قال أبو إسحاق الطبري: كان النجاد يصوم الدهر ويفطر على رغيف ويترك لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة أكل تلك اللقم التي استفضلها وتصدق بالرغيف (١).
أولئك قوم قال عنهم الحسن: والله لقد أدركت أقوامًا ما طُوي لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض شيئًا قط! ! (٢).
وقال الحسن بن يحيى: من أراد أن تغزر دموعه ويرق قلبه فليأكل وليشرب في نصف بطنه.
قال أحمد ابن أبي الحواري: فحدثت بهذا أبا سليمان فقال: إنما جاء الحديث: "ثلث طعام وثلث شراب" وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سدسًا.
وقال محمد بن النضر: الجوع يبعث على البر كما تبعث البطنة على الأشر.
وقد ندب النبي - ﷺ - إلى الإقلال من الأكل في حديث المقدام وقال: "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"، وفي الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: "المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء". والمراد أن المؤمن يأكل بآداب الشرع فيأكل في معي واحد، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشدة والنهم فيأكل في سبعة أمعاء.
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٦٨.
(٢) حلية الأولياء ٢/ ١٤٦.
[ ٣٣ ]
وندب - ﷺ - مع الإقلال من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه، فقال: "طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة".
فأحسن ما أكل المؤمن في ثلث بطنه وشرب في ثلث وترك للنفس ثلثًا؛ فإن كثرة الشرب تجلب النوم وتفسد الطعام.
قال سفيان: كل ما شئت ولا تشرب، فإذا لم تشرب لم يجئك النوم.
وقال بعض السلف: كان شباب يتعبدون في بني إسرائيل، فإذا كان فطرهم قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيرًا فتناموا كثيرًا فتخسروا كثيرًا.
وقد كان النبي - ﷺ - وأصحابه يجوعون كثيرًا ولا يشربون كثيرًا يتقللون من أكل الشهوات، وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام، إلا أن الله لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها، ولهذا كان ابن عمر يتشبه به في ذلك مع قدرته على الطعام وكذلك أبوه من قبله.
وفي الصحيحين عن عائشة قالت: "ما شبع آل محمد - ﷺ - من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض".
وخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "ما شبع رسول الله - ﷺ - من طعام ثلاثة أيام حتى قبض". وعنه قال: "خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبز شعير".
وفي صحيح مسلم عن عمر أنه خطب فذكر ما أصاب الناس
[ ٣٤ ]