للصلاة في الإسلام منزلة لا تعدلها منزلة أي عبادة أخرى فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به، قال - ﷺ -: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» (١).
وهي فريضة دائمة مطلقة، لا تسقط حتى في حال الخوف، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة، الآيتان: ٢٣٨، ٢٣٩].
وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات، وهي أول ما يحاسب عليه العبد وهي آخر وصية وصى بها رسول الله، - ﷺ -، أمته عند موته فقال: «الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم» (٢).
وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله، قال - ﷺ -: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة» (٣).
وقد ذكرها الله تعالى من الشروط الأساسية للهداية والتقوى فقال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ *
_________________
(١) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وصححه الألباني.
(٢) أخرجه ابن ماجه وأحمد وصححه الألباني.
(٣) أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والألباني.
[ ٤ ]
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٣] واستثنى ﵎ المحافظين على الصلوات من أصحاب الأخلاق الذميمة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٣]. وقال تعالى وهو يحكي عن أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (١).
وقد توعد الله تارك الصلاة بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥]، والسهو هو تركها حتى يخرج وقتها.
وحذر جل وعلا من إضاعة الصلاة وتوعد مضيعها بالعذاب الشديد فقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، والغي: واد في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر جعله الله لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات.
ولقد اهتم المسلمون بهذه الصلوات أيما اهتمام وحافظوا عليها أشد المحافظة وكان قدوتهم في ذلك رسول الله - ﷺ - كما ذكرت ذلك عائشة -﵂-: “كان رسول الله - ﷺ - يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه».
_________________
(١) معلومات مهمة من الدين.١٧.
[ ٥ ]
هذا هو قدوتنا - ﷺ - نسير على طريقه ونقتفي أثره
إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك هاديًا (١)
وسار السلف الصالح من هذه الأمة على هذا المنهج النبوي الشريف، فهذا سعيد بن المسيب من شدة حرصه على الصلاة حافظ على دخول المسجد قبل الأذان لمدة تزيد عن أربعين سنة، قال برد مولى سعيد بن المسيب: ما نودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد (٢).
وقال ربيعة بن يزيد: ما أذن المؤذن لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد إلا أن أكون مريضًا أو مسافرًا (٣).
وأرشد - ﷺ - للمحافظة على هذا الخير العظيم فقال: «اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (٤).
* شهد أهل الخير لأهل الخير فقد قال يحيى بن معين عن يحيى بن سعيد: إنه لم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة (٥).
أولئك قوم قلوبهم معلقة بالمساجد وقد جاءتهم البشائر في قوله - ﷺ -: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ٢٢٩.
(٢) طبقات الحنابلة ١/ ١٤١، حلية الأولياء ٢/ ١٦٣، صفة الصفوة ٢/ ٨٠.
(٣) السير ٥/ ٢٤٠.
(٤) أخرجه أحمد والبيهقي والحاكم وصححه الألباني.
(٥) السير ٩/ ١٨١، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٢٩، الزهد ٥٣٠.
[ ٦ ]
منهم: «رجل قلبه معلق بالمساجد إذا خرج منه حتى يعود إليه» (١).
وقد حث سفيان بن عيينة على السير إلى الصلاة حتى قبل النداء فقال: لا تكن مثل عبد السوء لا يأتي حتى يدعى ائت الصلاة قبل النداء (٢).
وذلك استجابة لقوله - ﷺ -: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط» [رواه مسلم].
الحنين إلى الصلاة:
ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة وأصدق الاستجابة حتى في حالات المرض الشديد، فعندما سمع عامر بن عبد الله، المؤذن وهو يجود بنفسه ومنزله قريب من المسجد قال: خذوا بيدي، فقيل له: إنك عليل، فقال: أسمع داعي الله فلا أجيبه، فأخذوا بيده، فدخل في صلاة المغرب فركع مع الإمام ركعة ثم مات (٣).
وهذا فاروق هذه الأمة -﵁- ينتبه بعدما ذكر بالصلاة وهو في حالة الإغماء الشديد، فقد ذكر المسور بن مخرمة
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) التبصرة ١/ ١٣٧
(٣) صفة الصفوة ٢/ ١٣١، السير ٥/ ٢٢٠.
[ ٧ ]
- ﵁ - أن عمر بن الخطاب لما طعن جعل يغمى عليه فقيل: إنكم لن تفزعوه بشيء مثل الصلاة إن كانت به حياة، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين، قد صليت فانتبه فقال: الصلاة ها الله، فلا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وإن جرحه ليثعب دمًا (١).
﵁ وأرضاه، لقد علم الصحابة شدة اهتمامه وحرصه على الصلاة -فعلموا أنه إن ذكرت الصلاة على مسمعه وبه حياة- فإنه سيفيق من الإغماءة التي كان فيها وقد كان ذلك، فلما ذكروا له الصلاة أفاق.
أما في زماننا فلا يحلو للبعض النوم إلا وقت الصلاة، والبعض يسمع صوت المنبه للصلاة ولكن لا يستيقظ، وآخرون يوقظون للصلاة ولا يستجيبون -وكأنهم إلى الموت أقرب منهم للحياة- ولكن لو سمعوا بأن لصًا في الدار أو صافرة الإنذار انطلقت، لرأيت سرعة الانتباه وقوة الوثبة.
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد (٢)
أخي المسلم
سطر الربيع بن خثيم موقفًا عظيمًا في حياته فها هو بعدما سقط شقه يهادي بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان أصحابه
_________________
(١) تاريخ عمر ٢٤٣، الزهد للإمام أحمد ١٨٢.
(٢) صفة الصفوة ٤/ ٢٦٦.
[ ٨ ]
يقولون: يا أبا يزيد لقد رخص لك، لو صليت في بيتك فيقول: إنه كما تقولون، ولكني سمعته ينادي: حي على الفلاح، فمن سمعه منكم ينادي حي على الفلاح فليجبه ولو زحفًا ولو حبوًا (١).
لقد كان هناك دافع يدفعهم ويستحثهم لتحمل المشاق في سبيل إقامة الصلاة طاعة لله ﷿، وامتثالًا لأوامره، ورغبة فيما عنده.
فهذا عدي بن حاتم يقول: ما جاء وقت الصلاة إلا وأنا إليها بالأشواق، وما دخل وقت صلاة قط إلا وأنا لها مستعد (٢).
لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية، والهمم العالية، فأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، وأسمع الله من كان حيًا فهزه النداء إلى منازل الأبرار وحدا به في طريق سيره فما حطت به رحاله إلا بدار القرار (٣)
أحن اشتياقًا للمساجد لا إلى قصور وفرش بالطراز موشح
وهذا الاهتمام بالصلاة تحول إلى فرح وسرور بدخول وقتها وهو فرح وبهجة بالعطاء العظيم من الله الكريم المنان فهو كما ذكر أبو بكر بن عبد الله المزني: من مثلك يا ابن آدم؟ خلي بينك وبين
_________________
(١) حلية الأولياء ٢/ ١١٣.
(٢) الزهد للإمام أحمد ٢٤٩.
(٣) رهبان الليل ٣٩.
[ ٩ ]
الماء والمحراب، متى شئت تطهرت ودخلت على ربك -﷿- ليس بينك وبينه ترجمان ولا حاجب (١).
فهذه ولله الحمد من نعمه علينا نقصده متى شئنا فترفع بالصلاة الدرجات وتحط الخطيئات، فسبحانه ما أكرمه وجل جلاله ما أعظمه.
ولا شك أنه يتأسف على فوات هذه النعم وضياع الأوقات بدون فائدة ورأس مال المسلم عمره .. أفلا يتأسف على ضياعه؟ قال أبو رجاء العطاردي: ما أنفس عليَّ شيء أخلفه بعدي إلا أني كنت أعفر وجهي في كل يوم وليلة خمس مرات لربي ﷿ (٢).
أخي المسلم:
لقد أعطوا الصلاة حقها وأنزلوها منزلتها، ولذلك كانت عندهم المقياس الأول، كما أكد ذلك عمر بن الخطاب بقوله: إذا رأيت الرجل يضيع من الصلاة فهو والله لغيرها أشد تضييعًا (٣).
وسار على هذا المنهج أبو العالية فقال: كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام، فأول ما أتفقد من أمره صلاته، فإن وجدته يقيمها ويتمها أقمت وسمعت منه، وإن وجدته يضيعها رجعت ولم أسمع منه وقلت: هو لغير الصلاة أضيع.
_________________
(١) البداية والنهاية ٩/ ٢٥٦.
(٢) حلية الأولياء ٢/ ٣٠٦.
(٣) تاريخ عمر ٢٠٤.
[ ١٠ ]
وامتدادًا لهذا التواصل الخير امتد هذا الحرص ليصل إلى أطفالهم امتثالًا لقوله، - ﷺ -: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» (١).
فكان زيد الأيامي يقول للصبيان: تعالوا فصلوا أهب لكم الجوز، فكانوا يجيئون ويصلون ثم يحوطون حوله، فقيل له: ما تصنع بهذا؟ قال: وما علي، أشتري لهم جوزًا بخمسة دراهم ويتعودون على الصلاة (٢).
والكثير الآن اهتم بتربية أبنائه تربية دنيوية بحتة، فحرص على المأكل والمشرب وتوفير وسائل الترفيه واللهو ولكنه ترك المهمة الأولى والمسئولية الكبرى للآباء ألا وهي تربية أبنائهم التربية الإسلامية الصحيحة وتعويدهم على الصلاة وتفقدهم حال غيابهم عنها والله -﷾- يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦].
الصلاة مع الجماعة:
أوجب الله -﷾- أداء الصلاة المفروضة مع الجماعة فقال تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وداوم عليها - ﷺ -، وأصحابه مداومة شديدة حتى كأنها جزء من الصلاة، ولم يتركها - ﷺ - في السلم ولا في الحرب ولا في مرضه الذي
_________________
(١) أخرجه أبو داود وأحمد والحاكم وحسنه الألباني.
(٢) حلية الأولياء ٥/ ٣١.
[ ١١ ]
مات فيه.
وفي مساجدنا اليوم اختفى هذا الأمر ولم يحرص الجميع على أدائها مع الجماعة، فإننا نرى حضور المصلين لصلاة الجمعة وامتلاء المساجد بهم، ثم لا نراهم في الصلوات الخمس، أيحسبون أنهم لا يحاسبون على هذا التقصير والتهاون؟ أم بأي عذر سقطت عنهم صلاة الجماعة حتى يتخلفوا عنها لا سيما وهم يسمعون ذلك النداء الذي يرتفع على المسامع خمس مرات كل يوم؟
أخي الحبيب:
لكم نحمد الله على ذلك، فكم من مسلم في بلاد الكفار يحرم من سماع هذا النداء، وكم من ميت لم يعد يجيب نداء التوحيد، وكم من مريض يحن إلى تلبية الدعوة ويحول بينه وبينها المرض، فإن لنداء التوحيد رنة في الأذن وفرحة في القلب، كيف لا، وهي دعوة من الله جل وعلا للسير في ركب الصالحين الراكعين الساجدين.
ولهذا كان أبو عمران الجزني إذا سمع الأذان تغير لونه وفاضت عيناه.
وقبله كان سيد المرسلين كما قالت عائشة ﵂ «كان رسول الله - ﷺ - يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه» صلوات ربي وسلامه عليه.
وكان علي بن الحسين -﵀- إذا توضأ يصفر لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: تدرون
[ ١٢ ]
بين يدي من أريد أن أقوم؟ ! (١).
وحين استيقظ سليمان بن الأعمش من النوم لحاجة فلم يصب ماء، وضع يده على الجدار فتيمم، ثم نام، فقيل له في ذلك، قال: أخاف أن أموت على غير وضوء (٢).
وذلك امتثالًا لقول الرسول - ﷺ -: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (٣).