وآثر راحته على التعب لله وفي سبيله أتعبه الله ﷾ أضعاف ذلك في غير سبيله ومرضاته، وهذا أمر يعرفه الناس بالتجارب، قال أبو حازم: لما يلقى الذي لا يتقي الله من معالجة الخلق أعظم مما يلقى الذي يتقي الله من معالجة التقوى.
واعتبر ذلك بحال إبليس فإنه امتنع من السجود لآدم فرارًا أن يخضع له ويذل وطلب إعزاز نفسه، فصيره الله أذل الأذلين، وجعله خادمًا لأهل الفسوق والفجور من ذريته، فلم يرض بالسجود له ورضي أن يخدم هو وبنوه فساق ذريته، وكذلك عباد الأصنام أنِفوا أن يتبعوا رسولًا من البشر وأن يعبدوا إلهًا واحدًا سبحانه، ورضوا أن يعبدوا آلهة من الأحجار (١).
ومن فوائد الجوع وعدم الإكثار من الأكل ما قاله أبو سليمان الداراني: إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق، وإذا شبعت ورويت عمي القلب (٢).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما فضول الطعام فهو داعٍ إلى أنواع كثيرة من الشر، فإنه يحرك الجوارح إلى المعّاصي، ويثقلها عن الطاعات؛ وحسبك بهذين شرًا. فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام، وكم من طاعة حال دونها، فمن وقي شر بطنه فقد وقي شرًا عظيمًا، والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ
_________________
(١) حكمة الابتلاء لابن القيم، ص ٥١.
(٢) جامع العلوم والحكم، ص ٥١٧.
[ ١٤ ]
بطنه من الطعام.
ثم قال: ولو لم يكن من الامتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله ﷿ وإذا غفل القلب عن الذكر ساعة واحدة جثم عليه الشيطان، ووعده ومنَّاه، وشهَّاه، وهام به في كل واد، فإن النفس إذا شبعت تحركت، وجالت، وطافت على أبواب الشهوات، وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت (١).
ومع كثرة ما حبانا الله ﷿ به من النعم الكثيرة والخيرات العظيمة احذر ايها الحبيب أن تكون ممن قال عنهم بلال بن سعد: رُبَّ مسرور مغبون، يأكل ويشرب ويضحك، وقد حُقَّ له في كتاب الله ﷿ أنه من وقود النار (٢).
أفلح الزاهدون والعابدون إذ لمولاهم أجاعوا البطونا
أسهروا الأعين العليلة حبًا فانقضى ليلهم وهم ساهرونا (٣)
قال المروزي: قال لي رجل: كيف ذاك المتنعم؟ (أحمد بن حنبل) قلت له: وكيف هو متنعم؟ قالك أليس يجد خبزًا يأكل وله امرأة يسكن إليها ويطأها؟ فذكرت ذلك لأبي عبد الله فقال: صدق، وجعل يسترجع فقال: إنا لنشبع (٤).
وتأمل حديث الرسول - ﷺ - بعين فاحصة وقلب واع: "من
_________________
(١) بدائع الفوائد ٢/ ٢٧٣.
(٢) صفة الصفوة ٤/ ٢١٨.
(٣) الإحياء ١/ ٣٦٦.
(٤) جامع العلوم والحكم، ص ٥١٧.
[ ١٥ ]
أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده وعنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (١).
ونحن في زمن مال فيه كثير من الناس إلى الإسراف والبذخ والتفاخر بالمآكل والمشارب والمراكب والمساكن. هذا الحسن يروي لنا حال من سبقنا ممن همهم الدار الآخرة ووجهتهم العبادة .. قال: أدركت -والذي نفسي بيده- أقوامًا ما أمر أحدهم بصنعة طعام قط، فإن قرب إليه شيء أكله وإلا سكت، لا يبالي حارًا كان أو باردًا، وما افترش أحدهم بينه وبين الأرض فراشًا قط، وإنما يتوسد يده فيهجع من الليل، ثم يقوم فيبيت ليلته راكعًا ساجدًا، يرغب إلى الله في فك رقبته (٢).
وقال رجل للحسن: ما تقول في رجل آتاه الله مالًا فهو يتصدق منه ويصل منه، أيحسب له أن يتعيش فيه (يعني يتنعم)؟ فقال: لا، لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف ويقوِّم ذلك ليوم فقره (٣).
فإن مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب، ولا طريق إلى الوصول للقاء الله إلا بالعلم والعمل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة
_________________
(١) رواه الترمذي وابن ماجه.
(٢) حلية الأولياء ٦/ ٢٧٠.
(٣) مكاشفة القلوب، ص ١٥٦.
[ ١٦ ]
والأقوات والتناول منها بقدر الحاجة على تكرر الأوقات، فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل من الدين، وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (١).
فمن يُقْدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل ويتقوى به على التقوى فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملًا سدىً يسترسل في الأكل استرسال البهائم في مرعى، فإن ما هو ذريعة إلى يوم الدين ووسيلة إليه ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه. وإنما أنوار الدين آدابه وسننه التي يزم العبد بزمامها ويلجم المتقي بلجامها، حتى يتزن بميزان الشرع شهوة الطعام في إقدامه وإحجامها، فيصير بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر وإن كان فيها أو في حظ للنفس، قال رسول الله - ﷺ -: "إن الرجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه وإلى في امرأته". وإنما ذلك إذا رفعها بالدين وللدين مراعيًا فيه آدابه ووظائفه.
أخي الحبيب:
إذا اجتمع الإسلام والقوت للفتى وكان صحيحًا جسمه وهو في أمن
فقد ملك الدنيا جميعًا وحازها وحلَّ عليه الشكر لله ذي المن
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآية: ٥١.
[ ١٧ ]