العلم مواطن يرتحل إليها ويبذل للوصول إليها الغالي والنفيس؛ فكم من المشاق واجهت طلبة العلم، وكم من الصعوبات اعترضت طريقهم.
هذا الإمام الحاكم يصف الرحالين لطلب العلم فيقول: آثروا قطع المفاوز والقفاز على التنعم في الدمن والأوطان، وتنعموا بالبؤس في الأسفار مع مساكنة أهل العلم والأخبار، جعلوا المساجد بيوتهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة، استرواحهم المذاكرة، وخلوقهم المداد، ونومهم السهاد، وتوسدهم الحصى. فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء، ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس! فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تعلم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم (١).
وقد بين - ﷺ - فضل الخروج في طلب العلم فقال: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» (٢).
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص ٢.
(٢) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
[ ٤٩ ]
ولهذا كانت رحلتهم في طلب العلم عبادة يحتسبون فيها الأجر والمثوبة.
عن كثير بن قيس قال: كنت جالسًا عند أبي الدرداء في مسجد دمشق. فأتاه رجل، فقال: يا أبا الدرداء! أتيتك من مدينة رسول الله - ﷺ - لحديث بلغني أنك تحدث به، عن النبي - ﷺ -، قال: فما جاء بك تجارة؟ قال: لا، ولا جاء بك غيره؟ قال: لا، قال: فإن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله له طريقًا على الجنة» (١) الحديث.
ورحل عقبة بن الحارث من مكة إلى المدينة ليسأل الرسول - ﷺ - عن مسألة واحدة:
فعن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. فركب إلى رسول الله - ﷺ - بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله - ﷺ -: «كيف وقد قيل؟» ففارقها عقبة ونكحت زوجًا غيره (٢).
وسأل رجل من أهل خراسان الإمام عامر الشعبي عمن يعتق أمته ثم يتزوجها، فروى الحديث الذي رواه أبو بردة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد - ﷺ -، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده
_________________
(١) رواه ابن ماجه.
(٢) رواه البخاري.
[ ٥٠ ]
أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها؛ فله أجران».
ثم قال للسائل: أعطيتكها بغير شيء، قد كان يركب فيما دونها إلى المدينة.
وعن بسر بن عبيد الله: قال: إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد.
وعن أبي العالية قال: كنا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم (١).
يا طالب العلم:
تغرب عن الأوطان تكتسب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرج هم واكتساب معيشة وعلم، وآداب، وصحبة ماجد
وها هو أحد العلماء: (منصور بن عمار) يصف حال الرحلة في طلب العلم وأهلها فيقول عنهم: هم يرحلون من بلد إلى بلد، خائضين في العلم كل واد، فلو رايتهم في ليلهم وقد انتصبوا لنسخ
ما سمعوا، وتصحيح ما جمعوا، هاجرين الفرش الوطئ والمضجع الشهي، غشيهم النعاس فأنامهم، وتساقطت من أكفهم أقلامهم،
فانتبهوا مذعورين، ودلكوا بأيديهم عيونهم، ثم عادوا إلى الكتابة
حرصًا عليها، لعلمت أنهم حراس الإسلام وخزان الملك العلام، فإذا
_________________
(١) فتح الباري ١/ ١٩٢.
[ ٥١ ]
قضوا من بعض ما راموا أوطارهم انصرفوا قاصدين ديارهم، فلزموا المساجد وعمروا المشاهد.
وقد قيل للإمام أحمد: أيرحل الرجل في طلب العلم؟ فقال: بلى والله شديدًا، لقد كان علقمة بن قيس النخعي والأسود بن يزيد النخعي وهما من أهل الكوفة، كانا إذا بلغهما الحديث عن عمر ﵁ لم يقنعا حتى يرحلا إلى المدينة فيسمعا الحديث منه.
ورحلاتهم ليست يومًا أو يومين فحسب، بل سنوات طويلة وأشهر متتابعة، مع ما فيها من مشقة وجهد، وجوع وعطش، وخطر الطريق وآفات المسير.
فقد رحل الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده لطلب العلم وعمره عشرون سنة، ورجع إلى بلده وعمره خمسة وستون عامًا، وكانت مدة رحلته خمسة وأربعين عامًا، وسمع فيها العلم وتلقاه عن ألف وسبعمائة شيخ، فلما رجع إلى بلده تزوج وهو ابن خمسة وستين عامًا، ورزق الأولاد، وحدث الناس وعلمهم (١).
وقال ابن المقرئ يحدث عن نفسه: طفت المشرق والمغرب أربع مرات.
وقال: مشيت بسبب نسخة «المفضل بن فضالة» سبعين مرحلة، ولو عرضت على خباز برغيف لم يقبلها (٢).
وقال عبد الله بن بريدة: إن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - رحل إلى
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٣٢.
(٢) تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٧٤.
[ ٥٢ ]
فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه وهو يمد لناقة له، فقال: مرحبًا، قال: أما إني لم آتك زائرًا، ولكن سمعت أنا وأنت حديثًا من رسول الله - ﷺ - رجوت أن يكون عندك منه علم. قال: ما هو؟ قال: كذا وكذا (١).
وجابر بن عبد الله الصحابي الجليل يروي قصة رحلته فيقول:
بلغني حديث عن رسول الله - ﷺ - لم أسمعه، فابتعت بعيرًا فشددت عليه رحلي، وسرت شهرًا، حتى قدمت الشام، فأتيت عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فأتاه، فقال له: جابر بن عبد الله؟ فأتاني فقال لي، فقلت: نعم. فرجع فأخبره، فقام يطأطئ ثوبه حتى لقيني فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك سمعته من رسول الله - ﷺ - في القصاص لم أسمعه، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول فذكر الحديث (٢).
أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبئك عن تفصيلها ببيان
ذكاء، وحرص، واجتهاد، وبلغة وصحبة أستاذ، وطول زمان (٣)
والإمام البخاري رحل إلى محدثي الأمصار، وكتب بخراسان
_________________
(١) سنن الدارمي ١/ ١٤٢.
(٢) تدريب الراوي ٢/ ١٤٢.
(٣) ديوان الشافعي ص ٨١.
[ ٥٣ ]
والجبال ومدن العراق كلها والحجاز والشام ومصر، وورد بغداد دفعات (١).
وقال ﵀ محدثًا عن نفسه: كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث إلا أذكر إسناده (٢).
وهذا أبو حاتم الرازي كان يرتحل في طلب أحاديث رسول الله - ﷺ - ماشيًا على أقدامه، وقال وهو يتحدث عن نفسه:
مشيت على قدمي ألف فرسخ (٣)، ثم تركت العدد (٤).
نعم يا أهل الهمم، مشى على قدمه أكثر من خمسة آلاف كيلو متر.
وقد سافر من البحرين إلى مصر، ومن مصر إلى الرملة، ومن الرملة إلى طرسوس على أقدامه، وضاقت عليه النفقات مرة في البصرة فباع ثيابه حتى نفدت، وجاع يومين، فأعلم رفيقه، فساعده وخدمه (٥).
والمكتبات اليوم عامرة بالكتب وعلى بعد خطوات، ولكن أين المجدون وأين المشمرون؟ !
دببت للمجد والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم وعانق من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا (٦)
_________________
(١) تاريخ بغداد ٢/ ٤.
(٢) تاريخ بغداد ٢/ ١٠.
(٣) الفرسخ: نحو خمسة كيلو مترات.
(٤) تذكرةالحفاظ ٢/ ٥٦٧ بتصرف.
(٥) تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٦٨ بتصرف.
(٦) الأمالي لأبي علي القالي ١/ ١١٣.
[ ٥٤ ]
قال أبو العلاء الهمداني: رحلت إلى بغداد لطلب العلم، فكنت أبيت الليل في المساجد وآكل خبز الذرة.
وكان يمشي في اليوم الواحد ثلاثين فرسخًا (١) وهو حامل كتبه على ظهره لأجل طلب العلم.
ورحل عمر بن عبد الكريم الرواسي في طلب العلم، وسمع العلم من ثلاثة آلاف وستمائة شيخ، وفي إحدى رحلاته سقطت بعض أصابعه من شدة البرد والثلج، ولم يكن معه آنذاك ما يتدفأ به (٢).
وقال أبو العالية: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله - ﷺ - فما نرضى حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم (٣).
وتأمل ما يجدون من التعب والنصب ومجاهدة الأخطار وصعوبة الأسفار.
قال عبد الرحمن بن خراش المروزي: شربت بولي في السفر لطلب علم الحديث خمس مرات (٤).
ومقصوده ﵀ أنه كان يسافر الأسفار البعيدة
ويقطع المسافات الطويلة لطلب العلم، فربما في بعض رحلاته نفد عليه
_________________
(١) تقارب ١٥٠ كم.
(٢) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٣٨ بتصرف.
(٣) سنن الدارمي ١/ ١٤٠.
(٤) ميزان الاعتدال للذهبي جـ ٢.
[ ٥٥ ]
الماء فشرب بعض بوله ليدفع عن نفسه الموت.
وقال محمد بن أبي حاتم أيضًا: خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتخلفت عني نفقتي حتى جعلت أتناول الحشيش ولا أخبر بذلك أحدًا، فلما كان اليوم الثالث أتاني آت لم أعرفه فناولني صرة دنانير، وقال: أنفق على نفسك (١).
أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟ !
رحل الإمام الحافظ محمد بن طاهر المقدسي في طلب العلم، وكان ما قال واصفًا حاله أثناء رحلته: بلت الدم في طلبي للحديث مرتين: مرة ببغداد ومرة بمكة؛ وذلك أني كنت أمشي حافيًا في سفري لطلب العلم في شدة الحر وعلى الرمضاء المحرقة، فأثر ذلك في جسدي فبلت دمًا، وما ركبت دابة قط في طلب الحديث إلا مرة واحدة، وكنت دائمًا أحمل كتبي على ظهري في أثناء سفري، حتى استوطنت البلاد وما سألت في حال طلبي للعلم أحدًا من الناس مالًا، وكنت أعيش على ما يأتيني الله به من رزق من غير سؤال (٢).
ورحل مسروق بن الأجدع من أجل حرف واحد، ورحل أبو سعيد في حرف واحد (٣).
وقال سعد بن المسيب ﵀: كنت أرحل الأيام والليالي في طلب حديث واحد (٤).
_________________
(١) الطبقات الكبرى للسبكي ٢/ ٢٢٧.
(٢) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٤٣.
(٣) البداية والنهاية ٩/ ١١.
(٤) البداية والنهاية ٩/ ١١١، تذكرة الحفاظ ١/ ٥٦.
[ ٥٦ ]
وسافر عامر بن شراحبيل من الكوفة إلى مكة، لأجل ثلاثة أحاديث ذكرت له فقال: أسافر إلى مكة لعلي ألقى رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فأسمعها منه.
وكان إسحاق بن منصور المروزي من تلاميذ الإمام أحمد، وقد كتب عن الإمام أحمد مجموعة من المسائل الفقهية ثم رجع إلى بلده نيسابور، ثم إنه بلغه أن الإمام أحمد قد رجع عن تلك المسائل وصار يفتي بغيرها، فوضع إسحاق صحفه وكتبه التي فيها تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره، وخرج راحلًا على قدميه من نيسابور (١) إلى بغداد، حتى لقي الإمام أحمد وسأله عن تلك المسائل فأقر له أحمد بما أفتاه به أولًا، وأعجب الإمام أحمد به (٢).
ولما خرج أحمد إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئًا (٣).
وقال أحمد بن سنان الواسطي: بلغني أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز على طعام أخذه منه، عند خروجه من اليمن.
وسرقت ثيابه وهو باليمن، فجلس في بيته ورد عليه الباب، وفقده أصحابه، فجاءوا إليه فسألوه فأخبرهم، فعرضوا عليه ذهبًا فلم يقبله، ولم يأخذ منهم إلا دينارًا واحدًا، ليكتب لهم به - أي أخذ الدينار على
_________________
(١) مدينة تقع في مقاطعة خراسان شمال شرق إيران حاليًا.
(٢) تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٢٤ بتصرف.
(٣) مناقب الإمام أحمد ص ٢٢٦.
[ ٥٧ ]
أن يكون أجرة لما ينسخه لهم من الكتب - فكتب لهم بالأجر، رحمه الله تعالى (١).
نعم هذه حال إمام أهل السنة، قدس الله روحه وأمطر عليه شآبيب رحمته.
وأما ما أصابه أيام المحنة مع صبره وثباته فهو عجيب يطيب سماعه.
لله يعلم ما قبلت سيرتهم يومًا فأخطأ دمع العين مجراه
أما بقي بن مخلد فقد قام برحلتين إلى الشام والحجاز؛ الأولى استغرقت أربعة عشر عامًا والثانية استمرت عشرين عامًا، وكلها كانت على الأقدام ماشيًا كما صرح هو بذلك حيث قال: كل من رحلت إليه فماشيًا على قدمي (٢).
وقال عبدان الجواليقي: رحلت إلى البصرة ثماني عشرة مرة من أجل حديث أيوب السختياني كلما ذكر لي حديث من أحاديثه يوجد فيها رحلت إليها لأسمعه.
وهذه الرحلة وهذا الصبر في طلب العلم لا يتم إلا كما أجاب الشعبي عندما سئل: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاغتمام، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمام، وبكور كبكور الغراب (٣).
وصدق والله. إنما يقطع السفر بلزوم الجادة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق، ونام الليل كله، فمتى يصل إلى مقصده؟ ! (٤).
_________________
(١) البداية والنهاية ١٠/ ٣٢٩.
(٢) تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣١.
(٣) السير ٤/ ٣٠٠.
(٤) الفوائد ص ١٣١.
[ ٥٨ ]
الجد بالجد والحرمان في الكسل فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
إليك صبر وهمة أحدهم، ولعل قلبك يتحرك وأنت تتخيل المخاطر والأهوال التي يلاقيها والمصاعب التي يواجهها؛ فقد سافر الخطيب التبريزي من تبريز إلى معرة النعمان، وأخذ معه كتاب تهذيب اللغة للأزهري ليقرأه على عالم مشهور في معرة النعمان، ووضع الكتاب في جراب له وحمله على ظهره، وكان ﵀ فقيرًا لا مال له، فلم يقدر على استئجار دابة ليركبها، فقطع المسافة ماشيًا على رجليه في شدة الحر والقيظ والرمضاء، حتى أنه من كثرة العرق الذي تصبب منه في شدة الحر في هذه الرحلة تسرب البلل من ظهره إلى ثيابه ومن ثيابه إلى الجراب الذي فيه الكتاب، ووصل البلل إلى الكتاب فأثر في الخبر وأفسد بعض الكلمات حتى أن من رأى الكتاب يظنه قد غمس في ماء، وما هو إلا عرق الخطيب التبريزي (١).
والسؤال نحو القارئ الحبيب: كم قطرة عرق نزلت من على جبينك طوال سنوات تحصيلك العلمي؟ ! بل وكم سنة تغربت في طلب حديث أو تفسير آية؟ !
هذا إمام أهل السنة الإمام أحمد قد طلب الحديث وهو ابن ست عشرة سنة، وخرج إلى الكوفة سنة ثلاث وثمانين ومائة، وهو أول
سفر له، وخرج إلى البصرة سنة ست وثمانين، وخرج إلى سفيان
ابن عيينة إلى قلة سنة سبع وثمانين، وهي أول سنة حج فيها الإمام أحمد،
_________________
(١) وفيات الأعيان ٢/ ٢٣٣.
[ ٥٩ ]
وخرج إلى عبد الرزاق بصنعاء اليمن سنة سبع وتسعين، ورافق يحيى بن معين في رحلته إليه.
ورحل هشام بن عمار إلى الإمام مالك بن أنس، وهو بالمدينة، ليسمع عنه العلم، قال: فدخلت على مالك وأخبرته خبري، وقلت له: بحديث بحيث رسول الله - ﷺ - فقال: لا بل اقرأ أنت علي، فقلت: لا، بل حدثني، فقال: اقرأ، فلما راجعته وراددته في الكلام قال لبعض خدمه: يا غلام! اذهب بهذا واضربه خمسة عشر سوطًا، قال هشام: فذهب بي وضربني ثم ردني إلى مالك، فقلت لمالك: لقد ظلمني؛ ضربتني بغير ذنب اقترفته، ولا أجعلك في حل، فقال مالك: فما كفارة هذا الظلم؟ فقلت: كفارته أن تحدثني بخمسة عشر حديثًا، قال هشام: فحدثني بخمسة عشر حديثًا، فلما فرغ قلت له: زد من الضرب وزد في الحديث، فضحك مالك وقال لي: انصرف (١).
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ (٢)، لم أزل أحصي حتى لما زاد على الألف فرسخ تركته، ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة، ومن
مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحرين من قرب مدينة
صلا إلى مصر ماشيًا، ومن مصر إلى الرملة ماشيًا، ومن الرملة
إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن
_________________
(١) معرفة القراء الكبار للذهبي.
(٢) أكثر من ٥٠٠٠ كيلومتر.
[ ٦٠ ]
طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طرسوس، ثم رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بقي علي شيء من حديث أبي اليمان فسمعت، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشيًا، كل هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة أجول سبع سنين، خرجت من الري سنة ثلاث عشرة ومائتين، قدمنا الكوفة في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة والمقرئ حي بمكة وجاءنا نعيه ونحن بالكوفة، ورجعت سنة إحدى وعشرين ومائتين.
وخرجت المرة الثانية سنة اثنتين وأربعين ورجعت سنة خمس وأربعين، أقمت ثلاث سنين، وقدمت طرسوس سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة (١).
ومع ما في رحلتهم من حفظ للعلم ونشره فإن إبراهيم بن أدهم يذكرنا بأمر مهم يجلب الخير ويدفع البلاء وهو عبادة الله ﷿، والتقرب إليه بالأعمال الصالحة؛ ومن أهمها حفظ هذا الدين بالعلم الشرعي: إن الله يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أهل الحديث (٢).
وقال ابن الجوزي: لقد طاف الإمام أحمد بن حنبل الدنيا مرتين حتى جمع كتابه المسند (٣).
_________________
(١) الجرح والتعديل ١/ ٣٥٩.
(٢) شرف أصحاب الحديث.
(٣) صيد الخاطر ص ٢٤٦.
[ ٦١ ]
وانظر إلى علو الهمة وطول الصبر فقد قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حججت خمس حجج، منها ثلاث حجج راجلًا (من بغداد) أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا (١).
وقال محمد بن إسحاق الأرغياني: ما أعلم منبرًا من منابر الإسلام بقي علي لم أدخله لسماع الحديث.
وأما محمود بن عمر الزمخشري فقد سافر لطلب العلم، فلما كان ببعض أسفاره في بلاد خوارزم، أصابه برد شديد وثلج كثير في الطريق، فسقطت إحدى رجليه من شدة البرد، وكان الزمخشري بعد ذلك معه محضر فيه شهادة خلق كثير، أن رجله سقطت من البرد، لئلا يظن أحد أنها قطعت في حد من الحدود الشرعية (٢).
وقال يحيى بن معين: خرجت إلى صنعاء أنا وأحمد بن حنبل، لنسمع الحديث عن إمام أهل اليمن عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وفي طريقنا من بغداد إلى اليمن مررنا بمكة فحججنا مع الناس، فبينا أنا في الطواف إذ لقيت عبد الرزاق بن همام وهو يطوف بالبيت، وكان قد حج في ذلك العام، فسلمت عليه وأخبرته أن معي في سفري أحمد بن حنبل، فدعا لأحمد وأثنى عليه خيرًا.
قال ابن معين: فرجعت إلى أحمد وقلت له: قد قرب الله
خطانا، ووفر علينا النفقة، وأراحنا من السير مسيرة شهر، وهذا عبد الرزاق هاهنا فلنسمع الحديث منه هنا بمكة، فقال أحمد: إني نويت وأنا
_________________
(١) تهذيب التهذيب لابن حجر ١/ ٧٣.
(٢) وفيات الأعيان ٥/ ١٦٩.
[ ٦٢ ]
ببغداد أن أسمع من عبد الرزاق بصنعاء، ولا والله لا أغير نيتي أبدًا، فلما قضينا حجنا ارتحلنا إلى صنعاء، ثم نفذت نفقة أحمد ونحن بصنعاء، فعرض عليه عبد الرزاق مالًا فرفضه، ولم يقبل مساعدة أحد، وكان يعمل التكك ويقتات من ثمنها (١).
عن أبان بن أبي عياش قال: قال لي أبو معشر الكوفي: خرجت من الكوفة إليك - إلى البصرة - في حديث بلغني عنك، قال: فحدثته به (٢). (والمسافة بين الكوفة والبصرة أكثر من ٣٥٠ كيلومترًا).
ورحل بقي بن مخلد من الأندلس إلى بغداد، على قدميه ماشيًا، وقطع القفار والبحار والجبال وكان عمره آنذاك عشرين سنة، وكان مقصوده لقاء الإمام أحمد بن حنبل وسماع الحديث منه، ولما اقترب من بغداد جاءه خبر محنة لإمام أحمد في فتنة القول بخلق القرآن، وبلغه أن الإمام أحمد قد منع من التدريس وإقامة الحلقات، وأنه مقيم في بيته رهن الإقامة الجبرية، قال بقي: فاغتممت لذلك أشد الهم والاغتمام، ولكنه أصر على مواصلة رحلته، فلما وصل بغداد وضع متاعه
ثم ذهب إلى الجامع الكبير بها، ثم خرج باحثًا عن منزل أحمد، فدل عليه، فطرق الباب ففتح له أحمد، فقال له بقي: أنا رجل غريب الدار
وطالب حديث، وما كانت رحلتي إلا إليك، فقال: وأين بلدك؟ قلت: المغرب الأقصى، أجوز من بلدي البحر إلى إفريقية (أي
من الأندلس) فقال: إن موضعك لبعيد، ووددت مساعدتك ولكني في
_________________
(١) المنهج الأحمد في ترجمة الإمام أحمد ٩/ ٣٩٣.
(٢) الرحلة في طلب الحديث ص ١٤٨.
[ ٦٣ ]
حيني هذا ممتحن ومحبوس في داري، فقال بقي: يا أبا عبد الله! أنا رجل غريب لا يعرفني أحد من أهل بغداد، فإن أذنت لي أن آتيك كل يوم في زي السؤال، فأطرق الباب وأسال الصدقة، فتخرج إلي فتحدثني ولو بحديث واحد كل يوم، فقال أحمد: نعم بشرط ألا تظهر في الحلق وعند أصحاب الحديث، قال بقي: فكنت آخذ عودًا بيدي وألف رأسي بخرقة، وأجعل ورقي ومحبرتي في كمي، ثم آتي باب الدار فأصيح: الأجر رحمكم الله، فيخرج إلي أحمد، ويغلق باب الدار، ويحدثني بالحديثين والثلاثة حتى اجتمع لي نحو ثلاثمائة حديث، ثم إن الله رفع المحنة عن الإمام أحمد وسمح له بعقد الدروس والحلقات، فكنت إذا جئته وهو في حلقته أفسح لي المكان وأجلسني بجواره، وقال لتلاميذه: هذا يصدق عليه اسم طالب العلم، ثم يقص عليهم قصتي معه، ثم مرة مرضت فأتاني أحمد يعودني ومعه أصحابه ومعهم أقلامهم يكتبون كلام شيخهم (١).
وقال الإمام أحمد: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا (٢).
وقال أبو حامد الإسفراييني: لو رحل رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب «التفسير» لمحمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا (٣).
وتفسير ابن كثير الآن بين أيدينا فكم من المسلمين من يقرأه؟ !
_________________
(١) السير ١٣/ ٢٩٢.
(٢) فتح الباري ٨/ ٤٣٨.
(٣) طبقات الفقهاء لابن الصلاح ١/ ١٠٩.
[ ٦٤ ]
طواه النسيان، واعتلاه عند أصحاب المكتبات الغبار. أما أولئك فإنهم أصحاب جهاد وصبر.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١).
قال الفضيل: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به (٢).
وتأمل سيرة الأئمة الأعلام كيف يسر الله لهم هذا الطريق وفتح لهم مغاليق الأبواب.
عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄: لما قبض رسول الله - ﷺ - وأنا شاب، قلت لشاب من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله - ﷺ - ولنتعلم منهم فإنهم اليوم كثير، فقال لي: يا عجبًا لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - من فيهم؟ قال ابن عباس: فتركت ذلك الرجل وأقبلت أنا على المسألة، وجعلت أتبع الصحابة وأسألهم، فإن كنت لآتي الرجل في طلب حديث واحد يبلغني أنه سمعه من رسول الله - ﷺ -، فأجده قائلًا فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح على وجهي التراب (أي تنثره) حتى يخرج، فإذا خرج قال: ابن عم رسول الله - ﷺ -؟ ! ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك، فأقول: لا أنا
أحق أن آتيك، بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله - ﷺ - فأحببت أن أسمعه منك. قال ابن عباس: فكان ذاك الفتى الأنصاري يراني بعد
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.
(٢) تفسير النسفي ٢/ ١٣٠٧.
[ ٦٥ ]
ذلك وقد اجتمع الناس حولي يسألونني فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني (١).
وهذا يعقوب بن سفيان يتحدث عن طلبه للعلم وصبره على ذلك ومجاهدته النفس حتى رزقه الله العلم والفقه فيقول: أقمت في الرحل ثلاثين عامًا، ففي إحدى رحلاتي قلت نفقتي، فكنت أعمل بنسخ الكتب ليلًا، وأطلب العلم بالنهار، وفي ذات ليلة بينا أنا جالس أكتب وأنسخ على ضوء السراج، وكان الوقت شتاءً، إذ نزل الماء في عيني، وما عدت أبصر شيئًا فبكيت أسفًا على ذهاب بصري لما سيفوتني من قراءة العلم وكتابته، فغلبتني عيناي فنمت وأنا على تلك الحال، فرأيت رسول الله - ﷺ - في المنام، فناداني وقال: لم بكيت؟ فقلت: ذهب بصري فتحصرت على ما فاتني من العلم، فقال لي: ادن مني، فدنوت منه، فأمر يده على عيني كأنه يقرأ عليها ثم استيقظت فأبصرت، فأخذت نسختي وواصلت الكتابة (٢).
وذكر القاضي عياض أن أبا الوليد الباجي كان أصله من «بطليوس» ثم انتقل إلى «باجة الأندلس» فقيرًا حتى احتاج أثناء سفره إلى أن يؤجر نفسه لحراسة درب من الدروب، فكان يستعين بأجره الحراسة على النفقة لطلب العلم، وبضوء مصابيح الدرب على
القراءة والمطالعة، ثم إنه تولى ضرب صفائح الذهب وطرقها ودقها
لتكون خيوطًا توضح في النسيج والقماش، فكان يخرج إلى بعض تلاميذه
_________________
(١) البداية والنهاية ٨/ ٢٩٨، وابن عبد البر في بيان العلم وفضله ١/ ١٠٦.
(٢) تهذيب التهذيب ١١/ ٣٨٧ بتصرف.
[ ٦٦ ]
القلائل وفي يديه أثر المطرقة وصدأ العمل، ثم بعد ذلك فشا علمه واشتهر صيته وذاعت شهرته فأغناه الله من فضله (١).
أخو العلم حي خالد بعد موته وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماشٍ على الثرى يظن من الأحياء وهو عديم
أما عبد الله بن حمود الزبيدي فقد طلب العلم على يد أبي علي الفارسي، ففي ذات مرة نام في بيت الدواب الذي كان خارج دار أبي علي الفارسي، وكانت فيه دابة أبي علي، وإنما فعل الزبيدي ذلك لأجل أن يسبق الطلبة إلى أبي علي الفارسي قبل أن يزدحموا عليه، ففي ذات مرة خرج أبو علي من بيته لصلاة الفجر مبكرًا قبل طلوع الفجر، فشعر به الزبيدي فتبعه في الظلام، فخاف أبو علي وظنه لصًا وقال: ويحك من تكون؟ قال أنا تلميذك عبد الله الزبيدي، فصاح فيه: إلى متى تتبعني؟ والله ما على الأرض أحد أعلم بالنحو منك.
وحكى أبو الحسن يوسف بن أبي ذر البخاري أن محمد بن إسماعيل البخاري مرض، فعرضوا ماءه على الأطباء، فقالوا: إن هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النصارى فإنهم لا يأتدمون، فصدقهم محمد بن إسماعيل وقال: لم آتدم منذ أربعين سنة، فسألوا عن علاجه؟ فقالوا: علاجه الإدام، فامتنع حتى ألح عليه المشايخ وأهل العلم فأجابهم إلى أن يأكل مع الخبز سكرة (٢).
_________________
(١) ترتيب المدارك ٤/ ٨٠٤.
(٢) مقدمة الفتح ٤٨١.
[ ٦٧ ]
بقدر الكد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي
تروم العز ثم تنام ليلًا يغوص البحر من طلب اللآلي
أخي القارئ:
لعلك تسير بين السطور لترى رحلة أولئك بين هجير الشمس وزمهرير الشتاء وضيق العيش وكرب السفر.
رحل عبد الله بن فروخ القيرواني إلى أبي حنيفة ليطلب عنده العلم، فبينا عبد الله جالس ذات يوم في منزل أبي حنيفة إذ سقطت آجرة على رأس عبد الله بن فروخ فشجت رأسه وسال دمه، فقال له أبو حنيفة: اختر إما الدية أو ثلاثمائة حديث، فقال عبد الله: بل أختار ثلاثمائة حديث، قال: فحدثني بها (١).
وقال الإمام أحمد ﵀: كنت ربما أردت البكور في طلب الحديث، فتأخذ أمي بثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا (٢).
وحينما سئل أبو القاسم الطبراني عن سبب كثرة حفظه وكتابته للأحاديث فقال: كنت أنام على البواري (أي الحصر التي في المساجد) ثلاثين سنة (٣).
_________________
(١) ترتيب المدارك ص ٣.
(٢) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٣١.
(٣) تذكرة الحفاظ ٣/ ٩١٥.
[ ٦٨ ]
أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟
قال أبو الفضل بن بنيمان: رأيت أبا العلاء الهمذاني في مسجد من مساجد بغداد يكتب وهو قائم لأن السراج كان عاليًا (١).
وقال عمر بن حفص: فقدنا البخاري أيامًا من كتابة الحديث بالبصرة، فطلبناه فوجدناه في بيته وهو عريان، وقد نفد ما عنده من مال ولم يبق معه شيء، فجمعنا له دراهم واشترينا له ثوبًا، فكسوناه إياه (٢).
نعم هذه حال جامع صحيح البخاري ﵀، وأجزل مثوبته، وجزاه عن الإسلام خير الجزاء.
وتأمل أخي القارئ في طول الصبر والمصابرة والجهد والمجاهدة ..
قال مالك: كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه.
العلم يحيي أناسًا في قبورهم والجهل يلحق أحياءً بأموات
قال مصعب الزبيري: أوصى يحيى بن زكريا إلي بكتب سليمان بن بلال التي كانت عنده، فأخذ كتب سليمان وخبأتها عندي، فجاء الفأر فبال عليها، فكنت أقرأ ما استبان لي من الكلمات وأدع ما طمسه بول الفأر.
وقال الإمام أحمد: رحلت في طلب العلم والسنة إلى
الثغور، والشامات، والسواحل، والمغرب، والجزائر، ومكة، والمدينة،
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٢٥.
(٢) تاريخ بغداد ٢/ ١٣.
[ ٦٩ ]
والحجاز، واليمن، والعراقيين جميعًا، وفارس، وخراسان، والجبال، والأطراف، ثم عدت إلى بغداد.
وخرجت إلى الكوفة، فكنت في بيت تحت رأسي لبنة! فحممت!
فرجعت إلى أمي رحمها الله ولم أكن استأذنتها، ولو كان عندي تسعون درهمًا كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الري (١)، وخرج بعض أصحابنا ولم يمكني الخروج، لأنه لم يكن عندي شيء! (٢).
وقال الوراق عن الإمام البخاري:
كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ، فكنت أراه يقوم في الليلة الواحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري نارًا بيده ويسرج ويخرج أحاديث فيعلم عليها ثم يضع رأسه، فقلت له: إنك تحمل على نفسك كل هذا ولا توقظني، قال: أنت شاب فلا أحب أن أفسد عليك نومك (٣).
﵏ وأجزل مثوبتهم، ورزقنا من صبرهم وأفاض علينا من علمهم، وجمعنا وإياهم ووالدينا في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.
_________________
(١) من مدن إيران حاليًا.
(٢) مناقب الإمام أحمد ص ٢٥، البداية والنهاية ١٠/ ٣٣٦.
(٣) تاريخ بغداد ٢/ ١٣.
[ ٧٠ ]