ذلك كله، وعلى أن أصل صحة البدن تدبير الغذاء بأن يأكل ويشرب ما ينفعه ويقيم صحته وقوته، وعلى الأمر بالاقتصاد في الغذاء والتدبير الحسن، لأنه لما أمر بالأكل والشرب نهى عن السرف، وعلى أن السرف منهي عنه، وخصوصًا في الأطعمة والأشربة، فإن السرف يضر الدين والعقل والبدن والمال.
أما ضرره الديني: فكل من ارتكب ما نهى الله ورسوله عنه فقد انجرح دينه، وعليه أن يداوي هذا الجرح بالتوبة والرجوع.
وأما ضرره العقلي: فإن العقل يحمل صاحبه أن يفعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي، ويوجب له أن يدبر حياته ومعاشه، ولهذا كان حسن التدبير في المعاش من أبلغ ما يدل على عقل صاحبه، فمن تعدى الطور النافع غلى طور الإسراف الضار، فلا ريب أن ذلك لنقص عقله، فإنه يستدل على نقص العقل بسوء التدبير.
وأما ضرره البدني: فإن من أسرف بكثرة المأكولات والمشروبات انضَّر بدنه واعتراه أمراض خطيرة، وكثير من الأمراض إنما تحدث بسبب الإسراف في الغذاء، ثم إنه ينضر أيضًا من وجه آخر، فإن من عوَّد بدنه شيئًا اعتاده، فإذا عوده كثرة الأكل أو أكل الأطعمة المتنوعة فربما تعذرت في بعض الأحوال لفقر أو غيره، وحينئذ يفقد البدن ما كان معتادًا فتنحرف صحته.
وأما ضرره المالي: فظاهر، فإن الإسراف يستدعي كثرة النفقات، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا
[ ١١ ]
مَحْسُورًا﴾ (١)؛ أي تلام على ما فعلت، لأنه في غير طريقه، (محسورًا) فارغ اليد.
وإخباره أنه لا يحب المسرفين، دليل على أنه يحب المقتصدين، ففي هذه الآية إثبات صفة المحبة لله، وأنها تتعلق بما يحبه الله من الأشخاص والأعمال والأحوال كلها، فسبحان من جعل كتابه كنوزًا للعلوم النافعة المتنوعة (٢).
والإسراف أخي المسلم هو الزيادة التي لا وجه لها، مثل زيادة الطعام والشراب بلا حاجة.
وأما التبذير فهو: صرف الأموال في غير وجهها، إما في المعاصي، وإما في غير فائدة لعبًا وتساهلًا بالأموال ..
وكلا الأمرين -الإسراف والتبذير- مذمومان بنص كتاب الله ﷿ .. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (٣)، وقال في الإسراف: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٤).
ثم تأمل نهاية الأكل وإلى أين يصير؟ هذه مولاة لداود الطائي تخدمه، فقالت له: لو طبخت لك دسمًا تأكله؟ قال: وددت، فطبخت له دسمًا ثم أتت به، فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟ قالت:
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٢٩.
(٢) المجموعة السعدية ٨/ ٤٥٣.
(٣) سورة الإسراء، الآيتان: ٢٦، ٢٧.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ٣١.
[ ١٢ ]
على حالهم، قال: اذهبي به إليهم، فقالت: أنت لم تأكل أدمًا منذ كذا وكذا، قال: إن هذا إذا أكلوه كان عند الله مذخورًا، وإذا أكلته كان في الحش (١).
وكانت حالهم حال المنفق المتصدق؛ من يُقدم ولا يؤخر، وينفق ولا يقبض رغم قلة الحال وضيق ما في اليد.
هذا أبو الحسين النوري مكث عشرين سنة يأخذ من بيته رغيفين، ويخرج ليمضي إلى السوق فيتصدق بالرغيفين، ويدخل المسجد فلا يزال يركع حتى يجيء وقت سوقه، فإذا جاء الوقت مضى إلى السوق فيُظنُّ أنه قد تغدى في بيته ومن هم في بيته عندهم أنه قد أخذ منه غداءه؛ وهو صائم! !
وهذا الإنفاق وسيلة إلى التقرب إلى الله ﷿ بدفعه والتصدق به على المحتاجين ومساعدة المعسرين! !
قال عبيد بن عمير: يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأعطش ما كانوا قط، فمن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن كسا لله كساه الله.
يقول ابن القيم ﵀: فإن من بخل بماله أن ينفقه في سبيل الله وإعلاء كلمته سلبه الله إياه أو قيض له إنفاقه فيما لا ينفعه دنيا ولا أخرى، وإن حبسه وادخره منعه التمتع به ونقله إلى غيره فيكون له مهنؤه، وعلى مخلفه وزره، وكذلك من رفّه بدنه وعرضه
_________________
(١) تاريخ بغداد ٨/ ٣٥٣.
[ ١٣ ]