رأس مال الإنسان هو وقته، وحال العلماء ومحافظتهم على أوقاتهم يجب الوقوف عندها والتأمل فيها؛ فإن في مراجعتها إحياء للهمم، وتقوية للعزائم، وطردًا للكسل، وإبعادًا للخمول.
ها هو الصحابي الجليل معاذ بن جبل ﵁ عندما حضرته الوفاة قال لجاريته: ويحك! هل أصبحنا؟ قالت: لا، ثم تركها ساعة، ثم قال: انظري، فقالت: نعم، فقال: أعوذ بالله من صباح إلى النار، ثم قال: مرحبًا بالموت، مرحبًا بزائرٍ جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، ولظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر (١).
وهذا الإمام البخاري ﵀ يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى، حتى كان يتعدد ذلك منه في الليلة الواحدة قريبًا من عشرين مرة (٢).
وذكر في ترجمة سليمان بن إبراهيم العلوي أنه أتى على البخاري
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٥٧.
(٢) البداية والنهاية ١١/ ٢٨.
[ ٧١ ]
نحوًا من مائتين وثمانين مرة قراءة وسماعًا وإقراءً.
وقال أحمد بن حنبل: قال أبو أسامة ﵀: كتبت بيدي هذه مائة ألف حديث.
وقال يحيى بن معين ﵀ كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث (١).
ما تطعمت لذة العيش حتى صرت للبيت والكتاب جليسًا
ليس شيء أعز عندي من العلم فلم أبتغ سواه أنيسًا
إنما الذل في مخالطة الناس فدعهم وعش عزيزًا رئيسًا (٢)
وذكر عن عباس بن الوليد الفارسي أن بعض إخوانه وجدوا مكتوبًا في آخر بعض كتبه: درست هذا الكتاب ألف مرة.
وذكر في ترجمة ابن التبان أنه أخذ العلم عن ابن اللباد وغيره، ودرس كتاب «المدونة» نحو ألف مرة.
وقال محمد بن عبد الله الأبهري: قرأت مختصر ابن عبد الحكم خمسمائة مرة، وكتاب الأسدية خمسًا وسبعين مرة، والموطأ خمسًا وأربعين مرة، ومختصر البرقي سبعين مرة، والمبسوط ثلاثين مرة.
قال بعض السلف: إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت
_________________
(١) تقييد العلم للخطيب.
(٢) شذرات الذهب ٩/ ٥٧.
[ ٧٢ ]
على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (١).
وقال سعيد بن فيروز: لأن أكون في قوم أتعلم منهم، أحب إلي من أن أكون في قوم أنا أعلمهم (٢).
وعندما سئل ابن المبارك: إلى كم تكتب الحديث؟ قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أسمعها بعد.
وقال محمد بن إسماعيل الصائغ: مر بنا أحمد بن حنبل ونعلاه في يديه وهو يركض في دروب بغداد ينتقل من حلقة لأخرى، فقام أبي وأخذ بمجامع ثوبه وقال له: يا أبا عبد الله! إلى متى تطلب العلم؟ قال: إلى الموت (٣).
يا طالب العلم:
من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل للفضائل، وأنه كلما علت مرتبته في علم وعمل وزادت المرتبة في دار الجزاء، انتهب الزمان ولم يضيع لحظةً، ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حصلها (٤).
قال عبد الله بن محمد البغوي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر (٥).
أما أبو سعد السمعاني فقد رحل إلى بغداد وعمره ستة عشر عامًا، ليدرك
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٣ - تفسير ابن كثير.
(٢) مفتاح دار السعادة جـ ١.
(٣) شرف أصحاب الحديث ص ٦٨.
(٤) الآداب الشرعية ١/ ٢٤١.
(٥) مناقب الإمام أحمد ص ٣١.
[ ٧٣ ]
أبا نصر الزيني، ليسمع منه حديث علي بن الجعد عن شعبة، فلما وصل بغداد تلقاه نبأ وفاة أبي نصر الزيني، فبكى أبو سعد وجعل يقول: من أين لي علي بن الجعد عن شعبة؟
وكتب أبو علي الفارسي مجموعة من كتب العلم بيده، ثم إنه جاء حريق فالتهم تلك الكتب، فبقي أبو علي شهرين كاملين لا يكلم أحدًا، من شدة الهم والحزن على هذه المصيبة، وبقي مدة ذاهلًا متحيرًا من هذه الصدمة، ثم صبره الله وعاد إلى رشده.
وفقد الكتاب كفقد الصواب فيا هول من قد أضاع الكتب
وقديمًا قالوا: كتابك الذي تكتبه بيدك هو ولدك المخلد بعد موتك.
وأما هموم الناس اليوم فهي هموم الدنيا وجمع حطامها؛ يصبح الكثير من الناس ويمسي وهو مهموم مغموم من دينار فاته أو درهم خسره.
ونتحدث عن الحماسة لطلب العلم الشرعي، لأننا في زمان ماتت فيه الهمم، وضعفت فيه العزائم، وقلت فيه رغبة الناس في تحصيل العلم الشرعي.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من الكتاب، فأبيت ساهرًا الليل كله فرحًا مني بتلك الفائدة.
وبات محمد بن أحمد النسفي ليلة قلقًا حزينًا لما أصابه من الفقر وركبه من الدين، وكانت قد أشكلت عليه مسألة فقهية لم يعرف جوابها، ففكر فيها في ظلام الليل وهو مهموم حزين ففتحها الله
عليه وعرف جوابها، فقام يدور في غرفته ويتمايل طربًا، ويقول: أين
[ ٧٤ ]
الملوك وأهل الدنيا؟ فتعجب امرأته من حاله، وظنت أنه قد وجد سبيلًا للحصول على مال يسد به فقره، فسألته: ما لك؟ فأخبرها الخبر؛ فتعجبت وحزنت.
وعندما سئل الإمام الشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ فقال: أسمع بالحرف من العلم لم أسمعها من قبل، فتود أعضائي أن لها آذانًا تتنعم بها بهذه الكلمة كما تنعمت بها أذناي، فقيل له: كيف حرصك على تحصيل العلم؟ فقال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال. فقيل له: فكيف طلبك للعلم؟ فقال: كطلب المرأة التي أضاعت ولدها وليس لها ولد سواه.
وقالوا لبعض السلف: من يؤنسك؟ قال: فضرب بيديه على كتبه وقال: هذه، فقالوا: من الناس؟ قال: الناس الذين فيها.
إني رأيت وفي الأيام تجربة للصبر عاقبة محمودة الأثر
عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (١).
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم.
[ ٧٥ ]
قال الخطيب البغدادي:
جمع رسول الله - ﷺ - في هذا الحديث مراتب الفقهاء والمتفقهين من غير أن يشذ منها شيءٌ؛ فالأرض الطيبة: هي مثل الفقيه الضابط لما روى، الفاهم للمعاني، المحسن لرد ما اختلف فيه إلى الكتاب والسنة، والأجادب الممسكة للماء التي يستقي منها الناس هي مثل الطائفة التي حفظت ما سمعت فقط، وضبطته وأمسكته، حتى أدته إلى غيرها محفوظًا غير مغيرٍ، دون أن يكون لها فقه تتصرف فيه ولا فهمٌ بالرد المذكور وكيفيته، لكن نفع الله بها في التبليغ، فبلغت إلى من لعله أوعى منها كما قال رسول الله - ﷺ -: «رب مبلغٍ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه».
ومن لم يحفظ ما سمع ولا ضبط فليس مثل الأرض الطيبة ولا مثل الأجادب، بل هو محروم، ومثله مثل القيعان التي لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء.
ومع تيسير السبل وسهولة طلب العلم كم فينا من المحرومين منه والغافلين عنه؟ !
رحل أسد بن الفرات ﵀ إلى محمد بن الحسن الشيباني، ولما حضر عنده، قال له: إني رجل غريب قليل النفقة والسماع منك قليل، والطلبة عندك كثير، فقال له محمد بن الحسن: اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك فتبيته عندي وأحدثك بالعلم، قال أسد: فكنت أبيت الليل في منزل محمد بن الحسن، فينزل إلي ومعه قدح من الماء، ثم يأخذ ويبدأ في القراءة من كتب العلم
وأنا أستمع إليه، فإن طال الليل ونعست ملأ بالماء ونضح به
[ ٧٦ ]
وجهي فأنتبه، وهكذا عدة مرات في الليل، حتى أنهيت ما أريد سماعه منه، وكان محمد بن الحسن يتعهد أسد بن الفرات بالنفقة حين علم أن نفقته قد انتهت.
﵏. لقد صدق عليهم حديث الرسول - ﷺ - حيث رفعوا للأمة رأسًا وللعلم منارًا.
يا طالب العلم باشر الورعا وباين النوم، واهجر الشبعا
ما ضر عبدًا صحت إرادته أجاع يومًا في الله أو شبعا (١)
قال الحميدي: خرجت مع الشافعي إلى مصر، فكان هو ساكنًا في العلو، ونحن في الأوساط، فربما خرجت في بعض الليل فأرى المصباح فأصيح بالغلام فيسمع صوتي فيقول: بحقي عليك ارق، فأرقى فإذا قرطاس وحبر، فأقول: مه يا أبا عبد الله، فيقول: تفكرت في معنى حديث أو في مسألة فخفت أن يذهب علي فأمرت بالمصباح وكتبته (٢).
قال أبو زكريا يحيى بن محمد: دخلت على أبي: محمد بن يحيى الذهلي في الصيف الصائف وقت القائلة، وهو في بيت كتبه، وبين يديه السراج، فقلت: يا أبه!، هذا وقت الصيف، ودخان هذا السراج بالنهار يضرك! فلو نفست عن نفسك؟ فقال لي: يا بني! تقول لي هذا وأنا مع رسول الله - ﷺ - ومع أصحابه والتابعين؟ ! (٣).
_________________
(١) روضة العقلاء ص ٣٥.
(٢) مناقب الشافعي ص ٤٣.
(٣) تاريخ بغداد ٣/ ٤١٩.
[ ٧٧ ]
أيها الحبيب ..
هذه هي مجالسهم وأولئك جلساؤهم.
مجالسهم مثل الرياض أنيقة لقد طاب منها الريح واللون والطعم
قال أبو بكر النيسابوري مخبرًا عن نفسه: لقد أقمت أربعين سنة لا أنام الليل إلا جاثيًا، وصليت الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وهذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، إيش أقول لمن زوجني، ثم قال: ما أراد إلا الخير (١).
وكان هذا السهر والنصب ألذ عند السلف من سائر ملذات الدنيا، ولذا قال قائلهم:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طربًا لكل عويصة أشهى من النغمات للعشاق
وألذ من نقر الفتاة لدفها نقري لألقي الرمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدجى وتبيته نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي؟
سأل طلبة العلم ابن برهان أحمد بن على البغدادي أن يخصص لهم وقتًا ليدرسهم فيه أحد الكتب فقال لهم: لا أجد لكم وقتًا، فكانوا
كلما حددوا له وقتًا قال لهم: أنا في هذا الوقت مشغول بمذاكرة
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٢٠.
[ ٧٨ ]
الدرس الفلاني. فانتهى بهم البحث إلى أن حددوا لهم درسًا معه في نصف الليل (١).
قال إبراهيم النخعي: إنه ليطول علي الليل حتى ألقى أصحابي فأذاكرهم (٢).
وكان وكيع بن الجراح إذا صلى العشاء ينصرف معه أحمد بن حنبل، فيقف على الباب فيتذاكران الحديث، فما يزالان يتذاكران حتى تأتي الجارية وتقول: قد طلع الكوكب (٣).
وعن ابن أبي حاتم قال: حضر قتيبة بن سعيد بغداد، وقد جاءه أحمد بن حنبل، فسأله عن أحاديث فمازالا حتى الصبح.
وقال علي بن الحسن بن شقيق: قمت مع ابن المبارك ليلة باردة ليخرج من المسجد، فذاكرني عند الباب بحديث وذاكرته، فمازال يذاكرني حتى جاء المؤذن فأذن الفجر (٤).
لقد كان هذا سهرهم وتلك رغبتهم.
قال يحيى بن أبي كثير في كلمات صادقة وحكمة مجربة: لا يستطاع هذا العلم براحة الجسد.
لا تحسب المجد تمرأ أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
قال أبو داود السجستاني: التقى وكيع وعبد الرحمن (ابن مهدي)
_________________
(١) طبقات الشافعية للسبكي ٦/ ٣٠ بتصرف.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي ص ٢.
(٣) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي.
(٤) تذكرة الحفاظ ١/ ٢٧٧.
[ ٧٩ ]
في الحرم بعد العشاء فتواقفا، حتى سمعا أذان الصبح (١).
وذكر أبو بكر محمد بن اللباد أن محمد بن عبدوس صلى الصبح بوضوء العتمة ثلاثين سنة، خمس عشرة سنة من دراسة، وخمس عشرة سنة من عبادة (٢).
أين ليل الساهين اليوم؟ ثلاثون سنة ما بين دراسة وعبادة! !
عن فضيل بن غزوان قال: كنت أجلس أنا ومغيرة بن مقسم الضبي وناس آخرون نتذاكر الفقه بعد العشاء، فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر فنذهب للوضوء.
وعلق على سهر الليل ومكابدة النوم الخطيب البغدادي فقال: وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل، وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك، وكان جماعة منهم يبدأون من العشاء فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح (٣).
قال الشاعر العالم مبينًا حبه وحرصه على الكتب والقراءة:
لمحبرة تجالسني نهاري أحب إلي من أنس الصديق
ورزمة كاغدٍ في البيت عندي أعز إلي من عدل الرفيق
ولطمة عالمٍ في الخد مني ألذ عليَّ من شرب الرحيق
قال بن شميل: لا يجد الرجل لذة العلم حتى يجوع وينسى جوعه (٤).
_________________
(١) السير ٩/ ١٩٥.
(٢) ترتيب المدارك ٣/ ١٢٢.
(٣) المجموع ١/ ٣٨.
(٤) تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٣٠.
[ ٨٠ ]
وقال أبو شهاب الحناط: بعثت أخت سفيان الثوري معي بجراب فيه طعام إلى سفيان، وكان سفيان آنذاك بمكة، فلما قدمت مكة سألت عن مكانه فدلوني عليه فأتيته وكان لي صديقًا، فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يهش في وجهي كالمعتاد، فقلت له: إن أختك قد بعثت إليك بجراب من الطعام، فاستوى سفيان جالسًا وقال: عجل به، فلما أكل قلت له: يا أبا عبد الله، أتيتك فسلمت عليك فلم تهش في وجهي وأنا صديقك، ولما أخبرتك أن أختك قد بعثت إليك جراب طعام استويت وكلمتني وأقبلت علي، فقال سفيان: لا تلمني يا أبا شهاب، فإن لي ثلاثة أيام لم أذق فيها طعامًا، قال أبو شهاب: فعذرته (١).
أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟
قال ابن أبي حاتم الرازي: كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، نهارنا ندور على الشيوخ، وبالليل ننسخ، فأتينا يومًا أنا ورفيق لي شيخًا فقالوا: هو عليل، فرأيت سمكة أعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ فمضينا، فلم يزل السمك ثلاثة أيام وكاد ينفني، فأكلناه نيًا لم نتفرغ نشويه (٢).
وقال ابن الجوزي في كتابه «صيد الخاطر» مخبرًا عن حاله في أيام
_________________
(١) الطبقات الكبرى ٦/ ٣٧٢.
(٢) تذكرة الحفاظ ١/ ٣١٤.
[ ٨١ ]
طلبه للعلم: ولقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو أحلى عندي من العسل لأجل ما أطلب وأرجو.
ومن تكن العلياء همة نفسه فكل الذي يلقاه فيها محبب
كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى ببغداد فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء (لقسوتها وصلابتها) فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق، وكنت أصبح وليس لي مأكل وأمسي وليس لي مأكل، ما أذلني الله لمخلوق قط، ولو شرحت أحوالي لطال الشرح.
ويذكر أبو حاتم ﵀ تجربة أخرى له فيقول: بقيت بالبصرة ثمانية أشهر لطلب العلم فانتهت نفقتي، فجعلت أبيع ثياب بدني شيئًا فشيئًا حتى بقيت بلا نفقة، فجعلت أطوف مع صديق لي على المشايخ، نسمع منهم الحديث فإذا جاء المساء رجعت إلى منزلي الخالي فأشرب الماء من شدة الجوع، فإذا أصبح الصبح غدا علي رفيقي وانطلقنا ندور على المشايخ وبي من الجوع ما الله به عليم، وفي ذات مرة غدا علي لننطلق فقلت له: أنا ضعيف القوى لا يمكنني ذلك، فقال: ما لك؟ قلت قد مضى علي يومان ما ذقت فيهما طعامًا، فأعطاني نصف دينار
لأتقوى به (١).
_________________
(١) الرحلة لطلب الحديث للخطيب البغدادي، الجرح والتعديل ص ٣٦٣.
[ ٨٢ ]
وكان أحمد بن حنبل يصلي بعبد الرزاق يومًا في صلاته فسأله عبد الرزاق عن سبب سهوه، فقال أحمد: ما ذقت طعامًا منذ ثلاثة أيام، وكانت هذه القصة في أثناء رحلة الإمام أحمد إلى اليمن لطلب العلم (١).
قال حجاج ابن الشاعر: جمعت لي أمي مائة رغيف فجعلتها في جراب، وانحدرت إلى شبابة بالمدائن، فأقمت ببابه مائة يوم، أغمس الرغيف في دجلة وآكله، فلما نفذت خرجت (٢).
وكان لمحمد بن سحنون جارية يقال لها أم مدام، فكان عندها يومًا وقد شغل بتأليف كتاب إلى الليل، فلما جاء الليل استمر في الانكباب على التأليف، فلما مضى جزء من الليل جاءت له بالطعام ووضعته عنده، فقال لها: أنا مشغول الساعة عن الطعام، واستمر في تأليفه، فلما طالت عليها المدة جعلت تلقمه الطعام بيدها، وهو منكب على كتبه يؤلف ويكتب، واستمر في الكتابة حتى أذن المؤذن لصلاة الفجر، فانتبه وقال لها: شغلنا عنك الليلة يا أم مدام، هات طعامك، فقالت: قد ألقمته كله لك يا سيدي، فقال لها والله ما شعرت بذلك (٣).
في زماننا هذا: أين نحن من هؤلاء؟
قال أبو المعالي الجويني مخبرًا عن حاله وقت طلبه للعلم: أنا لا
أنام ولا أحدد أوقاتًا خاصة للأكل، وإنما أنام إذا غلبتني عيناي على
_________________
(١) طبقات الحنابلة ١/ ٩٧.
(٢) السير ١٢/ ٣٠٢، وطبقات الحنابلة ص ١٤٨.
(٣) ترتيب المدارك للقاضي عياض ٣/ ١١٤.
[ ٨٣ ]
النوم ليلًا كان أو نهارًا، وآكل الطعام إذا اشتهيت الطعام في أي وقت كان.
وقال بقي بن مخلد القرطبي مخبرًا عن نفسه: إني لأعرف رجلًا كانت تمضي عليه الأيام في وقت طلبه للعلم ليس له طعام إلا ورق الكرنب الذي يرمى (١).
وقال إبراهيم بن عمر الجعيري: كنت في أول طلبي للعلم أشتري جزرًا بفلس فكان يكفيني ثلاثة أيام.
وحدث الإمام أبو علي البلخي عن رحلته في طلب العلم فقال: لقد كنت بعسقلان أطلب العلم، فقلت نفقتي وبقيت أيامًا بلا أكل، فذهبت لأكتب، فعجزت عن الكتابة لما بي من الجوع، فكنت أذهب إلى دكان خباز وأقعد بقربه وأشم رائحة الخبز وأتقوى بها، ثم يسر الله لي مالًا (٢).
وقال أبو العباس الجرجاني: كان أبو إسحاق الشيرازي لا يملك شيئًا من الدنيا، فبلغ به الفقر مبلغه، حتى كان لا يجد قوتًا ولا ملبسًا!
ولقد كنا نأتيه وهو ساكن في القطيعة - حي من أحياء بغداد - فيقوم لنا نصف قومة، ليس يعتدل قائمًا من العري! كي لا يظهر منه شيء.
وهذا عيسى بن موسى بن محمد المتوكل يقول: مكثت ثلاثين عامًا، أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريسة السوق فلا أقدر على ذلك، لأجل البكور في طلب الحديث.
_________________
(١) السير ١٣/ ٢٩٢.
(٢) تذكرة الحفاظ ٤/ ١١٧٣.
[ ٨٤ ]
وقال أبو العباس البكري: جمعت الرحلة في طلب العلم بين محمد بن جرير الطبري ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن هارون الروياني، فنفدت نفقتهم وافتقروا واشتد عليهم الجوع، فاتفقوا على أن يقدموا واحدًا منهم ليدعوا الله أن يفرج عنهم، وييسر لهم طعامًا، والبقية يؤمنون، فكل واحد منهم اعتذر وقال: لست لذلك بأهل، احتقارًا منهم لأنفسهم، فاقترعوا فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقال لهم: أمهلوني حتى أصلي ركعتين وبعدها أدعوا لكم، فتوضأ وشرع في الصلاة، فبينا هو في صلاته لم يفرغ منها إذ طرق الباب، ففتح أحدهم فإذا عبد مملوك لوالي مصر يقول: أيكم محمد بن نصر المروزي؟ قالوا: هذا، وأشاروا إليه، فأخرج صرة فيها خمسين دينارًا، وفعل نفس الشيء مع محمد بن جرير ومحمد بن هارون ومحمد بن خزيمة ثم قال: إن الأمير كان قائلًا بالأمس فرأى في المنام رسول الله - ﷺ - وهو يقول له أدرك المحمدين الأربعة؛ فإنهم جياع في مكان كذا وكذا، ثم قال هذا المملوك: وإن الأمير يقسم عليكم إذا نفذ هذا المال أن تبعثوا إليه ليرسل لكم بمال آخر (١).
وعن علي ﵁ قال: العلم خير من المال، المال تحرسه والعلم يحرسك، والمال تفنيه النفقة والعلم يزكو مع الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة (٢).
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٥٣.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٥٧.
[ ٨٥ ]
يا طالب العلم:
من لم يباشر حر الهجير في طلاب المجد لم يقل في ظلال الشرف (١).
وانظر ماذا فعل إسماعيل بن عياش عندما طلب العلم والمجد والسؤدد حيث قال: ورثت من أبي أربعة آلاف دينار أنفقتها في طلب العلم (٢).
ومثل المحب للعلم مثل العاشق، فإن العشق يهتم بمحبوبه ويهيم به، وكذلك المحب للعلم، فكما أن العاشق يبيع أملاكه وينفقها على معشوقه فيفتقر، وكذلك محب العلم، فإنه يستغرق في طلبه العمر، فيذهب ماله ولا يتفرغ للكسب (٣).
وسئل عبد الله بن المبارك ﵀: من الناس؟ قال: العلماء، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قيل: فمن السفلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين (٤).
أما محبتهم للكتب فهي أكبر من محبة الدينار والدرهم لأهل الدنيا، ومن وجد منهم كتابًا فكأنما وجد كنزًا.
قال طلحة بن مظفر: بيعت كتب ابن الجواليقي في
بغداد، فحضرها أبو العلاء الهمداني، وكان عاشقًا محبًا للكتب، فعرضوا مجموعة من الكتب بستين دينارًا فاشتراها الهمداني، ولم يكن لديه
_________________
(١) الفوائد ص ٥٦.
(٢) تذكرة الحفاظ ١/ ٢٥٤.
(٣) الآداب الشرعية ١/ ٢٣٨.
(٤) الإحياء ١/ ١٨.
[ ٨٦ ]
آنذاك مال في جيبه، فانطلق إلى مدينته همدان، فلما وصلها عرض دارًا له للبيع فبلغت ستين دينارًا، فقال: بيعوا، فقيل له: لو انتظرت يومًا أو يومين فستبلغ قيمة الدار آلافًا، والدار تساوي أكثر من ستين دينارًا، فرفض وقال: بيعوها، فباعوها بستين دينارًا وهي تساوي آلافًا، ثم رجع إلى بغداد فدفع ثمن الكتب وأخذها إلى بيته وما علم بحاله أحد.
أخي القارئ ..
لقد قدموا غذاء الفكر على غذاء البطن، ولكن إذا لم يجدوا للبطن شيئًا ماذا يفعلون؟ ! وكيف نحن اليوم في ظل رغد العيش وبحبوحة الرزق؟ !
قال محمد بن طاهر: لما رحلت لطلب العلم أقمت بتنيس مدة، ونفذت نفقتي هناك، ولم يبق معي إلا درهم واحد، وكنت محتاجًا إلى خبز لأسد به جوعي، وإلى ورق لأكتب عليه الحديث، فإن صرفته للخبز فاتني ورق الكتابة، وإن صرفته للكتابة فاتني الخبز، فبقيت ثلاثة أيام بلياليهن مترددًا لم أذق فيها طعامًا، فلما كان بكرة اليوم الرابع، قلت لنفسي: لو كان معي ورق ما استطعت أن أكتب فيه، لما بي
من الجوع والتعب، فعزمت على أن أشتري به خبزًا، فذهبت إلى السوق وجعلت الدرهم في فمي، فبينا أنا أسير إلى السوق إذ بلعت الدرهم بدون شعور مني، فلما شعرت بذلك جعلت أضحك كثيرًا، فلقيني أحد أصدقائي فسألني: ما يضحكك؟ فأبيت أن أخبره،
فألح علي فأخبرته الخبر، فأخذني إلى منزله وأطعمني؛ ثم
[ ٨٧ ]
دبر له مالًا من بيت المال أغناه الله به (١).
قلت للفقر أين أنت مقيم قال لي في محابر العلماء
إن بيني وبينهم الإخاء وعزيز علي قطع الإخاء (٢)
وتأمل في مطلب ومقصد أصحاب الهمم الحية والقلوب الصادقة فقد قال الحسن البصري: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة، وقال: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره.
وقال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل (٣).
إنهم أمة جعلوا دنياهم سبيلًا ومعبرًا لآخرتهم، فشمروا عن ساعد العلم والعمل، يتعلمون ويعلمون، يعبدون الله على بصيرة، ويدعون إليه على هدى ونور.
قال خلف بن هشام الأزدي: أشكل علي باب من النحو فلم أفهمه، فأنفقت ثلاثين ألف درهم حتى فهمته وأتقنته.
وقال أبو عبد الله بن الضريس: آخر مرة قدمت فيها إلى البصرة، أعطيت الوراقين (وهم الذين ينسخون له الكتب) عشرة آلاف درهم.
وأنفق الإمام هشام بن عبد الله الرازي في طلبه للعلم سبعمائة ألف درهم، وسمع عن ألف وسبعمائة شيخ.
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ص ٤.
(٢) شذرات الذهب ٨/ ١٧٠.
(٣) لطائف المعارف.
[ ٨٨ ]
أما محمد بن سلام البيكندي فقد قال: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفًا، وأنفقت في نشره أربعين ألفًا.
وقد رحل ابن جرير الطبري لطلب العلم هو ابن ثنتي عشرة سنة، وكان والده يتعاهده بالنفقة بين حين وآخر، قال ابن جرير: فمرة أبطأت عني نفقة والدي وتأخرت، ففتقت كمي قميصي وبعتها واستعنت بثمنها على طلب العلم (١).
وقال الإمام ابن الجوزي في كتابه «لفتة الكبد في نصيحة الولد»، متحدثًا لولده عن نشأته ومبتدأ حاله:
واعلم يا بني، أن أبي كان موسرًا وخلف ألوفًا من المال، فلما بلغت دفعوا لي عشرين دينارًا ودارين، وقالوا لي: هذه التركة كلها، فأخذت الدنانير واشتريت بها كتبًا من كتب العلم، وبعت الدارين وأنفقت ثمنها في طلب العلم، ولم يبق لي شيء من المال. وما ذل أبوك في طلب العلم قط، ولا خرج يطوف في البلدان من الوعاظ، ولا بعث رقعةً إلى أحدٍ يطلب منه شيئًا قط، وأموره تجري على السداد: ﴿وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾.
أين شباب الأمة اليوم وأين طلب العلم في حياتهم؟ !
إذا رأيت شباب الحي قد نشأوا لا ينقلون قلال الحبر والورقا
ولا تراهم لدى الأشياخ في حلقٍ يعون من صالح الأخبار ما اتسقا
فذرهم عنك واعلم أنهم همجٌ قد بدلوا بعلو الهمة الحمقا
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٢/ ٧١٣.
[ ٨٩ ]
أين أصحاب الهمم العالية والوجوه المتطلعة؟ ! أكثر الشباب هممًا طالما ماتت، وقلوبًا طالما نامت. تأمل في من يطلب العلم مع قرب العلماء والمراجع والكتب وسهولة الوصول إليها والحصول عليها تجد عجبًا! !
قال عبد الله بن القاسم: انتهى وأفضى طلب العلم بالإمام مالك إلى أن نقض سقف بيته وباع خشبه ثم مالت عليه الدنيا بعد ذلك (١).
قال الإمام مالك: لا ينال هذا الأمر حتى يذاق فيه طعم الفقر (٢).
وكان صالح بن أحمد يملي على الناس الحديث بهمدان، وكانت له أرض فباعها بسبعمائة دينار، فلما استلم الدنانير فرقها ونثرها على محابر تلاميذه من أصحاب الحديث.
قال شعبة بن الحجاج: لقد بعت طست أمي بسبعة دنانير (٣).
وقال الإمام أحمد: أقام شعبة عند الحكم بن عتبة ثمانية عشر شهرًا حتى باع جذوع بيته (٤).
الأموال الطائلة أين تصرف؟ ! والذهب والفضة أين يضيع؟ ! سؤال اليوم واضح الجواب، ولكن كيف حال سلفنا وماذا فعلوا بما تحتهم من الأموال؟ !
_________________
(١) ترتيب المدارك ١/ ١٣٠.
(٢) ترتيب المدارك ٢/ ٦٨.
(٣) تذكرة الحفاظ ١/ ١٩٥.
(٤) العلل ومعرفة الرجال.
[ ٩٠ ]
ورث يحيى بن معين ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفقه كله على الحديث، حتى لم يبق له نعلٌ يلبسه! (١).
زاده الله شرفًا، ورحم أقدامًا طالما تغبرت في سبيل الله.
وذكر ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفتري» في ترجمة محمد بن الحسين النيسابوري: أنه كان يعلق دروسه ويطالع كتبه ويقرأها في ضوء القمر، لأنه كان فقيرًا لا مال لديه ليشتري به دهنًا ليوقد به السراج، ومع ذلك كان لا يأخذ من مال الشبهة شيئًا.
قال الإمام الشافعي ﵀: فقر العلماء فقر اختيار، وفقر الجهلاء فقر اضطرار.
وإليك قصة أحد العلماء قال أبو عبيدة: ضاقت المعيشة على النضر بن شنيل البصري بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيعه من أهل البصرة نحوٌ من ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلا محدثٌ أو نحويٌ أو لغوي أو عروضي أو أخباري، فلما صار بالمربد - مربد البصرة - جلس وقال: يا أهل البصرة، يعز علي فراقكم والله لو وجدت كل يوم كيلجة باقلي ما فارقتكم، وسار حتى وصل إلى خراسان.
قال النضر: كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت ذات ليلة وعلي ثوبٌ مرقع، فقال: يا نضر، ما هذا التقشف حتى تدخل على
أمير المؤمنين في هذه الخلقان؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ
ضعيف، وحر مروٍ شديدٌ، فأتبرد بهذه الخلقان، قال لا، ولكنك
_________________
(١) المنهج الأحمد ١/ ٩٥.
[ ٩١ ]
رجل متقشفٌ، ثم أجرينا الحديث، فأجرى هو ذكر النساء، فقال: حدثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها؛ كان فيه سدادٌ من عورٍ»، فأورده بفتح السين (سداد من عور)، فقلت: صدق هشيم، حدثنا عوف بن أبي جميلة، عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها؛ كان فيها سدادٌ من عورٍ».
قال: وكان المأمون متكئًا، فاستوى جالسًا، وقال: يا نضر، كيف قلت: سِدَاد؟ قلت: لأن السَّداد ههنا لحنٌ، قال: أو تلحنني؟ قلت: إنما لحن هشيم، وكان لحانة، فتبع أمير المؤمنين لفظه، قال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد بالفتح: القصد في الدين والسبيل، والسداد بالكسر: البلغة، وكل ما سددت به شيئًا فهو سداد، قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له! وأطرق مليًا، ثم قال: ما لك يا نضر؟ قلت: أريضة بمرو أتصابها وأتمززها، قال: أفلا نفيدك مالًا معها؟ قلت: إني إلى ذلك لمحتاجٌ، فأخذ القرطاس، وأنا لا أدري ما
يكتب، ثم قال لخادمه: تبلغ معه إلى الفضل بن سهل، فلما قرأ
الفضل القرطاس؛ قال: يا نضر، إن أمير المؤمنين قد أمر لك
بخمسين ألف درهم، فما كان السبب فيه؟ فأخبرته، ولم أكذبه، فأمر
[ ٩٢ ]
لي بثلاثين ألف درهم، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد
مني" (١).
ورحم الله من قال:
نعم المحدث والرفيق كتاب تلهو به إن خانك الأصحاب
لا مفشيًا للسر إن أودعته وينال منه حكمة وصواب
_________________
(١) وفيات الأعيان ٢/ ١٦١.
[ ٩٣ ]