الحرام: انظر درهمك من اين هو؟ وصلِّ في الصف الأول (١).
ويستطيع من أعانه الله أن يجمع بين الأمرين من أكل الحلال والصلاة في الصف الأول! !
قال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الحمية رأس الدواء والبطنة رأس الداء.
وقال الحارث أيضًا: الذي قتل البرية وأهلك السباع في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام.
وقال غيره: لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ لقالوا التخم.
فهذا بعض منافع قليل الغذاء وترك التملؤ من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته. وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه فإن قلة الغذاء يوجب رقة القلب وقوة الفهم وانكسار النفس وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء يوجب ضد ذلك.
قال الحسن: يا ابن آدم! كل في ثلث بطنك واشرب في ثلثه ودع ثلث بطنك يتنفس ويتفكر.
وقال المرزوي: جعل أبو عبد الله (يعني الإمام أحمد بن حنبل) يعظم من الجوع والفقر، فقلت له: يؤجر الرجل في ترك الشهوات؟ فقال: وكيف لا يؤجر وابن عمر يقول: ما شبعت منذ ثلاثة أشهر، قلت لأبي عبد الله: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟ قال: ما أرى.
_________________
(١) حلية الأولياء ٧/ ٦٨.
[ ٥٤ ]
وعن ابن عمر قال: ما شبعت منذ أسلمت.
أما محمد بن واسع فهو يقول: من قل طعامه فهم وأفهم وصفا ورقّ، وإن كثير الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد.
وعن أبي عبيدة الخواص قال: حتفك في شبعك، وحفظك في جوعك، إذا أنت شبعت ثقلت فمنت استمكن منك العدو فجثم عليك، وإذا أنت تجوعت كنت للعدو بمرصد.
وعن عمرو بن قيس قال: إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب.
وعن سلمة بن سعيد قال: إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله.
وعن بعض العلماء قال: إذا كنت بطينًا فاعدد نفسك زمنًا حتى تخمص.
وعن ابن الأعرابي قال: كانت العرب تقول: ما بات رجل بطينًا فتم عزمه.
وعن أبي سليمان الداراني قال: إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها فإن الأكل يغير العقل.
وَاسْعَ أخي المؤمن في فكاك رقبتك والسعي نحو نجاتك، ولا يكن همك في هذه الدنيا منصرفًا عن العبادة إلى الأكل والشرب، بل اجعلها عونًا على الطاعة.
قال مالك بن دينار: ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همه وأن تكون شهوته هى الغالبة (١).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، ص ٤٢٥.
[ ٥٥ ]
قال النابغة:
ولست بجالس لغد طعامًا حذار غير لكل غد طعام
قال بشر بن الحارث: ما شبعت منذ خمسين سنة.
وقال: ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم في الحلال لأنه إذا شبع من الحلال دعته نفسه إلى الحرام فكيف في هذه الأقدار؟ (١).
أخي المسلم:
لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم (٢).
وقال الحكيم الخبير جل شأنه وعظم سلطانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٣).
قال بعض العلماء: جمع الله بهذه الآيات الطب كله (٤).
جسمك بالحمية أحصنته مخافة من ألم طارئ
وكان أولى بك أن تحتمي من المعاصي خشية البارئ (٥)
عن بلال بن تعب قال: كان طاوس إذا خرج من اليمن (يعني إلى مكة) لم يشرب إلا من تلك المياه القديمة الجاهلية.
وقال الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل، وليس أكل
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، ص ٥١٨.
(٢) جامع العلوم والحكم، ص ٥١٧.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ٣١.
(٤) جامع العلوم والحكم، ص ٥١٥.
(٥) تذكرة السامع والمتكلم، ص ١٢١.
[ ٥٦ ]