أخي الحبيب:
بعد أن عشنا بين تلك السطور التي يفيض الإيمان بين جوانحها ويزدهر الخير في جذورها.
فلا نرى إلا مصليًا قائمًا ولا نلمح إلا ملبيًا النداء مسرعًا .. حري بنا أن نعرف حكم تارك الصلاة لعظم الأمر وخطورته ونهب مسرعين إلى أقاربنا وجيراننا وأحبابنا لإنقاذهم من النار .. قراءة متأنية لتلك الأحكام تجعلك تسارع داعيًا من تعرف تهاونه بالصلاة لعل الله أن يفتح على قلبه وينير طريقه.
سئل الشيخ محمد بن عثيمين السؤال التالي:
* ماذا يفعل الرجل إذا أمر أهله بالصلاة ولكنهم لم يستمعوا إليه هل يسكن معهم ويخالطهم أم يخرج من البيت؟
فأجاب حفظه الله:
إذا كان هؤلاء الأهل لا يصلون أبدًا فإنهم كفار، مرتدون، خارجون عن الإسلام ولا يجوز أن يسكن معهم ولكن يجب عليه أن يدعوهم ويلح ويكرر لعل الله يهديهم لأن تارك الصلاة كافر -والعياذ بالله- بدليل الكتاب والسنة، وقول الصحابة والنظر الصحيح.
أما من القرآن فقوله تعالى عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ مفهوم الآية أنهم إذا لم يفعلوا ذلك فليسوا إخوانًا لنا، ولا تنتفي الأخوة الدينية بالمعاصي،
[ ٤١ ]
وإن عظمت ولكن تنتفي عند الخروج عن الإسلام.
أما من السنة فقول النبي - ﷺ - «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» ثابت في صحيح مسلم، وقوله في حديث بريدة -﵁- في السنن: «والعهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».
أما أقوال الصحابة: قال أمير المؤمنين عمر -﵁-: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة» والحظ: النصيب، وهو هنا نكرة في سياق النفي فيكون عامًا لا نصيب لا قليل ولا كثير، وقال عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب النبي - ﷺ - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة».
أما من جهة النظر الصحيح فيقال: هل يعقل أن رجلًا في قلبه حبة خردل من إيمان يعرف عظمة الصلاة وعناية الله بها ثم يحافظ على تركها؟ هذا شيء لا يمكن وقد تأملت الأدلة التي استدل بها من يقول أنه لا يكفر فوجدتها لا تخرج عن أحوال أربع:
١ - إما أنها لا دليل فيها أصلًا.
٢ - أو أنها قيدت بوصف يمتنع مع ترك الصلاة.
٣ - أو أنها قيدت بحال يعذر فيها من ترك هذه الصلاة.
٤ - أو أنها عامة فتخصص بأحاديث كفر تارك الصلاة.
وإذا تبين أن تارك الصلاة كافر فإنه يترتب عليه أحكام المرتدين، وليس في النصوص أن تارك الصلاة مؤمن أو أنه يدخل الجنة أو ينجو من النار ونحو ذلك مما يحوجنا إلى تأويل الكفر الذي
[ ٤٢ ]
حكم به على تارك الصلاة بأنه كفر نعمة أو كفر دون كفر - ومنها:
أولًا: أنه لا يصح أن يزوج فإن عقد له وهو لا يصلي فالنكاح باطل ولا تحل له الزوجة به لقوله تعالى عن المهاجرات: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ سورة الممتحنة.
ثانيًا: أنه إذا ترك الصلاة بعد أن عقد له فإن نكاحه ينفسخ ولا تحل له الزوجة، للآية التي ذكرناها سابقًا، على حسب التفصيل المعروف عند أهل العلم بين أن يكون ذلك قبل الدخول أبو بعده.
ثالثًا: أن هذا الرجل الذي لا يصلي إذا ذبح لا تؤكل ذبيحته لماذا؟ لأنها حرام، ولو ذبح يهودي أو نصراني فذبيحته يحل لنا أن نأكلها فيكون -والعياذ بالله- ذبحه أخبث من ذبح اليهود والنصارى.
رابعًا: أنه لا يحل له أن يدخل مكة أو حدود حرمها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
خامسًا: أنه لو مات أحد من أقاربه فلا حق له في الميراث، فلو مات رجل عن ابن له لا يصلي -الرجل مسلم يصلي والابن لا يصلي- وعن ابن عم له بعيد -عاصب- من الذي يرثه؟ ابن عمه البعيد دون ابنه لقول النبي - ﷺ -، في حديث أسامة: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» [متفق عليه]، ولقوله - ﷺ -: «الحقوا
[ ٤٣ ]
الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر» [متفق عليه]، وهذا مثال ينطبق على جميع الورثة.
سادسًا: أنه إذا مات لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين، إذا ماذا نصنع به؟ نخرج به إلى الصحراء ونحفر له وندفنه بثيابه لأنه لا حرمة له وعلى هذا فلا يحل لأحد مات عنده ميت وهو يعلم أنه لا يصلي أن يقدمه للمسلمين يصلون عليه.
سابعًا: أنه يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وأئمة الكفر -والعياذ بالله- ولا يدخل الجنة ولا يحل لأحد من أهله أن يدعوا له بالرحمة والمغفرة، لأنه كافر لا يستحقها لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
فالمسألة يا إخواني خطيرة جدًا، ومع الأسف فإن بعض الناس يتهاونون في الأمر ويقرون في البيت من لا يصلي وهذا لا يجوز.
هذا حكم من ترك الصلاة رجلًا أو امرأة يا من تركت الصلاة، أو تساهلت بها تدارك بقية العمر بالعمل الصالح فلا تدري كم بقي من عمرك هل بقي شهور أو أيام أو ساعات العلم إلى الله وتذكر دائمًا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ [طه: ٧٤]، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [سورة النازعات].
[ ٤٤ ]
وفقك الله لكل خير وفلاح وجعل الله أيامك سعادة وهناء في ظل شريعة الله علمًا وعملًا ودعوة.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٤٥ ]