ينبغي لطالب العلم أن يكون جل همته مصروفًا إلى الحفظ والإعادة. فلو صح صرف الزمان إلى ذلك كان الأولى، غير أن البدن مطية، وإجهاد السير مظنة الانقطاع.
ولما كانت القوى تكل فتحتاج إلى تجديد، وكان النسخ والمطالعة والتصنيف لابد منه، مع أن المهم الحفظ، وجب تقسيم الزمان على الأمرين، فيكون الحفظ في طرفي النهار وطرفي الليل، ويوزع الباقي بين عمل بالنسخ والمطالعة، وبين راحة للبدن وأخذ لحظه.
ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء، فإنه متى أخذ أحدهم فوق حقه أثر الغبن وبان أثره، وإن النفس لتهرب إلى النسخ والمطالعة والتصنيف عن الإعادة والتكرار؛ لأن ذلك أشهى وأخف عليها.
فليحذر الراكب من إهمال الناقة، ولا يجوز له أن يحمل عليها ما لا تطيق.
ومع العدل والإنصاف يتأتى كل مراد.
ومن انحرف عن الجادة طالت طريقه.
ومن طوى منازل في منزل أوشك أن يفوته ما جد لأجله،
على أن الإنسان إلى التحريض أحوج؛ لأن الفتور ألصق به من الجد.
وبعد، فاللازم في العلم طلب المهم، فرب صاحب حديث حفظ مثلًا لحديث: من أتى الجمعة فليغتسل: عشرين طريقًا، والحديث قد
[ ٩٤ ]
ثبت من طريق واحد، فشغله ذلك عن معرفة آداب الغسل.
والعمر أقصر وأنفس من أن يفرط منه في نفس.
وكفى بالعقل مرشدًا إلى الصواب، وبالله التوفيق (١).
أخي المسلم:
هذا أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن القصري كان يقول: لي أربع وسبعون سنة ما جف لي قلم. وكان ربما باع بعض ثياب فاشترى بثمنها كتابًا.
وعندما وصل أبو جعفر القصري إلى مدينة سوسة لزيارة صديق له، فوجد صديقه هذا قد ألف كتابًا، ولم يكن مع أبي جعفر مال يشتري به ورقًا لينقل فيه هذا الكتاب، فباع أبو بكر قميصه الذي كان عليه واشترى بثمنه ورقًا كتب فيه الكتاب ورجع به معه إلى القيروان.
ورحل عبد الله بن القاسم إلى مالك بن أنس ﵀ بالمدينة، ليطلب العلم على يديه، قال ابن القاسم: فكنت آتي مالكًا غلسًا (آخر الليل) فأسأله مسألة أو ثلاثًا أو أربعًا، وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراح صدر، فكنت آتيه في كل سحر، فتوسدت مرة عتبة بابه أنتظر خروجه لصلاة الفجر لأسأله عن مسائل، فغلبتني عيناي فنمت، وخرج الإمام مالك إلى المسجد ولم أشعر به، فجاءت جارية مالك السوداء، فركضتني برجلها وقالت: إن مولاك أيها العبد قد خرج للمسجد، ليس يغفل كما أنت تغفل، له اليوم تسع وأربعون سنة ما صلى الفجر إلا بوضوء العشاء (٢).
_________________
(١) صيد الخاطر ص ٢٧٩.
(٢) ترتيب المدارك ٣/ ٢٥٠.
[ ٩٥ ]
قال ابن الجوزي: تأملت عجبًا، وهو أن كل شيء نفيس خطير، يطول طريقه ويكثر التعب في تحصيله، فإن العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي أكل الهريسة ولا أقدر؛ لأن وقت بيعها هو وقت سماع الدرس.
وقد أحسن من قال:
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
وقال أبو محمد الثقفي: سمعت جدي يقول:
جالست أبا عبد الله المروذي أربع سنين؛ فلم أسمعه طول تلك المدة يتكلم في غير العلم (١).
قال أبو أحمد نصر بن أحمد السمرقندي: لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته (٢).
قال ابن جماعة معلقًا على هذا الكلام: وهذا كله، وإن كانت فيه مبالغة، فالمقصود به أنه لابد لطلب العلم من جمع القلب واجتماع الفكر (٣).
قال الزبير بن بكار: قالت ابنة أختي لأهلنا: خالي خير رجلٍ
لأهله، لا يتخذ ضرةً ولا يشتري جارية. فقالت المرأة: لهذه الكتب
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص ٨٢.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٧٤.
(٣) تذكرة السامع والمتكلم ص ٧١.
[ ٩٦ ]
أشد علي من ثلاث ضرائر وأصعب! (١).
وقال جعفر بن درستويه: كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني، وقت العصر اليوم لمجلس غدٍ، فنقعد في أماكننا طوال الليل، مخافة ألا نلحق من الغد موضعًا نسمع فيه الحديث، فرأيت شيخًا في المجلس يبول في طيلسانه، ويدرج الطيلسان، وذلك مخافة أن يؤخذ مكانه إن قام ليبول (٢).
وقد أقام أبو طاهر في الإسكندرية من عام ٥١١ هـ إلى عام ٥٧٦ هـ لطلب العلم، وكان يقول عن نفسه: لي ستون سنة ما رأيت منارة الإسكندرية (وكانت من عجائب الدنيا) إلا من الطاقة.
وجاء شعبه بن الحجاج إلى خالد الحذاء، فقال شعبة لخالد: حديث بلغني عنك فحدثنيه، وكان خالد آنذاك مريضًا، فقال لشعبة: أنا الآن مريض ولا أستطيع أن أحدثك به، فقال شعبة: إنما هو حديث واحد فحدثني به، فحدثه به خالد الحذاء. فلما فرغ من الحديث قال له شعبة: مت الآن إن شئت.
وحالهم لفقد بعض العلم أو العلماء حال من فقد حبيبًا أو عزيزًا.
فهذا شعبة بن الحجاج يقول: إني لأذكر الحديث يفوتني لم أسمعه فأمرض.
وقد ذكر لشعبة حديثٌ لم يسمعه فجعل يقول: واحزناه واحزناه.
ورحل عبد الرحمن بن أحمد البغياني مع أبيه إلى المحدث
_________________
(١) تاريخ بغداد ٨/ ٤٧١.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي.
[ ٩٧ ]
المشهور ابن خلف الشيرازي بشيراز، فلما دخلها أحمد ذهب يعدو إلى بيت ابن خلف ليسمع منه الحديث، فلقيه أحد أصدقائه فقال له: تعال أولًا لنتغدى عندي، فلما فرغا من الطعام قال له صديقه: لقد مات ابن خلف قبل فترة وأنا الذي دفنته. قال عبد الرحمن: فلما سمعت بموته كادت مرارتي أن تنشق.
لقد كان العلم همهم الأول وشغلهم الشاغل، قدموه على أمور الدنيا ومحبوباتها، يجالدون لذلك الأيام، ويصبرون على حرها وقرها.
قال عبيد بن يعيش: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي في الليل؛ لأني كنت مشغولًا بكتابة الحديث، فكانت أختي تلقمني الطعام بيدها (١).
وقال يحيى بن البناء: كان الحميدي، من اجتهاده في العلم، ينسخ ويكتب العلم بالليل في شدة الحر، فكان يجلس في طست فيه ماء فيتبرد به ثم يشرع في الكتابة والنسخ (٢).
إذا كنت تؤذى بحر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتاء
ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى (٣)
عن أحمد بن سلمة قال: عقد للإمام مسلم بن الحجاج صاحب
_________________
(١) تقييد العلم للخطيب البغدادي.
(٢) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢١٩ بتصرف.
(٣) السير ١٧/ ١٠٦.
[ ٩٨ ]
الصحيح مجلسٌ لمذاكرة الحديث، فذكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله ودخل غرفته وأوقد السراج وقال لأهله: لا يدخلن أحد منكم علي في هذه الغرفة، فقالوا له: قد أهديت لنا سلة بها تمر، فقال: قدموها إلي، فقربوها إليه وانصرفوا، فجعل يبحث عن ذاك الحديث، ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فنى التمر، ووجد الحديث، فكان مرضه من تلك الأكلة ثم مات بسببها (١).
وقد ذكر الإمام الزرقاني أن يحيى بن يحيى الليثي كان تلميذًا عند إمام دار الهجرة مالك بن أنس في مسجد رسول الله - ﷺ -، فجاء فيل عظيم بجانب المسجد، فخرج الطلاب لرؤيته ولم يبق إلا يحيى بن يحيى الليثي، فقال له الإمام مالك: لم لم تخرج لترى الفيل وهو لا يكون ببلادك؟ فقال يحيى: جئت من الأندلس لأراك لا لأرى الفيل، إنما رحلت لأتعلم من علمك وهديك، فأعجب به الإمام مالك وقال له: أنت عاقل الأندلس.
وأكثر أهل الدنيا اليوم يشدون الرحال ويفارقون الأوطان لرؤية الفيل والنعام! !
وهذا ابن المكوي القرطبي أحمد بن عبد الملك، وكان قد حبب إليه الدرس مدة عمره، لا يفتر عنه ليله ونهاره، وجعلت فيه لذته، حتى أنه في أحد الأعياد جاءه صديق له ليهنئه، فوجد بابه مفتوحًا
فدخل الدار وأرسل إليه خادمه ليخرج إليه، فأبطأ عليه ابن المكوي
ولم يخرج إليه، فأرسل إليه خادمه مرة أخرى، وبعد قليل خرج إليه
_________________
(١) تاريخ نيسابور.
[ ٩٩ ]
ابن المكوي ومعه كتاب يقرأ فيه، ولم يشعر بصديقه الذي ينتظره حتى اصطدم به، لانشغاله بالقراءة في الكتاب، فانتبه ابن المكوي حينئذ وسلم على صديقه، واعتذر إليه عما حصل بأنه كان مشغولًا ببحث مسألة مهمة، فلم يتركها حتى فتحها الله عليه، فقال له صديقه: أتقرأ في يوم عيد ويوم راحة؟ ! فقال: والله ما لي راحة ولا لذة إلا في طلب العلم والنظر في الكتب.
وكان ابن المبارك يكثر من الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي - ﷺ - وأصحابه (١).
قال شقيق البلخي: قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس (٢).
وهذا طالب العلم يتحدث عن نفسه ويدفع التهمة بعيدًا عن أرضه:
يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلًا عن موقف الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما
ولم أقض حق العلم إن كنت كلما بدا مطمع صيرته لي سلما
وأكرم نفسي أن أضاحك عابسًا وأن أتلقى بالمديح مذمما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
_________________
(١) السير ٨/ ٣٨٢.
(٢) السير ٨/ ٣٩٨.
[ ١٠٠ ]
إذًا فاتبع الجهل كان أحزما
أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلةً
فإن قلت زند العلم كاب فإنما كبا حين لم نحرس حماه وأظلما
قال مكحول: ما عبد الله بشيء أفضل من الفقه.
قال الحسن البصري: يوزن مداد العلماء بدم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء (١).
وعن مسعر بن كدام قال: أتيت أبا حنيفة في مسجده فرأيته يصلي الغداة، ثم يجلس يعلم الناس العلم إلى الظهر، ثم يصلي ويجلس للناس طول نهاره إلى العشاء، فقلت في نفسي: متى يتفرغ هذا للعبادة، لأتعاهدنه الليلة، فتعاهدته، فلما كان الليل انتصب في المسجد قائمًا إلى الصباح فصلى الفجر ثم جلس للناس إلى العشاء الآخرة، ثم فعل في الليلة الآتية كفعلة في الماضية، ثم تعاهدته ففعل ذلك أيامًا كثيرة، فقلت: لألزمنه حتى أموت. فيقال: إن مسعرًا مات في مسجد أبي حنيفة وهو ساجد (٢).
ولأن طلب العلم عبادة وتعليمه قربة إلى الله ﷿ فلابد له من آداب وأخلاق.
_________________
(١) الإحياء ١/ ١٨.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٦.
[ ١٠١ ]
ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية (١).
وتأمل ذلك في علماء بعض الأمصار تجد أن لديهم علمًا شرعيًا وافرًا ولكن لا ترى أثر ذلك عليهم في مظهرهم ومخبرهم. فذاك مسبل ثيابه، وآخر يجاهر بشرب الدخان، وثالث خالف أمر الرسول - ﷺ - وحلق لحيته! !
قال ابن المبارك: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا (٢).
وقال الحسن مبينًا أثر العلم على من حمله: قد كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه، وفي لسانه وبصره وبره (٣).
عن أبي عصمة بن عصام البيهقي قال: بت ليلة عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر في الماء فإذا هو كما كان فقال: سبحان الله، رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل (٤).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان يقول: ما بلغني عن رسول الله - ﷺ - حديث قط إلا عملت به ولو مرة (٥).
لما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه، لما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية (٦).
_________________
(١) الفوائد ص ١٩٣.
(٢) صفة الصفوة ٤/ ١٤٥.
(٣) الزهد لأحمد ص ٢٢٨.
(٤) صفة الصفوة ٢/ ٣٣٩.
(٥) السير ٧/ ٢٤٢.
(٦) الجواب الكافي ص ٩٨.
[ ١٠٢ ]
وقال الإمام أحمد: ما كتبت حديثًا إلا وقد عملت به، حتى مر بي أن النبي - ﷺ - احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت (١).
عن أبي سلمة الخزاعي قال: كان مالك إذا أراد أن يخرج يحدث توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أوقر حديث رسول الله - ﷺ - (٢).
وعن معن بن عيسى قال: كان مالك إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل، وتبخر، وتطيب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه قال: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ فمن رفع صوته عند حديث النبي - ﷺ - فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله - ﷺ - (٣).
ويجب على طالب العلم الحذر من المعاصي والابتعاد عن المحرمات؛ فإن هذا العلم نور لا يجتمع مع المعصية، بل إنها تنازعه البقاء في القلب.
قال الإمام مالك: إنما يصلح لهذا الحفظ ترك المعاصي.
وقال الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
_________________
(١) السير ١١/ ٢١٣.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٧٦.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٧٦.
[ ١٠٣ ]
وفضل الله لا يؤتاه عاصي (١)
وقال: أعلم بأن العلم فضل
قال وكيع: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به (٢).
قال سعيد بن جبير: ربما أتيت ابن عباس، فكتبت في صحيفتي حتى أملأها، وكتبت في نعلي حتى أملأها، وكتبت في كفي، وربما أتيته فلم أكتب حديثًا حتى أرجع، لا يسأله أحدٌ عن شيء (٣).
وقال سفيان بن عيينة: من عمل بما يعلم كفي ما لم يعلم (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله، وإنما يكون جاهلًا لنقص خوفه من الله، إذ لو تم خوفه من الله لم يعصه (٥).
كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إلي بالعلم كله: فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازمًا لأمر جماعتهم، فافعل (٦).
وكان طلب العلم عندهم طريقًا إلى الآخرة وسلمًا إلى الدرجات العلا. ولذا هجروا ما يبعد عن الله ﷿ والدار الآخرة.
_________________
(١) الجواب الكافي ص ٩٨.
(٢) الباعث الحثيث ص ١٥٨.
(٣) السير ٤/ ٣٣٥.
(٤) السير ٨/ ٤٦٧.
(٥) الإيمان ص ١٩.
(٦) السير ٣/ ٢٢٢.
[ ١٠٤ ]
قال عيسى يونس: لم يكن في أسناني أبصر بالنجوم مني، فدخلني منه نخوة فتركته (١).
ولهذا روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال لميمون بن مهران: إياك والنظر في النجوم؛ فإنها تدعو إلى الكهانة، وإياك والقدر، فإنه يدعو إلى الزندقة، وإياك وشتم أحد من أصحاب محمد - ﷺ -؛ فيكبك الله في النار على وجهك (٢).
وقال ابن مسعود ﵁: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه للخطيئة يعملها.
وقال وكيع: استعينوا على الحفظ بترك المعصية (٣).
قال وهيب بن الورد: عجبًا للعالم كيف تجيبه دواعي قلبه إلى ارتياح الضحك، وقد علم أن له في القيامة روعات ووقفات وفزعات (٤).
وقال الإمام الشافعي: من أحب أن يفتح الله له قلبه أو ينوره فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه، وترك الذنوب واجتناب المعاصي، ويكون له فيما بينه وبين الله خبيةٌ من عمل، فإنه إذا فعل ذلك فتح الله عليه من العلم ما يشغله عن غيره، وإن في الموت لأكثر الشغل (٥).
قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا ويخالطون
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ١/ ٢٨٠.
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية.
(٣) روضة العقلاء ص ٢٩.
(٤) حلية الأولياء ٨/ ١٤١.
(٥) مناقب الشافعي للبيهقي ٢/ ١٧١.
[ ١٠٥ ]
الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس (١).
وقال الإمام مالك للشافعي أول ما لقيه: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب سلب الهدى والعلم النافع، كقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، وقال: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣).
عن يزيد بن أبي حبيب ﵁ قال: من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع، وإن وجد من يكفيه فإن في الاستماع سلامة وزيادة في العلم، والمستمع شريك المتكلم في الكلام، إلا من عصم الله، ترمق وتزيد وزيادة ونقصان (٤).
عن أيوب العطار أنه سمع بشرًا (ابن الحارث) يقول: حدثنا حماد بن زيد ثم قال: أستغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء (٥).
_________________
(١) التذكرة ص ١٤٩.
(٢) إعلام الموقعين ٤/ ٢٥١.
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٤/ ١٥٢.
(٤) الصمت ص ٨٩.
(٥) السير ١٠/ ٤٧٠.
[ ١٠٦ ]
وقال الإمام سحنون: سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال (١).
وذكر ابن القيم ﵀ في كتابه «مدارج السالكين» في منزلة الخشوع: ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
أنا المكدي وابن المكدي وهكذا كان أبي وجدي
وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلامًا جيدًا.
قدس الله روحه. فهو يرسم صورًا عملية من التواضع، وإلا فهو من أئمة السلف ومن عائلة علم ودين نفع الله بها الإسلام والمسلمين، ولا تزال مؤلفات عائلة ابن تيمية في الأمة، تصدر عنها وترجع إليها؛ لما فيها من علم والتزام بمنهج السلف الصالح القائم على الكتاب والسنة.
روي عن بشر بن الحارث أنه قيل له: ألا تحدث؟ قال: أنا اشتهي أن أحدث، وإذا اشتهيت شيئًا تركته (٢).
وعن أبي داود السجستاني قال: لم يكن أحمد بن حنبل يخوض في شيء يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم.
_________________
(١) السير ١٢/ ٦٩.
(٢) السير ١٠/ ٤٧٠.
[ ١٠٧ ]
ولما عزم الإمام مالك على تصنيف «الموطأ» قيل له: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد عمل العلماء الموطآت؟ ! فقال: ما كان لله بقي.
أيها الحبيب:
من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته، وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم.
وعلامات الشقاوة أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه، وكلما زيد في علمه زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه، وكلما زيد في عمره زيد في حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه. وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده فيسعد بها أقوام ويشقى بها أقوام (١).
قال ابن الجوزي مفصلًا الأمر:
ما أعرف للعالم قط لذة ولا عزًا ولا شرفًا ولا راحة ولا سلامة أفضل من العزلة؛ فإنه ينال بها سلامة بدنه ودينه وجاهه عند الله ﷿ وعند الخلق؛ لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم، ولا يعظم عندهم قدر المخالط لهم، ولهذا عظم قدر الخلفاء لاحتجابهم.
_________________
(١) الفوائد ص ٢٠٣.
[ ١٠٨ ]
وإذا رأى العوام أحد العلماء مترخصًا في أمر مباح هان عندهم.
فالواجب عليه صيانة علمه وإقامة قدر العلم عندهم.
فقد قال بعض السلف: كنا نمزح ونضحك، فإذا صرنا يقتدى بنا فما أراه يسعنا ذلك.
وقال سفيان الثوري: تعلموا هذا العلم واكظموا عليه، ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب.
فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر.
وقد قال - ﷺ - لعائشة: «لولا حدثان قومك في الكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين».
وقال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب: رأيت الناس يكرهونهما فتركتها.
ولا تسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء، إنما هذه صيانة للعلم.
وبيان هذا أنه لو خرج العالم إلى الناس مكشوف الرأس أو في يده كسرة يأكلها قل عندهم وإن كان مباحًا، فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية.
فلا ينبغي للعالم أن ينبسط عند العوام حفظًا لهم، ومتى أراد مباحًا فليستتر به عنهم.
وهذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب ﵁ قد قدم الشام راكبًا على حمار ورجلاه من جانب، فقال: يا أمير المؤمنين! يتلقاك عظماء الناس. فما أحسن ما لاحظ!
إلا أن عمر ﵁ أراد تأديب أبي عبيدة بحفظ الأصل
[ ١٠٩ ]
فقال: إن الله أعزكم بالإسلام، فمهما طلبتم العز في غيره أذلكم.
والمعنى: ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين لا بصور الأفعال، وإن كانت الصور تلاحظ؛ فإن الإنسان يخلو في بيته عريانًا، فإذا خرج إلى الناس لبس ثوبين وعمامة ورداء. ومثل هذا لا يكون تصنعًا ولا ينسب إلى كبر.
وقد كان مالك بن أنس يغتسل ويتطيب ويقعد للحديث.
ولا تلتفت يا هذا إلى ما ترى من بذل العلماء على أبواب السلاطين، فإن العزلة أصون للعالم والعلم، وما يخسره العلماء في ذلك أضعاف ما يربحونه.
وقد كان سيد الفقهاء سعيد بن المسيب لا يغشى الولاة، وعن قول هذا سكتوا عنه، وهذا فعل الحازم.
فإن أردت اللذة والراحة فعليك أيها العالم بقعر بيتك، وكن معتزلًا عن أهلك يطب لك عيشك، واجعل للقاء الأهل وقتًا، فإذا عرفوه تصنعوا للقائك، فكانت المعاشرة بذلك أجود.
وليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه، وتحادث سطور كتبك، وتجري في حلبات فكرك. واحترس من لقاء الخلق وخصوصًا العوام.
واجتهد في كسب يعفك عن الطمع، فهذه نهاية لذة العالم في الدنيا.
وقد قيل لابن المبارك: ما لك لا تجالسنا؟ فقال: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين، وأشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه.
ومتى رزق العالم الغني عن الناس والخلوة، فإن كان له فهم يجلب
[ ١١٠ ]
التصانيف فقد تكاملت لذته، وإن رزق فهمًا يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات.
نسأل الله ﷿ همة عالية تسمو إلى الكمال، وتوفيقًا لصالح الأعمال، فالسالكون طريق الحق أفراد (١).
قال ابن مسعود: لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله؛ فإنه يبقى ويذوب ما سواه (٢).
أيها المسلم:
لقد كان همهم من هذا العلم إيصال الحق ونشره، فلا حظوظ للنفس، ولا مباهاة بالعلم، ولا جدالًا ومراء، ولا استعلاء وزهوًا.
قال الشافعي: ما نظرت أحدًا فأحببت أن يخطئ (٣).
كان مالك يقول: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل (٤).
وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: المراء في الدين يقسي القلب، ويورث الضغائن.
_________________
(١) صيد الخاطر ص ٣١٢.
(٢) جامع العلوم والحكم ص ١٨.
(٣) صفة الصفوة ٢/ ٢٥١.
(٤) جامع العلوم والحكم ص ١١٣.
[ ١١١ ]
وقال الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم -يعني كتبه- على أن لا ينسب إلي منه شيء (١).
وهذه الصفات الحميدة والأخلاق السامية تزينها وتجملها صفات عملية في مجالسهم، فهي وإن كانت طاعة لله ﷿ أولًا فإنها تربية عملية لتلاميذهم وطلابهم.
قال مسلم بن جنادة: جالست وكيعًا (ابن الجراح) سبع سنين فما رأيته بزق ولا مس حصاة، ولا جلس مجلسه فتحرك، ولا رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله (٢).
وقال الحسن: اطلبوا العلم، وزينوه بالوقار والحلم (٣).
وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: ضحكت مرة وأنا من النادمين على ذلك، وذك أني ناظرت عمرو بن عبيد القدري، فلما أحسست بالظفر ضحكت، فقال لي: تتكلم في العلم وتضحك، فلا أكلمك أبدًا. وأنا من النادمين على ذلك، إذ لو لم يكن ضحكي لرددته إلى قولي، فكان في ذلك صلاح العلم (٤).
وإذا كان الله ﷿ بمنه وتوفيقه قد جمع للعالم علمًا وخلقًا، فهل يليق به أن يتنكر لذلك ويترك الناس على جهلهم وقلة علمهم، أم أنه من ورثة الأنبياء الذين يبلغون الرسالة ويؤدون الأمانة؟ !
_________________
(١) السير ١٠/ ٢٩.
(٢) تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠٧.
(٣) الإحياء ٣/ ١٨٩.
(٤) تنبيه الغافلين ١/ ١٥.
[ ١١٢ ]
قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه (١).
أخي الحبيب:
كم لدينا ممن معهم من العلم ما يكفي لإلقاء الدروس والمواعظ؟ بل كم لدينا ممن يحسنون قراءة الفاتحة وقصار السور ونرى حولهم من كبار السن من يجهلون أم الكتاب؟ ! ولكن أين هم؟ ! وهل يعذرون أمام الله ﷿؟ !
قال أبو بكر بن عياش: الدخول في العلم سهل، ولكن الخروج منه إلى الله شديد (٢).
وعندما سئل يحيى بن معين: أيفتي الرجل إذا كان حافظًا لمائة ألف حديث؟ قال: لا، قلت: ومن مائتي ألف حديث؟ قال: لا، قلت: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قلت: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو، أي إذا كان حافظًا خمسمائة ألف حديث يفقهها وأحكامها فهذا هو العالم حقًا الذي ينبغي أن يعتد بقوله ويعمل بفتواه.
وروى ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد عن عبد الرحمن البغوي قال: مر علي أحمد بن حنبل جائيًا من الكوفة ومعه كيس فيه كتب فقلت له: إلى متى وأنت تطلب العلم؟ إذا كتب الرجل ثلاثين ألف حديث ألا يكفيه ذلك؟ فسكت عني، فقلت: ستين ألف؟ فسكت عني، فقلت: مائة ألف حديث؟ فقال أحمد: إذا كتب مائة ألف حديث
_________________
(١) رواه البخاري في ترجمة باب ١/ ١٦٢.
(٢) السير ٨/ ٣٠٥.
[ ١١٣ ]
فحينئذ يكون قد عرف شيئًا من العلم.
هذه هي بعض صفات العلماء فقل لي بربك: كم شخصًا في هذا الزمان يستحق أن يلقب بالعالم؟ وإذا أردت أن تعرف من هم العلماء؟ فاستمع إلى الشعبي ﵀ وهو يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء قط إلا حفظته، وما سمعت من رجل حديثًا فأردت أن يعيده علي، وإني الآن لكأني أنظر إلى أكثر من سبعين ألف حديث في كتابي (١).
هؤلاء حقًا هم العلماء وهم الحفاظ! ثم تأمل قلة عدد العلماء من بين سائر أفراد الأمة ثم هؤلاء العلماء، ما أقل العاملين فيهم بعلمهم الذين يرى عليهم!
استمع إلى مكانة أهل العلم في قلوب الناس يحدثك عنها الإمام أبو هلال العسكري فيقول: إذا كنت أخي ترغب في سمو القدر ونباهة الذكر، وارتفاع المنزلة بين الخلق، وتلتمس عزًا لا تثلمه الأيام والليالي، وإذا كنت تلتمس هيبة من غير سلطان، وغنى من غير مال، ومنعة بغير سلاح، وعلاء من غير عشيرة، وأعوانًا بغير أجر، وجندًا بلا ديوان وفرض «أي راتب» فعليك بالعلم، فاطلبه في مظانه تأتيك المنافع عفوًا، وتلق ما يعتمد منها صفوًا، واجتهد في تحصيله ليالي قلائل، ثم تذوق حلاوة الكرامة مدة عمرك.
واستمع إلى هذه القصة العجيبة التي تروى عن الوزير نظام الملك، فقد كان يملي الحديث على الناس في الري مع كونه وزيرًا، فلما فرغ قال: إني أعلم أني لست أهلًا لما أقوم به من إملاء حديث رسول الله
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي جـ ٢.
[ ١١٤ ]
- ﷺ -، لكني أريد أن أربط نفسي على قطا نقلة حديث رسول الله - ﷺ -.
ولقد بلغ من إجلال الناس لأهل العلم، أن أولاد الخليفة كانوا يقدمون للعالم حذاءه إذا أراد الانصراف؛ فقد كان الفراء يعلم ويؤدب ولدي الخليفة المأمون، فلما كان ذات يوم قام الفراء لينصرف، فاستبق ولدا الخليفة إلى نعليه، كل منهما يريد أن يقدمها له، فتنازعا أيهما يقدمها له، ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهم فردة، فقدماها. ووصل الخبر إلى الخليفة المأمون، فاستعدى الفراء، فلما دخل عليه قال له المأمون: من أعز الناس؟ فقال: ما أعرف أحدًا أعز من أمير المؤمنين، فقال المأمون: بلى، من إذا نهض تقاتل وليًا عهد المسلمين على تقديم نعليه إليه، حتى رضي كل منهما أن يقدم فردة، فقال الفراء: لقد أردت منعهما من ذلك، فقال المأمون: لو منعتهما لغضبت عليك، ولقد زاد ما فعلاه من شرفهما عندي (١).
وهذا أسد بن الفرات ﵀ أحد القادة الفاتحين رحل وهو في الثامنة عشرة من عمره إلى المدينة، وسمع كتاب الموطأ على الإمام مالك، ثم رحل إلى العراق ودرس عند محمد بن الحسن الشيباني
صاحب أبي حنيفة، ثم رحل إلى مصر، ثم رجع إلى بلدة القيروان وتولى منصب القضاء، وفي عام ٢١٢ هـ ولاه الأمير قيادة الجيش
الإسلامي المتوجه لغزو صقلية، فلما خرج الجيش خرج الناس
يودعونه في موكب عظيم، فلما رأى أسد بن الفرات الناس أمامه
وخلفه يودعونه خطبهم فحمد الله ثم قال: يا معشر الناس! لا
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٤/ ١٥.
[ ١١٥ ]
إله إلا الله وحده لا شريك له والله ما ولي لي أب ولا جد ولاية قط، ولا أحد من سلفي رأى هذا قط (يعني الاحترام والتكريم) وما رأيت ما ترون إلا بالأقلام، فأجهدوا أنفسكم، وأتبعوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه، واصبروا على شدته؛ فإنكم تنالون به خيري الدنيا والآخرة.
واستمع إلى الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه «مفتاح دار السعادة» وهو يحدثك عن سلطان العلم وهيبته وعزته في النفوس والقلوب فيقول: سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد، فإن الحجة تنقاد لها القلوب، وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده، بل سلطان الجاه إذا لم يكن معه علم يساس به فهو بمنزلة سلطان السباع والأسود ونحوها، قدرة بلا علم ولا رحمة، بخلاف سلطان الحجة فإنه قدرة بعلم ورحمه وحكمة.
وسلطان العلم نراه واقعًا ملموسًا في حياتنا لا يحتاج إلى بسط وإيضاح، فمن يذهب للعلماء للسلام عليهم أكثر بكثير ممن يذهب إلى الوزراء والحكام وغيرهم من أهل الدنيا! !
قال سالم ابن أبي الجسد: اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم وأعتقني فقلت: بأي شيء أحترف؟ فاحترفت العلم، فما تمت لي سنة حتى أتاني أمير المدينة زائرًا فلم آذن له (١).
وقال حماد بن سليمان: دخلت على حماد بن سلمة، فإذا ليس في
_________________
(١) الإحياء ١/ ١٩.
[ ١١٦ ]
البيت إلا حصير، وهو جالس وفي يده مصحف يقرأ فيه وجراب فيه علمه، ومطهرة يتوضأ منها، فبينما أنا جالس إذ دق الباب، فقال حماد: يا حبيبة! اخرجي فانظري من هذا؟ فقالت: رسول محمد بن سليمان إلى حماد بن سلمة، فأذن له فدخل، فقال بعد أن سلم: أما بعد، فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، وقعت مسألة، فأتنا نسألك عنها والسلام، فقال: يا حبيبة! هلم الدواة، ثم قال لي: اقلب كتابه واكتب: أما بعد، فأنت صبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحدًا، فإن وقعت لك مسألة فأتنا وسل ما بدا لك، فإن أتيتني فلا تأتني بخيلك ورجالك، فلا أنصح لك ولا أنصح إلا نفسي، والسلام.
فبينما أنا جالس إذ دق الباب، فقال: يا حبيبة! اخرجي فانظري من هذا؟ قالت: محمد بن سليمان. قال: قولي له يدخل وحده، فدخل وجلس بين يديه ثم ابتدأ فقال: ما لي إذا نظرت إليك امتلأت منك رعبًا؟
قال حماد: حدثني ثابت البناني قال: سمعت أنسًا يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، وإذا أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء». فقال: ما تقول رحمك الله في رجل له ابنان وهو عن أحدهما أرضى، فأراد أن يجعل له في حياته ثلثي ماله؟ فقال حماد: لا يفعل رحمك الله، فإني سمعت أنسًا يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا أراد الله أن يعذب عبدًا من عباده في حياته وفقه إلى وصية جائرة» فعرض عليه مالًا فلم يقبل وخرج.
[ ١١٧ ]
وقال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح عشرين سنة! وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم خيل إلينا أنه مؤيد. وكان أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمي! ففي جسمه ستة عيوب، ولكنه كان ركنًا من أركان العلم والدين والصلاح والقدوة، وكان ثقة فقيهًا، حج نيفا على سبعين حجة (١).
قال الزبير بن أبي بكر: كتب إلي أبي وهو بالعراق يقول لي: عليك بالعلم؛ فإنه إن افتقرت كان لك مالًا، وإن استغنيت كان لك جمالًا.
وقد جمع معاذ بن جبل ﵁ فضائل العلم فقال: تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، ألا إن العلم سبيل منازل أهل الجنة، وهو المؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء، والمعين على الضراء، والزين عند الأخلاء، والسلام على الأعداء، يرفع الله له أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة أئمة، تقتفى آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسهم، ويصلي عليهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوام الأرض وسباع البر والبحر والأنعام، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، ويبلغ بالعبد منازل الأخيار والأبرار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ١/ ٩٨ بتصرف.
[ ١١٨ ]
يعدل بالصيام، ومذاكرته تعدل بالقيام، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام والعمل تابعه، ويلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء (١).
وقال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك (٢).
وكان سليمان بن حرب أحد شيوخ الإمام البخاري، قد وضع له منبر خاص في بغداد على مقربة من قصر الخلافة، في مكان مرتفع، لكي يجلس عليه، ويملي الأحاديث، وكان أمير المؤمنين مأمون الرشيد وجميع أفراد الخلافة يحضرون مجلسه، وكل كلمة كانت تخرج من فم سليمان بن حرب يكتبها أمير المؤمنين بيده، وقد عد الحاضرون فكان أربعين ألف نسمة (٣).
أما أهمية العلم والعلماء وحاجة الناس إليهما فهو كما ذكره الإمام أحمد بن حنبل: الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبز والماء؛ لأن العلم يحتاج إليه في كل ساعة، والخبز والماء في كل يوم مرة أو مرتين (٤).
ولذلك قال ابن القيم في مدح الفقهاء والعلماء:
فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال من الحرام،
_________________
(١) تنبيه الغافلين ٢/ ٤٦٦.
(٢) الإحياء ١/ ١٨.
(٣) تذكرة الحفاظ ١/ ٣٩٣.
(٤) شذرات الذهب ٢/ ١٧٦.
[ ١١٩ ]
فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدى في الظلماء، حاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄ في إحدى الروايتين عنه، وجابر بن عبد الله، والحسن البصري وأبو العالية، وعطاء والضحاك، ومجاهد في إحدى الروايتين عنه: أولو الأمر هم العلماء. وقال أبو هريرة ﵁: هم الأمراء. وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس. والتحقيق: أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء (١).
إذا كانت هذه منزلتهم وهذه مكانتهم فإن الأمر في طاعتهم ومحبتهم كما قال علي ﵁: ومحبة العالم دين يدان بها.
وكثير من جهلة الناس اليوم يثنون أبناءهم عن دراسة العلوم الشرعية وأنها لا فائدة منها، وما علموا أنها أساس الفلاح والصلاح! ! ولو رأوا حال أصحاب العلوم الأخرى لما فعلوا. فهذا الوزير، وذاك القائد، وكأن على رؤوسهم الطير إذا دخل في المجلس عالم. فالناس تتجه له وتسأله وتنسى الوزير والكبير. أليس كذلك؟ ! !
قال سهل التستري: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم سكارى إلا العاملون بالعلم، والعاملون مغرورون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر.
قال الإمام الآجري: فما ظنكم -رحمكم الله- بطريق فيه آفات
_________________
(١) إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ٩.
[ ١٢٠ ]
كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس، لابد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبد به خلقه إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحير الناس، ودرس العلم بموتهم، وظهر الجهل (١).
واستمع إلى أبي الوفاء ابن عقيل وهو يصف ما لأهل العلم عند الله تعالى فيقول: حاشا المبدئ الخالق لهم على تلك الأشكال والعلوم، أن يرضى لهم بتلك الأيام اليسيرة، لا والله لا رضي لهم إلا بضيافة تجمعهم على مائدة تليق بكرمه سبحانه، نعيم بلا ثبور، وبقاء بلا موت، واجتماع بلا فرقة، ولذات بغير نغصة.
بل لقد بلغ من شرف العلم عند الناس أن ملوك الأرض وسلاطينها كانوا يتمنون أن يكونوا من أهل العلم، فمن ذلك ما رواه ابن عساكر عن محمد بن سلام الجمحي قال: قيل للخليفة المنصور: هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تحصله؟ فقال: بقيت خصلة أن أقعد على سرير المدرس وحولي طلاب الحديث فيقول المستملي: حدثنا، فأقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله - ﷺ -، قال محمد بن سلام: فلما
كان الصباح غدا الوزراء وأبناؤهم، ومعهم المحابر والدفاتر، ودخلوا
_________________
(١) أخلاق العلماء ص ٩٦.
[ ١٢١ ]
على المنصور ليكتبوا عنه الحديث ويحققوا له ما تمناه، فلما رآهم المنصور قال: لستم بأصحاب الحديث الذين أريدهم إنما هم الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الرحالون في البلدان (١).
قال الأعمش: إذا رأيت الشيخ لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث فاصفع له (أي الطمه)، فإنه من شيوخ القمراء، قيل: وما شيوخ القمراء؟ قال أبو جعفر: هم شيوخ دهريون، يجتمعون في ليالي القمر، يتذاكرون أيام الناس ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ للصلاة (٢).
وقال مبينًا قدر نفسه وقدر العلم الذي يحمله والذي رفع قدره وأنزله منزلة عالية: لولا القرآن وهذا العلم عندي لكنت من بقالي الكوفة (٣).
قال المزني: كان الشافعي ﵀ إذا رأى شيخًا (أي كبير السن) سأله عن الحديث والفقه، فإن كان عنده شيء من العلم سكت عنه وإلا قال له: لا جزاك الله خيرًا عن نفسك ولا عن الإسلام، قد ضيعت نفسك وضيعت الإسلام (٤).
والعلماء لهم سهام من حديث الرسول - ﷺ -، يجري لهم الخير حتى بعد موتهم لما نشروه من العلم وما بينوه للناس.
قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مات الإنسان (وفي رواية ابن آدم) انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.
_________________
(١) تاريخ الخلفاء ص ١٧٧.
(٢) مفتاح دار السعاد جـ ٢.
(٣) السير ٦/ ٢٢٩.
(٤) مفتاح دار السعادة جـ ٢.
[ ١٢٢ ]
قال كميل النخعي: خرجت مع علي بن أبي طالب ﵁ إلى الجبانة (أي الخلاء) فقال لي: يا كميل! الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وسائر الناس همج رعاع؛ أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح. العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
وكان الإمام البخاري كلما حل مدينة أو نزل أرضًا كان المسلمون يزدحمون حوله حيث يفوق الوصف والبيان.
وكان الناس بعد ما سمعوا تلك الأوصاف الخارقة التي وهبها الله لهذا الإمام الجليل؛ من فقه عديم النظير، وذاكرة خارقة، وتبحر في العلم، كانوا يتمنون رؤيته. فإذا نزل مكانًا تجمعوا حوله بحيث لا يكاد يوجد موضع قدم من شدة الزحام وكثرة الناس.
ولما رجع إلى بخارى عائدًا من رحلته الدراسية نصبت له القباب على فرسخ من البلد واستقبله عامة أهل البلد، حتى لم يبق مذكور إلا ونشر عليه الدراهم والدنانير.
وجرى معه مثل هذا في نيسابور.
قال الإمام مسلم:
لما قدم محمد بن إسماعيل (البخاري) نيسابور ما رأيت واليًا ولا عالمًا فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث (١).
وكان الإمام عاصم بن علي يجلس على سطح في رحبة النخل
_________________
(١) مفدمة الفتح ص ٤٩٣.
[ ١٢٣ ]
خارج بغداد، وكان مستميله هارون يركب نخلة معوجة، وذات مرة أرسل الخليفة المعتصم بالله من يحرز له عدد الحاضرين في مجلسه، فكان عددهم عشرين ومائة ألف (١).
وكانت طريقة إيصال العلم عن طريق الشيخ بوجود من يبلغ ما قال حتى ينقطع الصوت، ويقوم بهذا العمل عدد من المستملين.
ولما قدم أبو مسلم الكجي بغداد أملى في رحبة غسان، فكان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد منهم الآخر، ويكتب الناس عنه قيامًا، ثم مسحت الرحبة، وحسب من حضر بمحبرة، فبلغ ذلك نيفًا وأربعين ألف خبرة سوى النظارة.
وأما الذين كانوا يسمعون فقط ولا يكتبون، كانوا خارجين من عدادهم (٢).
قال الفربري: إن تسعين ألف رجل أخذ من البخاري صحيحه في حياته واستجازوه روايته.
نعم تسعون ألفًا أخذوا إجازة في الحديث من الإمام البخاري ﵀، واليوم كم لدينا من قرأ صحيح البخاري نظرًا بل جزءًا منه؟ !
قال يحيى بن جعفر: إن مجلس علي بن عاصم كان يحضره ثلاثون ألف نسمة (٣).
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ١/ ٣٩٧.
(٢) تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٢١.
(٣) تذكرة الحفاظ ١/ ٣١٧.
[ ١٢٤ ]
ولما جاء يزيد بن هارون ودرس في بغداد قدر عدد الحاضرين بسبعين ألف نسمة.
وعندما عقد الفريابي أحد شيوخ الإمام البخاري مجلس إملائه في بغداد كان عدد المستملين ثلاثمائة وستة عشر الذين كانوا يبلغون لفظ الشيخ للناس، وقدر عدد الحاضرين بثلاثين ألفًا (١).
قال الله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ فهل يستوي العالم والجاهل؟ !
وكل ضرر يصيب العبد في دنياه أو أخراه سببه الجهل، ولذا أخبر الله تعالى أن الجهال هم شر الدواب فقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ بل جعل الله الجهال بمنزلة العميان الذين لا يبصرون فقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَّعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ فالجهل أصل الأخلاق الرديئة من الكبر والفخر والظلم والفساد في الأرض.
وقد توعد الله ﷿ من أعرض عن العلم الواجب عليه وعن تعلمه بوعيد شديد فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال ابن القيم ﵀ والمعنى أن من نسي ربه أنساه
الله ذاته ونفسه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به
صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، فصار معطلًا مهملًا بمنزلة الأنعام
_________________
(١) تاريخ بغداد ٧/ ٢٠٣.
[ ١٢٥ ]
السائبة، بل ربما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه. ونسيان الإنسان لربه بمعنى إعراضه عن دينه وتركه لتعلم شرعه وأوامره.
واستمع إلى الإمام ابن القيم وهو يبين لك حال الجاهل فيقول: العلم حياة ونور، والجهل موت وظلمة، والإنسان إنما يتميز عن غيره من الحيوانات بفضيلة العلم والبيان، وإلا فغيره من الدواب والسباع أكثر أكلًا منه وأقوى بطشًا، وإنما ميز على الحيوانات بعلمه، فإذا عدم العلم بقي معه القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب وهي الحيوانية المحضة فلا يبقى فيه فضل عليهم. والمقصود أن الإنسان إذا لم يكن له علم بما يصلحه في معاشه ومعاده كان الحيوان البهيم خيرًا منه لسلامته في المعاد مما يهلكه دون الإنسان الجاهل.
ورحم الله من قال:
فليجتهد رجل في العلم يطلبه كيلا يكون شبيه الشاء والبقر
قال عمر بن الخطاب: إن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة، فإذا سمع العالم خاف، واسترجع عن ذنوبه، وانصرف إلى منزله وليس عليه ذنب. فلا تفارقوا مجالس العلماء؛ فإن الله ﷿ لم يخلف على وجه الأرض تربة أكرم من مجالس العلماء (١).
قال الإمام أحمد: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام
والشراب؛ وذلك لأن الرجل قد يحتاج إلى الطعام والشراب مرة أو
_________________
(١) الإحياء ١/ ٤١٣.
[ ١٢٦ ]
مرتين، أما حاجته للعلم فهي بعدد أنفاسه (١).
قال الحسن ﵀: لولا العلماء لصار الناس كالبهائم (٢).
يا طلاب العلم:
كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في السماء وتخفون على أهل الأرض.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يا أبي! أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال لي: يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو منهما عوض؟ (٣).
وقال كعب الأحبار: لو أن ثواب مجالس العلماء بدا للناس لاقتتلوا عليه حتى يترك كل ذي إمارة إمارته وكل ذي سوق سوقه (٤).
وقال سفيان الثوري: العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين، فإذا اجتر الطبيب الداء إلى نفسه، فمتى يداوي غيره؟ (٥).
ونحن نسير في رحاب العلماء، وهم ملء السمع والبصر ماضيًا وحاضرًا، نسترشد بقول الإمام أبي حنيفة ﵀: الحكايات عن
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين.
(٢) الفوائد ص ١٩٣.
(٣) تهذيب الكمال ٢٤/ ٣٧١.
(٤) الإحياء ١/ ٤١٣.
(٥) روضة العقلاء ص ٤٣.
[ ١٢٧ ]
العلماء ومحاسنهم أحب إلي من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم (١).
وقد حدد وضح العلماء منهج الطلب وسير المجد فقال سفيان الثوري: أول العبادة الصمت، ثم طلب العلم، ثم العمل به، ثم حفظه، ثم نشره (٢).
ثم بعد كل هذا انظر وتأمل واعتبر في قول أحدهم.
قال أبو عمرو بن العلاء: ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن له في الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم، وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون فيها، وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم، وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس (٣).
_________________
(١) تذكرة السامع والمتكلم ص ٥٠.
(٢) روضة العقلاء ص ٤٣.
(٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٤٣.
[ ١٢٨ ]