: فكم من مريض يعاني وكم
[ ١١ ]
ممن أصابهم الألم بسبب عين أو نفس وسحر؛ عن جابر بن عبدالله - ﵁ - قال: لدغت رجلًا منا عقرب، ونحن جلوس مع رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أرقي؟ قال رسول الله - ﷺ -: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه» [رواه مسلم].
٨ - قضاء الحوائج: وأنواعه شتى وصوره متنوعة، عن عبدالله بن عمر ﵄: أن رجلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى
الله - ﷿ - سرور تدخله على مسلم، تكشف عن كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرًا، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه؛ قلبه الله يوم القيامة رضا، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام» [حسنه الألباني].
وقد كان عمر بن الخطاب - ﵁ - يتعهد الأرامل، يسقي لهن الماء ليلًا، وكان أبو وائل ﵀ يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم، فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن (١).
قال ابن القيم ﵀: (فإن الصدقة تفدي من عذاب الله تعالى، فإن ذنوب العبد وخطاياه تقتضي هلاكه، فتجيء الصدقة
_________________
(١) انظر جامع العلوم والحكم.
[ ١٢ ]
تفديه من العذاب، وتفكه منه).
٩ - القرض الحسن: القرض الحسن تفك به ضائقة المسلم، وترد عليه سعادته بعد الضيق والضنك الذي يجده من حاجته إلى المال، وقد رتب الشارع الأجر على القرض فهو من الإحسان، عن أبي أمامة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «دخل رجل الجنة فرأى مكتوبًا على بابها: الصبر بعشرة أمثاله، والقرض بثمانية عشر» [رواه الطبراني والبيهقي وحسنه الألباني].
وعن عبدالله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين، إلا كان كصدقتها مرة» [رواه ابن ماجه وصححه الألباني].
قال ابن القيم عند قول الله - ﷿ -: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، قال ﵀: (سمى الله هذا الإنفاق قرضًا حسنًا؛ حثًا للنفوس وبعثًا لها على البذل). ثم قال ﵀: (وحيث جاء هذا القرض في القرآن قيده بكونه حسنًا، وذلك يجمع أمورًا ثلاثة:
أحدها: أن يكون من طيب ماله، لا من رديئه وخبيثه.
والثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه، ثابتة عند بذله؛ ابتغاء مرضاة الله.
الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذي.
فالأول: يتعلق بالمال، والثاني: يتعلق بالمنفق بينه وبين الله،
[ ١٣ ]
والثالث: بينه وبين الآخذ) (١).
١٠ - تفريج الكربات: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول
الله - ﷺ -: «من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» [رواه مسلم].
وأوجه تفريج الكرب كثيرة ومتعددة، بعضها يكون بالكلمة وبث النصح وتهدئة الخواطر والمشاركة في الأحزان وغيرها.
ولأهمية الأمر في تنفيس الكرب وقضاء الحوائج وإدخال السرور على المسلمين، يقول الحسن البصري ﵀: (لأن أقضي لمسلم حاجة أحب إلي من أن أصلي ألف ركعة، ولأن أقضي حاجة لأخ أحب إلي من أن أعتكف شهرين) (٢).
١١ - الإحسان إلى الناس: بأعمال نظنها يسيرة وهي عند الله عظيمة، عن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة» [رواه الترمذي].
١٢ - التيسير على المعسرين: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال
_________________
(١) التفسير الميسر لابن القيم (ص ١٤٨).
(٢) روضة العقلاء: (ص ٢٤٧).
[ ١٤ ]
رسول الله - ﷺ -: «من يسر على معسر في الدنيا، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة» [رواه مسلم].
وعن أبي قتادة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة؛ فلينفس عن معسر أو يضع عنه» [رواه مسلم]، ورواه الطبراني بلفظ: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، وأن يظله تحت عرشه؛ فلينظر معسرًا» فكم من الفقراء والمعسرين الذين لا يجدون ما يقضون به ديونهم؛ فيلحقهم الهم والغم.
١٣ - الإحسان إلى الناس: بما تستطيع من تجهيز غاز أو حاج أو خلفه في أهله فإنها من أعظم الأعمال وأجل القربات، عن زيد بن خالد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من جهز غازيًا، أو جهز حاجًا أو خلفه في أهله، أو فطر صائمًا، كان له مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء» [رواه ابن خزيمة].
١٤ - قضاء الديون: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أحب الأعمال إلى الله - ﷿ -: سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة: تطرد عنه جزعًا، أو تقضي عنه دينًا» [حسنة الألباني].
وقد شرع في الإسلام قضاء الدين من الزكاة.
١٥ - المواساة: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: بينما نحن في سفر مع النبي - ﷺ -، إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يمينًا
[ ١٥ ]
وشمالًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «من كان معه فضل ظهر؛ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل [رواه مسلم].
وقيل لعلي - ﵁ - ما السخاء؟ قال: (ما كان منه ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وكرم) (١).
قال سعيد بن العاص لابنه: (يا بني، أخزى الله المعروف إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه أو جاءك مخاطرًا لا يدري: أتعطيه أم تمنعه؟ فوالله، لو خرجت له من جميع مالك ما كافأته) (٢).
ومن أنواع المواساة الإحسان إلى المسلمين بالكلمة الطيبة واللفتة الحانية، في زمن تفلتت فيه القيم الاجتماعية والصلات الإسلامية.
١٦ - النفقة في مصالح المسلمين: ومن ذلك حفر الآبار وسقاية العطشى، قال - ﷺ -: «من حفر بئر ماء لم يشرب منه كبد حرى من جن، ولا إنس، ولا طائر، إلا آجره الله يوم القيامة، ومن بنى مسجدًا كمفحص قطاة (٣)، أو أصغر بنى الله له بيتًا في الجنة»
_________________
(١) تاريخ الخلفاء: (ص ١٧).
(٢) البداية والنهاية: (٨/ ٩٣).
(٣) مفحص القطاة: المكان الذي تفرخ فيه من الأرض.
[ ١٦ ]
[رواه ابن خزيمة].
وعن سعد بن عبادة - ﵁ - قلت: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال - ﷺ -: «سقي الماء» [رواه ابن ماجه].
وقال - ﷺ -: «ليس صدقة أعظم أجرًا من ماء» [رواه البيهقي].
وعن سعيد بن المسيب: أن سعد بن عبادة - ﵁ - أتى النبي - ﷺ - فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: «الماء» [رواه أبو داود].
جاء في ترجمة أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور رحمها الله، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد ﵀ أنه كان لها معروف كثير، وفعل خير.
قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب [الألقاب]: إنها سقت أهل مكة الماء، بعد أن كانت الراوية (قربة الماء) عندهم بدينار! وإنها أسالت الماء عشرة أميال -أي لتوصله إلى أهل مكة- بهدم الجبال ونحت الصخور والكهوف الجبلية، حتى غلغلته وأوصلته من الحل إلى أهل الحرم، وعملت عقبة البستان -وهي أشبه بالنفق داخل الجبل- لينتفع بها المسلمون، فقال لها وكيلها: يلزمك نفقة كثيرة لإتمام بناء تلك العقبة! ! فقالت له: اعملها، ولو كانت ضربة فأس بدينار، فبلغت النفقة عليه ألف ألف وسبعمائة ألف دينار.
قال إسماعيل بن جعفر بن سليمان: (حجت أم جعفر زبيدة عامًا من الأعوام، فبلغت نفقتها على المساكين والفقراء في الحج، في ستين يومًا، أربعة وخمسين ألف ألف)! !
[ ١٧ ]
ورآها عبدالله بن المبارك في المنام، فقال لها: (ما فعل الله بك؟) فقالت: (غفر لي بأول معول -أي فأس- ضرب في طريق مكة) (١)!
١٧ - السعي على الأرملة والمسكين: الأرامل والمساكين من ضعفاء المسلمين وأهل حاجة، وقد ورد في إعانتهم والسعي في حوائجهم الأجر العظيم، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وأحسبه قال: «كالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر» [رواه البخاري ومسلم].
قال ابن عباس ﵄: (لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرًا، أو جمعة، أو ما شاء الله، أحب إلي من حجة، ولطبق بدرهم أهديه إلى أخ في الله أحب إلي من دينار أنفقه في سبيل الله) (٢).
يروى أن أبا بكر - ﵁ - عندما تولى خلافة المسلمين بعد رسول الله - ﷺ - كان يصلي بالناس صلاة الفجر، ثم ينسل من بين الصف ويخرج، لا يدرى أين يذهب؟ فقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: (والله! إن لأبي بكر خبيئًا من عمل صالح) -أي أنه يعمل عملًا صالحًا لا يريدنا أن نراه فيه أو نطلع عليه- وذات يوم صلى أبو بكر بالناس صلاة الفجر ثم خرج؛ فتبعه عمر وقال: (والله، لأرمقنه فلأرين ماذا
_________________
(١) كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان: (٢/ ٣١٤ - ٣١٥٩).
(٢) صفة الصفوة: (١/ ٧٥٦).
[ ١٨ ]
يصنع؟).
فخرج أبو بكر من أطراف المدينة، وتبعه عمر، فإذا بأبي بكر يدخل بيت شعر قديم، يكاد أن يسقط من البلى على رءوس أصحابه.
ادَّرع عمر خلف صخرة ساعة من نهار، فإذا بأبي بكر يخرج من البيت ليتبعه عمر فيدخل فيه، فإذ به يجد امرأة عجوزًا هرمة مقعدة عمياء، فقال لها: من أنت؟ ومن هذا الرجل الذي يأتيك؟
قالت: أنا أمة من إماء الله، وهذا رجل من المسلمين يأتيني كل صباح، يقم بيتي، ويعجن عجيني، ويحلب شاتي، ويقوم على مصلحتي، ويدفع عني الأذى، ويذهب والله لا أعرفه، والله .. إنه لخير من أبي بكر خليفة رسول الله!
عند ذلك ضرب عمر كفًّا بكفٍ، وقال: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر! من يطيق ما تطيق؟ من يستطيع أن ينافسك في خير؟ أو يسابقك إلى قربى؟ أو يمشي أمامك إلى طاعة؟
من لي بمثل سيرك المدلل
تمشي رويدًا وتجيء في الأول
فتبارك من أعطاك هذه الهمة! وأوصلك هذه القمة! وعلى الطريق سار عمر، وهل يضل من قائده الشمس ورائده القمر؟ !
فاقرأ -رعاك مولاك- هذا الخبر!
كان عمر بن الخطاب - ﵁ - يتعاهد الأرامل يستقي لهن الماء بالليل، ورآه طلحة - ﵁ - بالليل يدخل بيت امرأة، فدخل إليه طلحة
[ ١٩ ]
- ﵁ - نهارًا، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هذا منذ كذا وكذا يتعاهدني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقال طلحة لنفسه: ثكلتك أمك يا طلحة، أعوارات عمر تتتبع (١)؟
وأفضل الناس من بين الورى رجل
تقضى على يده للناس حاجات
لا تمنعن يد المعروف عن أحد
ما دمت مقتدرًا فالسعد تارات
واشكر فضائل صنع الله إذ جعلت
إليك لا لك عند الناس حاجات
١٨ - الإحسان إلى ضعفة المسلمين: عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: «ابغوني الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم» [رواه أبو داود وهو صحيح].
فالرفق بالضعفاء، والإحسان إليهم ورحمتهم وقضاء حوائجهم، وتفقد أحوالهم، طريق الأخوة الإيمانية.
١٩ - الإحسان إلى الكفار غير المحاربين: رغبة في تأليف قلوبهم ودعوتهم لهذا الدين العظيم، عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك» [رواه البخاري].
_________________
(١) انظر جامع العلوم والحكم.
[ ٢٠ ]
٢٠ - التعاون على البر والتقوى: قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
عن أبي موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «على كل مسلم صدقة، قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير. قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة» [متفق عليه].
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كل سلامى من الناس عليه كل يوم تطلع فيه الشمس صدقة، تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة » الحديث [متفق عليه].
فالتعاون بين المسلمين يشد البنيان ويوحد الصف ويجمع الكلمة.
٢١ - من صور الإحسان إلى الناس: ما لا تراه الأعين ولا تحس به الأنفس، وفيه من الأجر العظيم ما الله به عليم، من تلك الصور ما ذكره النبي - ﷺ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول
الله - ﷺ -: «مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة» [رواه مسلم].
٢٢ - إطعام الطعام: قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى
[ ٢١ ]
حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨، ٩].
وعن عبد الله بن سلام - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام» [رواه الترمذي وصححه الألباني].
وعن صهيب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خياركم من أطعم الطعام» [رواه أحمد].
وإطعام الطعام لا يختص به الفقير والمحتاج، بل للجيران والإخوان حق في ذلك، فقد قال - ﷺ -: «إذا طبخت مرقة؛ فاكثر ماءها، وتعاهد جيرانك» [رواه مسلم]، ويدخل في ذلك إكرام الضيف والقيام بحقه، قال - ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه» [رواه البخاري].
٢٣ - كفالة اليتيم: عن سهل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما» [متفق عليه].
قال النووي: كافل اليتيم القائم بأموره من نفقة وكسوة، وتأديب، وتربية، وغير ذلك.
قال ابن بطال: (حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به؛ ليكون رفيق النبي - ﷺ - في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك).
[ ٢٢ ]
٢٤ - الشفاعة: قال رسول الله - ﷺ -: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجته حتى تقضى أحب إلي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرًا »
إلى أن قال: «ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام» [حسنه الألباني].
عن أبي موسى - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - كان إذا أتاه سائل أو طالب حاجة، قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» [رواه البخاري].
قال الشيخ السعدي -﵀- (وهذا الحديث متضمن لأصل كبير، وفائدة عظيمة، وهو ينبغي للعبد أن يسعى في امور الخير سواء أثمرت مقاصدها ونتائجها أو حصل بعضها، أو لم يتم شيء، وذلك كالشفاعة لأصحاب الحاجات عند الملوك والكبراء ومن تعلقت حاجاتهم بهم، فإن كثيرًا من الناس يمتنع من السعي فيها إذا لم يعلم قبول شفاعته، فيفِّوت على نفسه خيرًا كثيرًا من الله، ومعروفًا عند أخيه المسلم. فلهذا أمر النبي - ﷺ - أصحابه أن يساعدوا أصحاب الحاجة بالشفاعة لهم عنده ليتعجلوا الأجر عند الله، لقوله: «اشفعوا تؤجروا» فإن الشفاعة الحسنة محببة لله ومرضاة له، قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾
[النساء: ٨٥].
[ ٢٣ ]
ومع تعجله للأجر الحاضر فإنه أيضًا يتعجل الإحسان وفعل المعروف لأخيه، ويكون له بذلك عنده يد.
وقد ذكر لي أحد الإخوة الفضلاء أنه أتى للشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀ ضحى يوم، وذكر له حاجة في إدارة من الإدارات، فهز الشيخ رأسه ودخل البيت، قال الأخ: ثم عاد بعد قليل، وآثار الوضوء على وجهه ويديه وقال: هيا، فذهبا، يقول: فأصابتني الحيرة وقلت: يا شيخ يكفي أن تكتب ورقة لفلان فهو يعرفك! قال: لا، هيا وأصر ﵀ على الذهاب حتى انقضت حاجتي وتيسر أمري؛ فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح
جناته.
٢٥ - من صور الإحسان التي غفل عنها البعض من الناس الدعاء، وقد دعا النبي - ﷺ - لأمته ولآحاد أمته نفعًا لهم ورحمة وشفعة بهم قال - ﷺ -: «اللهم اهد دوسًا وائت بهم» [رواه البخاري].
قال علي بن الحرارة: كانت أمي مقعدة نحو عشرين سنة، فقالت لي يومًا: اذهب إلى أحمد بن حنبل، فسله أن يدعو لي، فصرت إليه فدفعت الباب، قال: من هذا؟ فقلت: أنا رجل من أهل ذاك الجانب، سألتني أمي وهي زمنة مقعدة، أن أسألك أن تدعو لها. فسمعته يقول، وهو كالغضب: نحن أحوج إلى أن تدعو لنا، فوليت منصرفًا، فخرجت امرأة عجوز من داره، فقالت: أنت الذي كلمت أبا عبد الله، قلت: نعم، قالت: قد تركته يدعو لها، قال:
[ ٢٤ ]
فجئت من فوري إلى البيت، فدفعت الباب؛ فقامت أمي على رجليها تمشي حتى فتحت الباب، وقالت: قد وهب الله لي العافية) (١).
_________________
(١) كتاب الرقة، لابن قدامة، (ص ١٩٠).
[ ٢٥ ]