كان من تمام محافظتهم على الصلاة القيام بأركانها وواجباتها وسننها ومستحباتها على الوجه الأكمل.
بخشوع وخضوع لله -﷿- وحضور قلب وتدبر وقد مدحهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
[المؤمنون: ٢].
وقال - ﷺ -: «إن الرجل لينصرف ما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» (١).
وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله تعالى صلاة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله -﷿- فيها (٢).
هذا قول عمر بن الخطاب في صدر الإسلام، ماذا عن واقعنا نحن اليوم، والكثير -إلا من رحم ربي- تذهب به أحوال الدنيا كل مذهب، فهو يصلي ببدنه ولكنه يذهب بفكره إلى الدنيا وأسواقها، يبيع ويشتري، ويزيد وينقص .. وما ذاك إلا من الغفلة.
قال الحسن: سمعهم عامر بن عبد قيس وما يذكرون من ذكر الضيعة في الصلاة قال: تجدونه قالوا: نعم، قال: والله لئن تختلف
_________________
(١) أخرجه أبو داود وأحمد وحسنه الألباني.
(٢) الإحياء ١٠/ ٢٠٢.
[ ٢٢ ]
الأسنة في جوفي أحب إلي أن يكون هذا في صلاتي (١).
وهذا -والله- واقع من عرف الله حق معرفته وأدى الصلاة كما يجب ولهذا قال حماد بن سلمة: ما قمت إلى صلاة إلا مثلت لي جهنم (٢).
كيف يا أخي الحبيب ترى صلاة من يخشى الوقوع في نار جهنم؟ إنها صلاة خوف من عذاب الله ورجاء لما عنده، وهي صلاة مودع لما في الدنيا، راج بعمله الدار الآخرة وما فيها، عليك بوصية معاذ بن جبل لابنه: يا بني إذا صليت صل صلاة مودع، لا تظن أنك تعود إليها أبدًا، واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين حسنة قدمها وحسنة أخرها (٣).
فلو وقف كل منا في صلاته هذا الموقف واستشعر هذا الأمر لأتمها كما يجب طاعة لله -﷿-.
يا من له تعنو الوجوه وتخشع ولأمره كل الخلائق تخضع
أعنو إليك بجبهة لم أحنها إلا لوجهك ساجدًا أتضرع (٤)
وهذه وصية بكر المزني تنادي بالحرص على الصلاة وإتمامها
_________________
(١) الزهد للإمام أحمد ٣٢١.
(٢) تذكرة الحفاظ ١/ ٢١٩، وشذرات الذهب ١/ ٢٦٣.
(٣) صفة الصفوة ١/ ٤٩٦.
(٤) ديوان يوسف القرضاوي ٣٢
[ ٢٣ ]
على وجهها الصحيح إذ قال: إذا أردت أن تنفعك صلاتك، فقل: لا أصلي غيرها (١).
لو سرنا على هذا الأمر لتبدل حالنا ولصلح أمرنا ولاستقامت صلاتنا فإن الصلاة زاد المسلم في رحلته من الدنيا إلى الدار الآخرة وأول ما يسأل عنه في قبره.
قال سفيان الثوري: لو رأيت منصور بن المعتمر يصلي لقلت يموت الساعة (٢).
وما ذاك إلا من شدة المحافظة عليها وتأديتها على أكمل وجه، ومن كان هذا دأبه في كل صلواته فلا بد أن تكون له صلاة لا يصلي بعدها أبدًا ويختم له إن شاء الله بخير كما ذكر ذلك عبد الله ابن مسعود: مادمت في صلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يفتح له (٣).
فإن الله أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين لمن أطاعه واستجاب لأوامره واجتنب نواهيه.
قال شبرمة: صحبنا كرزًا الحارثي فكنا إذا نزلنا إلى الأرض فإنما هو قائل ببصره هكذا، ينظر فإذا رأى بقعة تعجبه ذهب فصلى فيها حتى يرتحل (٤).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ٤٦٦.
(٢) صفة الصفوة ٣/ ١١٤.
(٣) صفة الصفوة ١/ ٤١٥.
(٤) صفة الصفوة ٣/ ١٢٠.
[ ٢٤ ]
لأن قلبه معلق بالطاعات مغتنم للساعات، وقته كله عبادة وجد .. وهل في عمر الإنسان وقت للهو والعبث وعمره سنوات معدودة وأنفاس محسوبة؟
اغتنم ركعتين زلفى إلى الله إذا كنت فارغًا مستريحًا
وإذا ما هممت بالنطق بالباطل فاجعل مكانه تسبيحا
فاغتنام السكوت أفضل من خوض وإن كنت بالكلام فصيحا
والأيام المحسوبة واللحظات المعدودة استثمروها في الطاعات واعملوا فيها بجد وحزم رغبة فيما عند الله من النعيم المقيم، فحياتهم كلها عبادة وطاعة، وصلاح وتقوى وقد قيل لعامر بن عبد الله هل تحدثك نفسك في الصلاة بشيء؟
قال: نعم بوقوفي بين يدي الله -﷿- ومنصرفي إلى إحدى الدارين (١).
وانظر إلى حالنا اليوم بم تحدثنا أنفسنا في الصلاة؟
بل إن الخواطر والهواجس تتدافع لكثرتها في الصلاة، فلربما استمرت تلك الأفكار طوال الصلاة، وكأن الصلاة متنفس لإطلاق عنان الأفكار والهواجس، فالبيع يزيد في الصلاة والشراء كذلك،
_________________
(١) الإحياء ١/ ٢٠٢.
[ ٢٥ ]
وحساب الأرباح والخسائر يعاود مع كل صلاة .. بل إن البعض يسافر ويعود وهو يقف أمام الله -جل وعلا- ولو كان هذا الوقوف بين يدي مسئول لوجدت قوة التركيز وشدة الإنصات، فلا تفوته كلمة ولا تغيب عنه شاردة ولا واردة أما في الصلاة فلا يوجد من يؤديها على وجهها الصحيح بدون وساوس وخواطر إلا من رحم ربي وقليل ما هم.
أخي: إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه، حمله الله همومها وغمومها، وأنكادها، ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره (١).
قال أبو عبد الرحمن الأيدي: قلت لسعيد بن عبد العزيز: ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة؟ فقال: يا ابن أخي، وما سؤالك عن ذلك؟ قلت: لعل الله أن ينفعني به، فقال: ما قمت إلى صلاة إلا مثلت لي جهنم (٢).
ولهذا كان عاصم بن أبي النجود إذا صلى ينتصب كأنه عود،
_________________
(١) الفوائد ١١٠.
(٢) السير ٥/ ٢٥٩.
[ ٢٦ ]
وكان يكون يوم الجمعة في المسجد إلى العصر، وكان عابدًا خيرًا يصلي أبدًا، ربما أتى حاجة، فإذا رأى المسجد قال: مل بنا، فإن حاجتنا لا تفوت، ثم يدخل فيصلي.
ومات -﵀- ونحن رحمنا الله لا نزال
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي
حتى يدركه الموت ويأتيه الأجل وهو يلهث وراء الدنيا ويجري خلف الحطام منها ولا يبقى له إلا ما قدم من العمل الصالح.
قال القاسم بن محمد: غدوت يومًا وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة -﵂- أسلم عليها، فغدوت يومًا إليها فإذا هي تصلي الضحى وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، وتبكي وتدعو وتردد الآية فقمت حتى مللت وهي كما هي، فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فقلت: أفرغ من حاجتي ثم أرجع ففرغت من حاجتي ثم رجعت وهي كما هي تردد الآية وتبكي وتدعو (١).
سنة الضحى:
وسنة الضحى هذه غفل عنها أكثر الناس اليوم .. فلا يؤديها
_________________
(١) الإحياء ٤/ ٤٣٦.
[ ٢٧ ]
إلا القليل، والنبي - ﷺ - أوصى أبا هريرة كما في الحديث: «أوصاني خليلي رسول الله - ﷺ -، بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» (١).
واليوم نرى حتى من يحافظ على صلاة الفجر لا يذكر الله إلا قليلًا في هذا الوقت الطويل من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، وهي ساعات طويلة ولحظات غالية نفيسة ربما كانت فيها الغفلة عن الآخرة بذكر الدنيا والتشاغل بها.
يؤمل دنيا لتبقى له فوافى المنية دون الأمل
حثيثًا يروي أصول الفسيل (٢) فعاش الفسيل ومات الرجل (٣)
خشوع السلف:
حب الصلاة والمسارعة إليها وأداؤها على أكمل الوجوه وأتمها ظاهرًا وباطنًا، هي الآية على قدر ما في القلب من حب الله والشوق إلى لقائه والإعراض عنها والتكاسل والتباطؤ عن تلبية داعيها والتكاسل في القيام إليها أو أداؤها منفردة في غير المسجد مع جماعة المسلمين من غير عذر، آية فراغ القلب حقًا من حب الله
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) الفسيل: النخلة الصغيرة.
(٣) تاريخ بغداد ١٢/ ٣١٨.
[ ٢٨ ]
والزهد فيما عنده (١).
ولنر حال السلف في الصلاة وخشوعهم.
فعن ميمون بن حيان قال: ما رأيت مسلم بن يسار متلفتًا في صلاته قط خفيفة ولا طويلة، ولقد انهدمت ناحية المسجد ففزع أهل السوق لهدته وإنه في المسجد في صلاته فما التفت (٢).
وعندما سئل خلف بن أيوب: ألا تؤذيك الذبابة في صلاتك فتطردها قال: لا أعود نفسي شيئًا يفسد علي صلاتي قيل له: وكيف تصبر على ذلك؟ قال: بلغني أن الفساق يصبرون تحت أسواط السلطان فيقال: فلان صبور ويفتخرون بذلك، فأنا قائم بين يدي ربي أفأتحرك لذبابة! ! (٣).
وكان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع.
وكان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته (٤).
وعن مداومتهم على العبادة وكثرة صلاتهم ما قاله عبيد الله بن سليمان حفيد أبي عبيد الله الوزير: أبلى جدنا سجادتين (٥) وشرع في ثالثة وأبلى موضع ركبتيه ووجهه ويديه من كثرة صلاته
_________________
(١) صلاة الجماعة.
(٢) الزهد للإمام أحمد ٣٥٩.
(٣) الإحياء ١/ ١٧٩.
(٤) السير ٦/ ٤٠٠.
(٥) أعرف عابدًا توفي قبل سنوات جرى له قريبًا من ذلك.
[ ٢٩ ]
-﵀- وكان له كل يوم كر (١) دقيق يتصدق به فلما وقع الغلاء، تصدق بكرين.
ولم يكن يشغلهم عن الصلاة شاغل، ولم يكن بينهم وبين الله حائل، فالانتباه مقتصر على الصلاة والخشوع لله.
فقد صلى أبو عبد الله النباحي يومًا بأهل طرسوس، فصيح بالنفير، فلم يخفف لصلاة فلما فرغوا قالوا: أنت جاسوس، قال: ولم؟ قالوا: صيح بالنفير وأنت في الصلاة فلم تخفف، قال: ما حسبت أن أحدًا يكون في الصلاة فيقع في سمعه غير ما يخاطبه به الله -﷿- (٢).
وهم كما قال عنهم العلامة ابن رجب في كتابه لطائف المعارف: لما سمع القوم قول الله ﷿ ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فهموا أن المراد من ذلك أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة، والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية، فكان أحدهم إذا رأى من يعمل عملًا يعجز عنه خشي أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له فيحزن لفوات سبقه، فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم إليها، ثم جاء من بعدهم قوم فعكسوا الأمر فصار تنافسهم في الدنيا الدنيئة
_________________
(١) الكر: يشبع خمسة آلاف إنسان.
(٢) صفة الصفوة ٤/ ٢٧٩.
[ ٣٠ ]
وحظوظها الفانية.
هذا أبو طلحة -﵁-: صلى في حائط وفيه شجر فأعجبه دبس طار في الشجر يلتمس مخرجًا، فأتبعه بصره ساعة ثم لم يدر كم صلى؟
فذكر لرسول الله - ﷺ -، ما أصابه من الفتنة، ثم قال: يا رسول الله هو صدقة فضعه حيث شئت (١).
وصلى رجل في حائط له والنخل مطوقه بثمرها فنظر إليها فأعجبته ولم يدر كم صلى؟ فذكر ذلك لعثمان -﵁- وقال: هو صدقة فاجعله في سبيل الله -﷿- فباعه عثمان بخمسين ألفًا (٢).
وما قدما هذا العمل إلا لعلمهما بعظم أمر الصلاة وشأنها.
ونحن يا أخي سنودع هذه الدنيا بين صلاتين، صلاة أديناها وصلاة ننتظر دخول وقتها، فحري بنا أن نؤدي صلاة مودع في كل صلاة عسى الله أن يختم لنا بخير، ويتقبل منا حسناتنا ويتجاوز -بمنه وكرمه- عن سيئاتنا.
* كان محمد بن إسماعيل «الإمام البخاري» يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى الصلاة، قال: انظروا أيش آذاني (٣).
_________________
(١) الإحياء ١/ ١٩٤.
(٢) الإحياء ١/ ١٩٤.
(٣) السير ١٢/ ٤٤١.
[ ٣١ ]
وهذا الصبر ناتج من عظم خشوعهم واستحضارهم مناجاة ربهم كما قال أبو نصر الفرادس عن سعيد بن عبد العزيز: كنت أسمع وقع دموعه على الحصير في الصلاة (١).
ونحن لقسوة في قلوبنا لا نرى تلك الدموع إلا في شهر رمضان ومن قلة قليلة لانت قلوبهم وخشعوا لربهم وأذلوا
جباههم له.
ولم يمنع الصالحين كبر السن وضعف الجسم عن الوقوف الطويل بين يدي الله فهذا أبو إسحاق السبيعي يقول: ذهبت الصلاة مني، ضعفت ورق عظمي، إني اليوم أقوم في الصلاة فما أقرأ إلا البقرة وآل عمران (٢).
أما عندما ضعف عن القيام بنفسه فإنه كما قال أبو العلاء العبدي: ضعف أبو إسحاق السبيعي عن القيام فكان لا يقدر أن يقوم إلى الصلاة حتى يقام، فإذا أقاموه فاستتم قائمًا قرأ ألف آية وهو قائم (٣).
أما عطاء بن أبي رباح فهو كما قال عنه ابن جريج: لزمت عطاء ثماني عشرة سنة، وكان بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية في البقرة وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك (٤).
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ١/ ٢١٩.
(٢) صفة الصفوة ٣/ ١٠٤.
(٣) صفة الصفوة ٣/ ١٠٥.
(٤) السير ٥/ ٨٧، وصفة الصفوة ٢/ ٢١٣.
[ ٣٢ ]
اجتمعت فيه ثلاثة أمور: كبر سن، وضعف، وقراءة طويلة ثم هو خاشع لا يزول منه شيء ولا يتحرك.
لنرى حال عبد الله بن الزبير -﵁- وهو المعروف بطول صلاته قال عنه مسلم بن بناق المكي: ركع ابن الزبير ركعة، فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه (١).
ويؤكد لنا نشاطهم في العبادة ما قاله الوليد بن علي.
كان سويد بن غفلة يؤمّنا في شهر رمضان في القيام وقد أتى عليه عشرون ومائة سنة.
وكان معروف (ابن وصل التيمي) إمام مسجد بني عمرو بن سعد، وكان يختم القرآن في كل ثلاثة سفرًا وحضرًا، أم قومه ستين سنة لم يسه في صلاة قط، لأنها تهمه.
وكان طلق بن حبيب يقول: إني لأحب أن أقوم لله حتى أشتكي ظهري، فيقوم فيبتدئ بالقرآن حتى يبلغ سورة الحجر ثم يركع.
وقال ثابت البناني: كنت أمر بعبد الله بن الزبير وهو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك (٢).
وإلى الله المشتكى، أسرع شيء يؤدى في حياتنا الصلاة فمنا من ينقرها نقرًا ومنا من لا يخشع الخشوع الواجب، ويغلب على
_________________
(١) البداية والنهاية ٨/ ٣٥٩ وصفة الصفوة: ١/ ٧٦٧.
(٢) البداية والنهاية ٨/ ٣٥٨.
[ ٣٣ ]
الكثرة تأدية الصلاة بلا اهتمام ولا حرص.
ولو تأملنا في مصالح حياة هذا المصلي، لرأينا الدقة والحرص والتأني والتمهل والأخذ والعطاء في سبيل دريهمات تزيد له.
ما بالنا هكذا عن الصلاة معرضون ولواجباتنا مضيعون؟
لقد كان عبد الله بن مسعود إذا قام في الصلاة كأنه ثوب ملقى (١).
وكان سعيد بن جبير إذا قام إلى الصلاة كأنه وتد (٢).
أخي الحبيب أين نحن من هؤلاء؟
هذا عبد الله بن الزبير يركع فيكاد الرخم أن يقع على ظهره، ويسجد فكأنه ثوب مطروح (٣).
إننا نستغرب من ذلك الخشوع وتلك الطمأنينة وما ذاك إلا لأننا لا نرى هذا في واقع حياتنا وإلا فإن ..
العنبس بن عقبة كان يسجد حتى تقع العصافير على ظهره، فكأنه جذم حائط (٤).
ونسير مع الصالحين فهذا أبو بكر بن عياش يقول: رأيت حبيب بن أبي ثابت ساجدًا فلو رأيته قلت ميت، يعني من طول
_________________
(١) الزهد للإمام أحمد ٢٣١.
(٢) صفة الصفوة ٣/ ٧٧.
(٣) البداية والنهاية ٨/ ٣٥٩.
(٤) الزهد ٤٩٦.
[ ٣٤ ]
السجود (١).
وكان إبراهيم التيمي إذا سجد كأنه جذم حائط ينزل على ظهره العصافير (٢).
أما ابن وهب فقد قال: رأيت الثوري في الحرم بعد المغرب صلى ثم سجد سجدة، فلم يرفع حتى نودي بالعشاء (٣).
رفع لهم علم الجنة فشمروا إليه، ووضح لهم صراطها المستقيم فاستقاموا عليه، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، في أبد لا يزول ولا ينفد بصبابة عيش إنما هو كأضغاث أحلام، أو كطيف زار في المنام مشوب بالنغص، ممزوج بالغصص، إن أضحك قليلًا أبكى كثيرًا، وإن سر يومًا أحزن شهورًا، آلامه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف أضعاف مسراته، أوله مخاوف وآخره متالف.
قال أبو قطن: ما رأيت شعبة بن الحجاج قد ركع إلا ظننت أنه نسي، ولا سجد إلا قلت نسي (٤).
وقال علي بن الفضيل: رأيت الثوري ساجدًا فطفت سبعة أسابيع (٥) قبل أن يرفع رأسه (٦).
_________________
(١) السير ٥/ ٢٩١.
(٢) السير ٥/ ٦١.
(٣) السير ٧/ ٢٦٦.
(٤) تذكرة الحفاظ ١/ ١٩٣.
(٥) الأسبوع هنا الطواف الكامل حول الكعبة مرة واحدة.
(٦) السير ٧/ ٢٧٧.
[ ٣٥ ]
أخي الحبيب .. أين نحن من هؤلاء؟ ! !
موت التقي حياة لا انقطاع لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء (١)
ورغم تلك العناية بالصلاة وشدة المحافظة عليها فإن عثمان بن أبي دهرش، قال: ما صليت صلاة قط إلا استغفرت الله تعالى من تقصيري فيها.
ولنر ماذا يقولون عن صلاتهم .. ورسم حالهم؟ فقد قال معاوية بن مرة: أدركت سبعين رجلًا من أصحاب محمد - ﷺ - ولو خرجوا فيكم اليوم ما عرفوا شيئًا مما أنتم عليه اليوم إلا الأذان (٢).
أما ميمون بن مهران فقد قال: لو نشر فيكم رجل من السلف ما عرف إلا قبلتكم، هذا في القرون الأولى -فماذا عنا نحن-.
أخي الكريم:
زماننا لاح للعاقل تغيره ولاح للبيب تبدله، يبس ضرعه بعد الغزارة، وذبل فرعه بعد النضارة، ونحل عوده بعد الرطوبة، وبشع مذاقه بعد العذوبة.
لنرى صورة أخرى معبرة عن أدائهم للصلاة فعندما سئل حاتم الأصم -﵁- عن صلاته فقال: إذا حانت الصلاة
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٢٠٧.
(٢) حلية الأولياء ٢/ ٢٩٩.
[ ٣٦ ]
أسبغت الوضوء وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم إلى صلاتي، وأجعل الكعبة بين حاجبي والجنة عن يميني، والنار عن شمالي، وملك الموت ورائي، أظنها آخر صلاتي ثم أقوم بين الرجاء والخوف، وأكبر تكبيرًا بتحقيق وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعًا بتواضع، وأسجد سجودًا بتخشع وأقعد على الورك الأيسر وأفرش ظهر قدمها وأنصب القدم اليمنى على الإبهام وأتبعها الإخلاص ثم لا أدري أقبلت مني أم لا (١)؟
والناس في الصلاة على مراتب خمسة:
إحداها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط، الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.
الثانية: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار.
الثالثة: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته فهو في صلاة وجهاد.
الرابعة: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئًا منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها وإتمامها، وقد
_________________
(١) الإحياء ١/ ١٧٩.
[ ٣٧ ]
استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه ﵎ فيها.
الخامسة: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه -﷿- ناظرًا بقلبه إليه مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات وارتفعت حجبتها بينه وبين ربه فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه -﷿- قرير العين به.
فالقسم الأول: معاقب.
والثاني: محاسب.
والثالث: مكفر عنه.
والرابع: مثاب
والخامس: مقرب من ربه لأن له نصيبًا ممن جعلت قرة عينه في الصلاة (١).
فمن قرت علينه بصلاته في الدنيا قرت عينه بقربه من ربه -﷿- في الآخرة، وقرت عينه أيضًا في الدنيا، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله -تعالى- تقطعت نفسه على الدنيا حسرات (٢).
_________________
(١) وهو رسول الله - ﷺ - ففي الحديث: «حبب إلي من ديناكم الطيب، والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة» أخرجه النسائي. وأحمد وصححه الألباني.
(٢) فضائل الذكر لابن الجوزي ٢٧.
[ ٣٨ ]
قال بعض السلف: ابن آدم، أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة، وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة فزت بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظامًا (١).
وصدأ القلوب يا أخي الكريم -بأمرين- بالغفلة والذنب.
وجلاؤها بشيئين: بالاستغفار والذكر فمن كانت الغفلة أغلب وقته، كان الصدأ متراكبًا على قلبه وصدؤه بحسب غفلته، وإذا صدأ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صورة الحقائق، كما هي عليه، فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران، فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلًا وهذا أعظم عقوبات القلب، وأصل ذلك من الغفلة وابتاع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره (٢).
وكيف يلذ العيش من هو عالم بأن إله الخلق لا بد سائله
فيأخذ من ظلمه لعباده
_________________
(١) فضائل الذكر لابن الجوزي ١٩.
(٢) فضائل الذكر لابن الجوزي ٤٦.
[ ٣٩ ]
ويجزيه بالخير الذي هو فاعله (١)
قال طلق بن حبيب: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العبد ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين (٢).
أخي الحبيب .. قال - ﷺ -، عند موته يوصي أمته: «الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم» (٣).
فلا يفقدك الله حيث أمرك ويجدك حيث نهاك.
_________________
(١) شرح الصدور ٢٩٥.
(٢) الإحياء ٤/ ١٦.
(٣) رواه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني.
[ ٤٠ ]