ورفعة، حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك" (١).
وكان عبد الله بن عمر لا يأكل طعامًا إلا وعلى خوانه يتيم (٢).
ومن دقيق نعم الله على العبد، التي لا يكاد يفطن لها، أنه يغلق عليه بابه، فيرسل الله إليه من يطرق عليه الباب يسأله شيئًا من القتت، ليعرف نعمته عليه (٣).
ثم يكرمه الله ﷿ بسخاء اليد وطيب النفس فيعين أهل الكرب وأصحاب الحاجات، ويساعد الأرامل والأيتام سعيًا وطلبًا لمرضاة الله ﷿.
كان الحسن يقول: رحم الله عبدًا جعل العيش عيشًا واحدًا، فأكل كسرة، ولبس خلقًا، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، ابتغاء الرحمة حتى يأتيه أجله وهو على ذلك (٤).
خلقان لا ارضى مفالهما بطر الغنى ومذلة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطرًا وإذا افتقرت على الدهر (٥)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣٢/ ٢١٢.
(٢) حلية الأولياء ١/ ٢٩٩.
(٣) عدة الصابرين، ص ١٧٤.
(٤) الزهد للبيهقي ٢/ ٦٥.
(٥) السير ٤/ ٢٧٦.
[ ٣٧ ]
قال عبد الله بن شبرمة: عجبت للناس يحتمون من الطعام مخافة الداء، ولا يحتمون من الذنوب مخافة النار (١).
ومن صور الورع العجيبة: أن امرأة من الصالحات أتاها نعي زوجها وهى تعجن، فرفعت يديها من العجين وقالت هذا طعام قد صار لنا في شريك (٢).
وأعظم من ذلك ورع الصديق أبي بكر ﵁، قال زيد بن أرقم ﵁: كنا مع أبي بكر الصديق ﵁ فدعا بشراب، فأتي بماء وعسل، فلما أدناه من فيه، بكي وبكى حتى أبكى أصحابه، فسكتوا وما سكت، ثم عاد وبكى، حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته، قال: ثم مسح عينيه، فقالوا: يا خليفة رسول الله، ما أبكاك؟ فقال: كنت مع رسول الله، فرأيته يدفع عن نفسه شيئًا، ولم أر معه أحدًا، فقلت: يا رسول الله، ما الذي تدفع عن نفسك؟ قال: "هذه الدنيا مثلت لي، فقلت لها: إليك عني، فرجعت، فقالت: إنك إن أفلتَّ مني فلن يفلت مني من بعدك" (٣).
قال سهل: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، عَلم أو لم يعلم، ومن كانت طعمته حلالًا أطاعته جوارحه، ووفقت للخيرات.
_________________
(١) السير ٦/ ٣٤٨.
(٢) تعني الورثة ومن له حق.
(٣) عدة الصابرين، ص ٢٥٧.
[ ٣٨ ]