لقد أثنى الله ﷿ على العلم وأهله، ورتب لمن سار في طريقه الأجر والمثوبة ورفع الدرجات في الدنيا والآخرة. ومن إكرام الله ﷿ للعلماء استشهاده بهم على أعظم مشهود به وأجله وهو توحيده، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة.
قال الله ﷿: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (١).
قال الإمام القرطبي ﵀: في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء (٢).
ورفع الله جل وعلا درجة المؤمنين العالمين فوق درجة جهلة المؤمنين (وفي كل خير) فقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٣).
قال الشوكاني: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيهما ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ أي: ويرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات عالية في الكرامة في الدنيا، والثواب في الآخرة، ومعنى الآية: أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن درجات، ويرفع
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٤١.
(٣) سورة المجادلة، الآية: ١١.
[ ٥ ]
الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات، فمن جمع بين الإيمان والعلم رفعه الله بإيمانه درجات، ثم رفعه بعلمه درجات (١).
ولاشك أن ذلك من فضل الله وإحسانه ومنه وعطائه ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَّشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢).
ولاختلاف تلك المنازل والدرجات فإن الله ﷿ نفى التسوية بين أهل العلم والعوام، فقال عز من قائل عليمًا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣).
وعن المنزلة الرفيعة والمكانة العلية لأئمة الهدى ومصابيح الدجى قال ابن عباس ﵁: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام (٤).
وقدم جل وعلا العلم قبل العمل؛ لأن العلم هو الدليل الذي يهدي إلى المراد، فقال ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
وروي عن زيد بن أسلم ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ (٦)، قال: بالعلم؛ لأن الله لم يأمر نبيه - ﷺ - بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم (٧).
_________________
(١) فتح القدير ٥/ ٢٣٢.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢١.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٩.
(٤) الإحياء ١/ ١٥.
(٥) سورة محمد، الآية: ١٩.
(٦) سورة الأنعام، الآية: ٣٨.
(٧) فتح الباري ١/ ١٤١.
[ ٦ ]
وفي ذلك قال الله ﷿ مخاطبًا نبينا محمدًا عليه أفضل وأزكى التسليم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١).
وقال - ﷺ - مبينًا مكانة العلماء: «العلماء ورثة الأنبياء» (٢) ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة، ولا شرف فوق الوراثة لتلك الرتبة (٣).
وبين - ﷺ - حالة طالب العلم وفضل طلب العلم على غيره من نوافل العبادات، فقال - ﷺ - مخاطبًا أبا ذر: «يا أبا ذر! لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم بابًا من العلم عمل أو لم يعمل به خير من أن تصلي ألف ركعة» (٤).
وقال - ﷺ -: «من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يطلب، وإن العالم ليستغفر له من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (٥).
قال ابن رجب: يعني أنهم ورثوا ما جاء به الأنبياء من العلم، فهم خلفوا الأنبياء في أممهم بالدعوة إلى الله وإلى طاعته، والنهي عن معاصي الله والذود عن دين الله.
_________________
(١) سورة طه، الآية: ١١٤.
(٢) من حديث رواه أحمد والترمذي.
(٣) الإحياء ١١/ ١٦.
(٤) رواه ابن ماجه بإسناد حسن كما قال المنذري.
(٥) رواه أحمد وابن حبان.
[ ٧ ]
ولعظم أمر العلم وأهميته الدنيوية والأخروية في حياة الفرد والمجتمع هذا رسول الله - ﷺ - يبين فضله وعظم منزلته بقوله: «إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير» (١).
ويبين لنا الرسول - ﷺ - أن العالم الذي ينشر علمه ويعلمه الناس، له مثل أجر من عمل بهذا العلم من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا. وهذه منة عظيمة وفضل كبير؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» (٢).
وأي عطاء أعظم من هذا؟ ! به تقر الأعين، وتتحرك النفوس متطلعة إليه لما فيه من الأجر العظيم والثواب الجزيل.
قال سفيان بن عيينة: أتدرون ما مثل العلم؟ مثل دار الكفر ودار الإسلام؛ فإن ترك أهل الإسلام الجهاد جاء أهل الكفر فأخذوا الإسلام، وإن ترك الناس العلم صار الناس جهالًا (٣).
وتلك الخطوات التي يسير بها طالب العلم في طريق تحصيله له فيها أجر عظيم، فقد قال رسول الله - ﷺ -: «ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم، إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضًا بما يصنع حتى يرجع» (٤).
_________________
(١) رواه الترمذي.
(٢) رواه مسلم.
(٣) حلية الأولياء ٧/ ٢٨١.
(٤) رواه أحمد وابن ماجه.
[ ٨ ]
قال الإمام الخطابي: ومعنى أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم أحد ثلاثة وجوه: أولها: أنه بسط الأجنحة، والثاني: أنه كناية عن تواضعها تعظيمًا لطالب العلم، والثالث: أن المراد ترك الطيران والنزول عند مجالس العلم لأجل استماع العلم (١).
وكل منزلة من هذه الوجوه فيها من الشرف والعز ما تطمح إليه النفوس وتتشوق إليه. وكفى بالمرء حبًا للعلم وطلبه قول النبي - ﷺ -: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (٢).
قال الإمام الآجري: فلما أراد الله تعالى بهم خيرًا فققهم في الدين، وعلمهم الكتاب والحكمة، وصاروا سراجًا للعباد ومنارًا للعباد (٣).
وقال رسول الله - ﷺ - في تفضيل العالم على العابد: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي» (٤).
فانظر كيف جعل العلم مقارنًا لدرجة النبوة، وكيف حط رتبة العمل المجرد عن العلم، وإن كان العابد لا يخلو من علم بالعبادة التي يواظب عليها، ولولاه لم تكن عبادة (٥).
والإسلام دين ينبذ الجهل، ويحث على طلب العلم، ويرتب الأجر والمثوبة على ذلك.
_________________
(١) معالم السنن.
(٢) رواه البخاري.
(٣) أخلاق العلماء ص ٩٤.
(٤) رواه الترمذي.
(٥) الإحياء ١/ ١٧.
[ ٩ ]
في الحديث عن أنس ﵁: «طلب العلم فريضة» (١).
قال الإمام أحمد: يجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه، قيل له: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله، صلاته وصيامه، ونحو ذلك.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: اعلم أن طلب العلم فريضة، وأنه شفاء للقلوب المريضة، وأن أهم ما على العبد معرفة دينه، الذي معرفته والعمل به سبب لدخول الجنة، والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار، أعاذنا الله منها (٢).
ويكفي هذا الأمر داعيًاَ إلى طلب العلم فإنه طريق للجنة وموصل إلى أبوابها.
وقد دعا رسول الله - ﷺ - لمن يطلب العلم بالنضرة (وهي بهاء الوجه وجلاله) فعن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه» (٣).
وعلى هذا المنهج الرباني سارت الأمة رجالًا ونساء في قافلة العلم والحث عليه ومعرفة قدره. فهذا معاذ بن جبل ﵁ يحث
على طلب العلم ويبين فضله وفضل أهله فيقول: تعلموا العلم؛ فإن
تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه
جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس
_________________
(١) رواه ابن ماجه.
(٢) حاشية ثلاثة الأصول للشيخ عبد الرحمن بن قاسم ص ١٠.
(٣) رواه الترمذي.
[ ١٠ ]
في الوحدة والصاحب في الخلوة (١).
أيها الحبيب: اجتهد في طلب العلم، واحرص على النهل من معينه والعمل به، ثم عليك بتبليغه وإيصاله إلى الناس امتثالًا لقول الرسول - ﷺ -: «بلغوا عني ولو آية» (٢)؛ فإننا في زمن اندرست فيه معالم الهدى، وظل أكثر الناس جهلًا، ولم يبق إلا ندرة من العلماء الربانيون؛ أعلام الهدى ومصابيح الدجى.
والعلم الذي تضرب له أكباد الإبل، وتطوى له الأرض، وتثنى لأجله الركب: هو العلم الشرعي الصحيح المستمد من الكتاب والسنة وبفهم السلف الصالح، وهو العلم الذي يوصل إلى تقوى الله ومراقبته وخشيته، ويدل على طاعة الله ﷿ ومعرفة حدوده وأحكامه، ويوصل إلى الجنة ويبعد عن النار.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أما العلم النافع فهو العلم المزكي للقلوب والأرواح، المثمر لسعادة الدارين، وهو ما جاء به الرسول - ﷺ - من حديث وتفسير وفقه، وما يعين على ذلك من علوم العربية بحسب حالة الوقت والموضع الذي فيه الإنسان، وتعيين ذلك يختلف باختلاف الأحوال (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وأكمل أنواع طلب العلم أن تكون همة الطالب مصروفة في تلقي العلم الموروث عن النبي - ﷺ - وفهم مقاصد الرسول في أمره ونهيه وسائر كلامه، واتباع
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٥٤.
(٢) رواه البخاري.
(٣) بهجة قلوب الأبرار ص ٤٤.
[ ١١ ]
ذلك وتقديمه على غيره، وليعتصم في كل باب من أبواب العلم بحديث عن الرسول - ﷺ - من الأحاديث الصحيحة الجوامع.
أيها المسلم:
ما العلم إلا كتاب الله والأثر
وما سوى ذاك لا عين ولا أثر
إلا هوى وخصومات ملفقة
فلا يغرنك من أربابها هدر (١)
أخي:
إن النية الصالحة والهمة العالية نفس تضيء، وهمة تتوقد، واعلم أن من جد وجد، وليس من سهر كمن رقد، وإن سلع المعالي غالية
الثمن.
فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة. والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة، ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك، والنفوس الحقيرة بالضد من ذلك (٢).
وقد أنزل الإمام الشافعي العلماء منازلهم وأثر تلك العلوم عليهم وعلى طبائعهم وسلوكهم، فقال رحمه الله تعالى: من تعلم القرآن
عظمت قيمته، ومن تعلم الفقه نبل مقداره، ومن كتب الحديث قويت
_________________
(١) شذرات الذهب ٧/ ١٠٣.
(٢) الفوائد ص ٢٦٦.
[ ١٢ ]
حجته، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن تعلم العربية رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.
وأول تلك العلوم وأسماها منزلة وأشرفها قدرًا وأنبلها هدفًا كتاب الله ﷿ الذي فيه الآيات المحكمات والسور المنزلات. فهو النور وهو الشفاء وهو الحكمة.
قال ابن مسعود: إذا أردتم العلم فانثروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مؤكدًا على ذلك وحاثًا عليه: وأما طلب حفظ القرآن فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علمًا، وهو إما باطل أو قليل النفع. وهو أيضًا مقدم في التعلم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن، فإنه أصل علوم الدين، بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدع من الأعاجم وغيرهم، حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم، من الكلام أو الجدال، والخلاف أو الفروع النادرة والتقليد الذي لا يحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي لا تثبت ولا ينتفع بها، وكثير من الرياضيات التي لا تقوم بها حجة، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله (٢).
قال محمد بن الفضل: سمعت جدي يقول: استأذنت أبي في
الخروج إلى قتيبة، فقال: اقرأ القرآن أولًا حتى آذن لك، فاستظهرت
_________________
(١) الإحياء ١/ ٣٢٣.
(٢) الفتاوى الكبرى ٢/ ٢٣٥.
[ ١٣ ]
القرآن، فقال لي: امكث حتى تصلي الختمة، ففعلت، فلما عيدنا أذن لي فخرجت إلى مرو (١).
وقال أبو عمر بن عبد البر: طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف ﵏، ومن تعدى سبيلهم عامدًا ضل، ومن تعداه مجتهدًا زل.
فأول العلم حفظ كتاب الله جل وعز وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه، ولا أقول: إن حفظه كله فرض، ولكن أقول: إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالمًا ليس من باب الفرض (٢).
وقال الخطيب البغدادي مؤكدًا على ذلك: ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله ﷿، إذ كان أجل العلوم وأولاها بالسبق والتقديم (٣). (٤)
وقال الإمام النووي ﵀:
وأول ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز؛ فهو أهم العلوم، وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن، وإذا حفظ
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٢٢.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ص ٥٢٦.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي ١/ ١٠٦.
(٤) وقد ذكر والدي - حفظه الله وأجزل مثوبته - أنه عندما أراد في أول عمره مساعدة جدي ﵀ في جمع وترتيب مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية اشترط عليه أن يتم حفظ القرآن أولًا، قال والدي: فأتممت حفظ القرآن كاملًا في ستة أشهر وبدأت في مساعدته في إنجاز هذا المجموع العظيم.
[ ١٤ ]
فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما اشتغالًا يؤدي إلى نسيان شيء منه أو تعريضه للنسيان (١).
وينبغي أن يبدأ في دروسه وحفظه ومذاكرته بالأهم فالأهم، فأول ما يبتدئ به القرآن العظيم، وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما العلم الذي يجب على الإنسان عينًا كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن، فإن طلب العلم الأول واجب وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب (٣).
والعلم باب من أعظم أنواع العبادة؛ به يندفع الجهل، وترتفع راية العلم، ويعبد الله بما شرع، ويحكم بما قضى.
قال الإمام الزهري: ما عبد الله بشيء أفضل من العلم (٤).
وقال سفيان الثوري: ما أعلم شيئًا أفضل من طلب الحديث إذا أريد به وجه الله.
وقال أيضًا: لا أعلم بعد النبوة أفضل من العلم.
وأعظم بها من منزلة تداني رتبة النبوة وتسير على نهجها وتقتفي أثرها.
قال عبد الله بن وهب: كنت جالسًا بين يدي الإمام مالك بن أنس أقرأ عليه وأكتب، فأذن المؤذن وأمامي كتب منشورة فبادرت لأجمعها
_________________
(١) مقدمة المجموع شرح المهذب ١/ ٣٨.
(٢) المجموع ١/ ٣٨.
(٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ٥٤.
(٤) البداية والنهاية ٩/ ٣٥٩.
[ ١٥ ]
فقال لي: على رسلك فليس ما تقدم عليه (من التبكير للصلاة) بأفضل مما أنت فيه، إذا صحت فيه النية (١).
وقد أخبرنا رسول الله - ﷺ - أن طلب العلم خير من نوافل العبادة؛ فعن حذيفة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع» (٢).
وقد عد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من نواقض الإسلام: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ (٣).
وقال أبو سعيد: كان أصحاب النبي - ﷺ - إذا جلسوا مجلسًا كان حديثهم الفقه إلا أن يقرأ رجل سورة أو يأمروا رجلًا أن يقرأ سورة (٤).
وانظر إلى الفقه في الدين وحاجة هذا الدين إلى العلم والعمل على هدى وبصيرة فقد قال أبو الدرداء ﵁: لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة (٥).
وقال الخطيب البغدادي: طلب الحديث في هذا الزمان أفضل من سائر أنواع التطوع لأجل دروس السنن وخمولها، وظهور البدع واستعلاء أهلها (٦).
_________________
(١) ترتيب المدارك ص ٢.
(٢) رواه الطبراني.
(٣) سورة السجدة، الآية: ٢٢.
(٤) رواه البيهقي.
(٥) الإحياء ١/ ٢٠.
(٦) شرف أصحاب الحديث ص ٨٦.
[ ١٦ ]
هذا في زمانه، فكيف بزماننا الذي رفع الجهل فيه رايته، وأطلت علينا البدع بأعناقها، وأصبح العلماء أندر من الكبريت الأحمر؟ فهذا زمن التشمير لطلب العلم ونثره بين الناس ونشره في الآفاق، لتحيا الأمة، وتهب من غفلتها، وتستعيد مجدها ورفعتها.
قال البغوي: وفضل العلم على العبادة من حيث إن نفع العلم يتعدى إلى كافة الخلق، وفيه إحياء الدين، وهو تلو النبوة (١).
ومن أجل ذلك فضل العالم على العابد لنفعه المتعدي وخيره الفائض للعامة والأمة.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل إذا فرغ من إصلاح سريرته أن يثني بطلب العلم والمداومة عليه، إذ لا وصول للمرء إلى صفاء شيء من أسباب الدنيا إلا بصفاء العلم فيه، وحكم العاقل أن لا يقصر في سلوك حالة توجب له بسط الملائكة أجنحتها رضًا بصنيعه ذلك.
ولا يجب أن يكون متأملًا في سعيه الدنو من السلاطين، أو نوال الدنيا به، فما أقبح بالعالم التذلل لأهل الدنيا! (٢).
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي، فكان كثير المذاكرة له، فسمعت أبي يومًا يقول: ما صليت اليوم غير الفريضة، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي (٣).
وقال ابن هانئ: قلت للإمام أحمد: أيهما أحب إليك: أجلس
_________________
(١) شرح السنة ١/ ٢٧٨.
(٢) روضة العقلاء ص ٣٣.
(٣) السير ١١/ ٢٢٨.
[ ١٧ ]
بالليل أنسخ أم أصلي تطوعًا؟ . فقال لي: إن كنت تنسخ فأنت تتعلم به أمر دينك، لهو أحب إليَّ.
وقال الحسن البصري ﵀: باب من العلم يتعلمه الرجل خير له من الدنيا وما فيها.
لان ذلك سبب نجاته وفلاحه كما قال ابن الجوزي: اعلم أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهال بأمان، وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة، وقد لبس إبليس على كثير من المتعبدين بقلة علمهم، لأن جمهورهم يشتغل بالتعبد ولم يحكم العلم (١).
وأكد على طلب العلم وأنه من الجهاد أبو الدرداء ﵁ حيث قال: من رأى أن الغدو إلى طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله.
وقال حاثًا على السعي في منازل الخير: كن عالمًا، أو متعلمًا، أو مستمعًا، ولا تكن الرابع فتهلك (٢).
وقال ابن عباس ﵄: تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها (٣).
وقال مطرف بن عبد الله الشخير: فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع (٤).
_________________
(١) تلبيس إبليس ص ١٤٩
(٢) الإحياء ١/ ٢٠.
(٣) وراه البيهقي.
(٤) الآداب الشرعية ٢/ ٤١.
[ ١٨ ]
وقال الزهري: ما عبد الله بمثل الفقه.
وقال سفيان الثوري: لا أعلم شيئًا من الأعمال أفضل من العلم - أو الحديث - لمن حسنت نيته (١).
وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة (٢).
وقال مهنا: قلت لأحمد: حدثنا ما أفضل الأعمال؟ قال: طلب العلم (٣).
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن تكرار القرآن والفقه أيهما أفضل وأكثر أجرًا.
فأجاب: الحمد لله، خير الكلام كلام الله، لا يقاس به كلام الخلق؛ فإن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه. وأما الأفضل في حق الشخص، فهو بحسب حاجته ومنفعته، فإن كان يحفظ القرآن وهو محتاج إلى تعلم غيره، فتعلمه ما يحتاج إليه أفضل من تكرار التلاوة التي لا يحتاج إلى تكرارها، وكذلك إذا كان حفظ من القرآن ما يكفيه وهو محتاج إلى علم آخر، وكذلك إن كان قد حفظ القرآن أو بعضه، وهو لا يفهم معانيه فتعلمه لما يفهمه من معاني القرآن أفضل من تلاوة ما لا يفهم معانيه. وأما من تعبد بتلاوة الفقه فتعبده بتلاوة القرآن أفضل، وتدبره لمعاني القرآن أفضل من تدبره لكلام لا يحتاج إلى تدبره، والله أعلم (٤).
_________________
(١) رواه البيهقي.
(٢) مناقب الشافعي ص ٩٧.
(٣) الآدب الشرعية ٢/ ٣٧.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٥٥.
[ ١٩ ]
وهكذا اعتنى الإسلام بالعلم وأهله، بل جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، حتى قال النووي: والحاصل أن المسلمين اتفقوا على أن الاشتغال بالعلم لوجه الله تعالى أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم والصلاة والتسبيح ونحو ذلك من نوافل عبادات البدن (١).
ومن أعظم أسباب الحرمان والشقاء هو الإعراض عن طلب العلم ومجالسة العلماء والاستماع إليهم، فهذا ابن القيم يقول: أعظم الأسباب التي يحرم بها العبد من خيري الدنيا والآخرة، ولذة النعيم في الدارين، ويدخل عليه عدوه منها، هما الغفلة المضادة للعلم والكسل المضاد للعزيمة والإرادة، هذان هما أصل بلاء العبد وحرمانه، أما الغفلة فمضادة للعلم، وقد ذم الله سبحانه أهل الغفلة فقال: ﴿وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ (٣).
فمن علت همته وخشعت نفسه اتصف بكل جميل، ومن دنت همته وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل (٤).
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله
وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم
وليس لهم حتى النشور نشور (٥)
_________________
(١) المجموع ١/ ٢١.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥.
(٣) سورة الكهف، الآية: ٢٨.
(٤) الفوائد ص ٢١١.
(٥) مفتاح دار السعادة ١/ ٤٨.
[ ٢٠ ]
أخي المسلم:
لاشك أن الأصل في الإنسان الجهل وعدم المعرفة؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (١).
واكتساب العلم لا يمكن أن يحصل بين عشية وضحاها، ولا يمكن أن يصبح الإنسان عالمًا بين ليلة وأخرى، بل لابد من السعي والصبر وتحمل الأسفار، وثني الركب في حلق العلم، ومداومة الحفظ والتكرار، ولأن في ذلك جهدًا ومجاهدة وصبرًا ومصابرة قل من يرد ماءه ويصبر على طول أيامه. ولهذا قل العلماء وكثر الجهال الذين هم موتى بجهلهم وعدم علمهم.
أراد بشر بن الحارث الدخول إلى المقبرة فقال: الموتى داخل السور أكثر منهم خارج السور (٢).
وهذه الكثرة من الأموات نتيجة للجهل وهجر العلم الشرعي، ولذا تسلط عليهم الشيطان بتلبيسه وتدليسه؛ فانتشرت البدع، وهجر العمل، وفتن الناس بعلماء السوء.
قال ابن الجوزي: إن التزود من العلم النافع سبب رئيسي في دفع مكائد الشيطان، وكلما ازداد العبد علمًا نافعًا - ما يورث خشية الله وتقواه - كلما ازداد سلامة من نزغات الشيطان ومكايده، فأنت ترى مثلًا أن أدنى عقبات الشيطان أن شغل العبد بالأعمال المرجوحة والمفضولة عن الأعمال الراجحة والفاضلة. وعلاج ذلك بالفقه في
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٧٨.
(٢) صفة الصفوة ٢/ ٣٣٢.
[ ٢١ ]
الأعمال، والعلم بمراتب الطاعات عند الله تعالى، ومعرفة مقاديرها، والتمييز بين مفضولها وفاضلها، فإن في الطاعات سيدًا ومسودًا، ورئيسًا ومرءوسًا (١).
وقال أيضًا: ترك العلم غفلة، والإعراض عنه جهالة؛ فلا ينبغي للعاقل أن يغفل عن تلمح العواقب، فمن ذلك أن التكاسل في طلب العلم وإيثار عاجل الراحة يوجب حسرات دائمة لا تفي لذة البطالة بمعشار تلك الحسرة، ولقد كان يجلس إليَّ أخي وهو عامي فقير، فأقول في نفسي: قد تساوينا في هذه اللحظة، فأين تعبي في طلب العلم وأين لذة بطالته؟ (٢).
ولعل شبابنا يستشعرون كلمات ابن الجوزي ويستفيدون من تجربته وتجربة أخيه فإن في ذلك عبرة.
قال عروة بن الزبير ﵀ لأولاده: يا بني! تعلموا العلم وادرسوه، فإنكم إن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبراءهم، واسوءتا! ! ماذا أقبح من شيخ جاهل؟ (٣).
ولعلمهم أهمية العلم وفضل التعلم كانوا يتعاهدون أبناءهم وهم صغار، ويدفعون بهم إلى العلماء للتلقي منهم.
فهذا أبو سعد السمعاني أحضره والده إلى مجلس العلم وهو ابن
أربع سنين، فسمع من مسند زمانه عبد الغفار الشيروي، ثم رحل إلى
_________________
(١) مدارج السالكين ١/ ٢٢٥.
(٢) الآداب الشرعية ٢/ ٢٢٩.
(٣) الأمالي للبغدادي.
[ ٢٢ ]
بلاد كثيرة فسمع من سبعة آلاف شيخ (١).
وقال صالح بن أحمد بن حنبل: رأى رجل مع أبي محبرة، فقال له: يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين! - يعني: ومعك المحبرة تحملها؟ ! - فقال: مع المحبرة، إلى المقبرة.
وقال عبد الله بن محمد البغوي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر (٢).
وقال محمد بن إسماعيل الصائغ، كنت في إحدى سفراتي ببغداد، فمر بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو، ونعلاه في يده، فأخذ أبي هكذا بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد الله، ألا تستحي؟ إلى متى تعدو من هؤلاء الصبيان؟ ! قال: إلى الموت (٣).
والكثير الآن تمر عليه شهور بل وسنوات لم يتعلم فيها حكمًا شرعيًا، ولم يحفظ آية من كتاب الله، ولم يقرأ حديثًا من أحاديث الرسول - ﷺ -، لكنه ازداد معرفة بأمور الدنيا فلا يفوته منها شيء ولا يغيب عنه أمر.
فسبحان الله العظيم! ! بعضهم مضى من عمره عشر سنوات وما حفظ فيها آية من كتاب الله ولا حديثًا من أحاديث الرسول - ﷺ -! .
قال أحمد بن محمد بن ياسين: سمعت أحمد بن منيع (ابن عبد الرحمن البغوي) يقول: سمعت جدي يقول: مر أحمد بن حنبل جائيًا
من الكوفة، وبيده خريطة فيها كتب، فأخذت بيده فقلت: مرة
إلى الكوفة! ومرة إلى البصرة! إذا كتب الرجل ثلاثين ألف حديث لم
_________________
(١) السير ٢٠/ ٤٥٦.
(٢) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٣١.
(٣) مناقب الإمام أحمد ص ٣٢.
[ ٢٣ ]
يكفه؟ فسكت، ثم قلت: ستين ألفًا؟ فسكت، فقلت: مائة ألف؟ فقال: حينئذ يعرف شيئًا. قال أحمد بن منيع: فنظرنا فإذا أحمد كتب ثلاثمائة ألف (١).
رحم الله الإمام أحمد فقد أتعب من بعده. وبقياس إمام أهل السنة في زماننا هذا لا نرى أحدًا يعرف شيئًا! ! .
لما كتب عبد الله العمري العابد إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل، كتب إليه الإمام مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد. فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر (٢).
قال النووي: فهذه أحرف من أطراف ما جاء في ترجيح الاشتغال بالعلم على العبادة، وجاء عن جماعات من السلف ممن لم أذكره نحو ما ذكرته، والحاصل أنهم متفقون على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم والصلاة والتسبيح ونحو ذلك من نوافل
عبادات البدن، ومن دلائله سوى ما سبق أن نفع العلم يعم
صاحبه والمسلمين، والنوافل المذكورة مختصة به، ولأن العلماء
ورثة الأنبياء ولا يوصف المتعبدون بذلك، ولأن العابد تابع للعالم، مقتد به، مقلد له في عباداته وغيرها، واجب عليه طاعته، ولا ينعكس،
_________________
(١) مناقب الإمام أحمد ص ٢٨.
(٢) السير ٨/ ١١٤.
[ ٢٤ ]
ولأن العلم تبقى فائدته وأثره بعد صاحبه، والنوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن العلم صفة لله تعالى، ولأن العلم فرض كفاية؛ أعني العلم الذي كلامنا فيه، فكان أفضل من النافلة.
وقد قال إمام الحرمين ﵀ في كتابه «الغياثي»:
فرض الكفاية أفضل من فرض العين من حيث إن فاعله يسد مسد الأمة ويسقط الحرج عن الأمة، وفرض العين قاصر عليه، وبالله التوفيق.
أيها الحبيب:
صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادة اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى (١).
وبعد، هذه التوجيهات والتوصيات لطالب العلم، وأن يبدأ بالمهم
_________________
(١) أعلام الموقعين ١/ ٨٧.
[ ٢٥ ]
فالأهم، هناك من يضل الطريق، وينحرف عن الجادة؛ فتراه يترك الأهم ويبدأ بما دون ذلك.
قال أبو حيان الأندلسي: وأما أن صاحب تناتيف وينظر في علوم كثيرة؛ فهذا لا يمكن أن يبلغ الإمامة في شيء منها، وقد قال العقلاء: ازدحام العلوم مضلة للمفهوم، ولذلك تجد من بلغ الإمامة من المتقدمين في علم من العلوم لا يكاد يشتغل بغيره ولا ينسب إلى غيره (١).
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: عجبت لمن ترك الأصول وطلب الفصول.
وقال الحافظ النووي: وبعد حفظ القرآن يحفظ من كل فن مختصرًا، ويبدأ بالأهم ومن أهمها الفقه والنحو، ثم الحديث والأصول، ثم الباقي على ما تيسر (٢).
ويذكر أبو جعفر القطيعي طرفًا من ذلك فيقول: سألت أبا عبد الله عن الوضوء بماء النورة؟ فقال: ما أحب ذلك، قلت: أتوضأ بماء الباقلاء؟ قال: ما أحب ذلك، قلت أتوضأ بماء الورد؟ قال: ما أحب ذلك، قال: فقمت، فتعلق في ثوبي ثم قال: إيش تقول إذا دخلت المسجد؟ فسكت، قال: وإيش تقول إذا خرجت من المسجد؟ فسكت، قال: اذهب فتعلم هذا (٣).
وقال المروذي: قال أبو عبد الله: سألني رجل مرة عن يأجوج
_________________
(١) الآداب الشرعية ٢/ ١٢٥.
(٢) الجامع لأخلاق الرواة رقم ١٦١٢.
(٣) طبقات الحنابلة ١/ ٤١.
[ ٢٦ ]
ومأجوج؛ أمسلمون هم؟ فقلت له: أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا؟ ! (١).
وقال أحمد بن علي الأبار: رأيت بالأهواز رجلًا حف شاربه، وأظنه قد اشترى كتبًا وتعبأ للفتيا، فذكروا أصحاب الحديث فقال: ليسوا بشيء، وليس يسوون شيئًا، فقلت له: أنت لا تحسن تصلي. قال: أنا؟ ! قلت: نعم، قلت: إيش تحفظ عن رسول الله - ﷺ - إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك؟ فسكت. فقلت: وإيش تحفظ عن رسول الله - ﷺ - إذا سجدت؟ فسكت، فقلت: ما لك لا تكلم؟ ألم أقل إنك لا تحسن تصلي؟ أنت إنما قيل لك تصلي الغداة ركعتين، والظهر أربعًا. فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث، فلست بشيء ولا تحسن شيئًا (٢).
وإن كانت هذه صور نادرة في زمانهم فإنها تفشت واستشرت في زماننا. واستمع إلى أسئلة العوام ممن يدعون طلب العلم وشرف الصبر عليه.
وأما الإمام ابن الجوزي صاحب التوجيهات والنصائح فإنه يقول: أما العالم فلا أقول له: اشبع من العلم، ولا اقتصر على بعضه، بل أقول له: قدم المهم، فإن العالم من قدر عمره، وعمل بمقتضاه، وإن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر، غير أنه يبني على الأغلب، فإن وصل فقد أعد لكل مرحلة زادًا، وإن مات قبل الوصول فنيته تسلك به.
_________________
(١) الآداب الشرعية ٢/ ٦٩.
(٢) الكفاية في علوم الرواية ص ٤.
[ ٢٧ ]
فإذا علم العاقل أن العمر قصير، وإن العلم كثير، فقبيح بالعاقل الطالب لكمال الفضائل أن يتشاغل مثلًا بسماع الحديث ونسخه؛ ليحصل كل طريق وكل رواية وكل غريب! وهذا لا يفرغ من مقصوده منه في خمسين سنة، خصوصًا إن تشاغل بالنسخ، ثم لا يحفظ القرآن، أو يتشاغل بعلوم القرآن ولا يعرف الحديث، أو بالخلاف في الفقه، ولا يعرف النقل الذي عليه مدار المسألة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلام منثور كالدرر: لكن جماع الخير أن يستعين بالله في تلقي العلم الموروث عن النبي - ﷺ -، فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علمًا، وما سواه إما أن يكون علمًا فلا يكون نافعًا، وإما أن لا يكون علمًا، وإن سمي به، وإن كان علمًا نافعًا فلابد أن يكون في ميراث محمد - ﷺ - ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه، ولتكن همته فهم مقاصد الرسول - ﷺ - في أمره ونهيه وسائر كلامه، فإذا اطمأن قلبه أن هذا هو مراد الرسول فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس إذا أمكنه. وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي - ﷺ - (٢).
أخي الحبيب! أين نحن من هؤلاء؟ !
هذه صور مشرقة تتلألأ في جبين العلم وطلبته من خيار الأمة وأعلامها:
_________________
(١) صيد الخاطر ص ١٣٠.
(٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٦٤.
[ ٢٨ ]
قال سفيان بن عيينة: قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن سبع سنين.
وحفظ أحمد بن حنبل القرآن في صباه، وتعلم القراءة والكتابة، ثم اتجه إلى الديوان يمر على التحرير ويقول في نفسه: كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتاب ثم أختلف إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة. وكانت نشأته فيها آثار النبوغ والرشد حتى قال بعض الأدباء: وأنا أنفق على ولدي، وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا، فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم، انظروا كيف؟ وجعل يعجب من أدبه وحسن طريقه.
قال الشافعي: كنت أقرئ الناس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وحفظت الموطأ قبل أن أحتلم (١).
ومع الأسف أن صغارنا في هذه السن بعضهم لا يحسن الوضوء، ولا يعرف الصلاة مع الجماعة، ولا يحفظ حديثًا من أحاديث الرسول - ﷺ -، فالله المستعان. أخذتهم الملهيات، وتركهم الأهل في يد كل ناعق وساقط! ! فتأمل شباب الأمة أين هم؟ !
قال مجاشع بن يوسف: كنت بالمدينة عند مالك وهو يفتي الناس، فدخل عليه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وهو حدث، وذلك قبل أن يرحل إليه لسماع الموطأ منه.
قال محمد: ما تقول في جنب لا يجد الماء إلا في المسجد؟
فقال مالك: لا يدخل الجنب المسجد، قال محمد: فكيف يصنع وقد
_________________
(١) السير ١٠/ ٥٤.
[ ٢٩ ]
حضرت الصلاة وهو يرى الماء: قال؟ فجعل مالك يكرر: لا يدخل الجنب المسجد، فلما أكثر عليه قال له مالك: فما تقول أنت في هذا؟ قال: يتيمم ويدخل فيأخذ الماء من المسجد ويخرج ويغتسل. قال: من أين أنت؟ قال: من أهل هذه - وجعل يشير إلى الأرض - ثم نهض، قالوا: هذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فقال مالك: محمد بن الحسن كيف يكذب وقد ذكر أنه من أهل المدينة؟ قالوا: إنما قال: من أهل هذه وأشار إلى الأرض، قال: هذا أشد علي من ذاك.
ويتحدث ابن الجوزي عن نفسه فيقول: إن أكثر الإنعام علي لم يكن بكسبي، وإنما هو من تدبير اللطيف بي، فإني أذكر نفسي ولي همة عالية، وأنا في المكتب، ولي نحو من ست سنين، وأنا قرين الصبيان الكبار، قد رزقت عقلًا وافرًا في الصغر يزيد على عقل الشيوخ، فما أذكر أني لعبت في طريق مع صبي قط، ولا ضحكت ضحكًا جارحًا، حتى أني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع، ولا أتخير حلقة مشعبذ، بل أطلب المحدث، فيتحدث بالسند الطويل، فأحفظ جميع ما أسمع، وأرجع إلى البيت، فأكتبه (١).
وكان الأوائل يحرصون أن يكون لأبنائهم مربون ومؤدبون، ويوصونهم بالحرص والاهتمام بفلذات أكبادهم، فقد أوصى عتبة بن أبي سفيان مؤدب ولده بقوله: علمه كتاب الله، وروه من الحديث أشرفه ومن الشعر أعفه.
_________________
(١) لفتة الكبد في نصيحة الولد ص ٤٩.
[ ٣٠ ]
وهاك - أيها الحبيب - قصة الإمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم ورحلته في طلب العلم على صغر سنه وحاجته، ودور المعلم في حث الطالب وتشجيعه على طلب العلم وعانته على تخطي العوائق والظروف. ولك أن تنظر كم من الأجر العظيم لهذا المعلم - وهو أبو حنيفة - عندما أخرج عالمًا مثل أبي يوسف.
قال علي بن ديجور: أخبرني أبو يوسف قال: توفي أبي؛ إبراهيم بن حبيب وخلفني صغيرًا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصار أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر على حلقه أبي حنيفة فأجلس فيها، فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار، ثم كنت أخالفها في ذلك وأذهب إلى أبي حنيفة لأستمع درسه، فلما طال ذلك عليها قالت لأبي حنيفة: إن هذا صبي يتيم ليس له شيء إلا ما أطعمه من مغزلي فدعه يكسب دانقًا كل يوم يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: يا امرأة! إني أرى في ابنك عقلًا فدعيه يطلب العلم، وما يدريك أن يأتي عليه يوم يأكل الفالوذج بدهن الفستق - وهذه أكلة لا يأكلها إلا الخلفاء في ذلك الزمان لندرتها وغلاء ثمنها.
قال أبو يوسف: فجعلت أتعاهد مجلس أبي حنيفة، وفي أول يوم أتيته جلس معي حتى انصرف الناس فدفع لي صرة فإذا فيها مائة درهم وقال لي: الزم الحلقة وإذا نفدت هذه فأعلمني، فلزمت مجلسه، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة أخرى، ثم كان يتعاهدني فما ترك لي خلة، فنفعني الله بعلمه حتى تقلدت القضاء زمن الخليفة الأموي،
ثم في زمن هارون صار لقبي قاضي القضاة؛ لأني كنت أرسل القضاة
إلى الأقاليم، وكنت أجالس الرشيد، فبينا أنا ذات يوم عنده إذ أتي
[ ٣١ ]
بطعام فقال لي: كل من هذا يا أبا يوسف فإنه لا يصنع لنا في كل وقت. قلت: وما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا الفالوذج بدهن الفستق .. ! ! فتبسمت: فقال الرشيد: ما لك تبتسم؟ فقلت: لا شيء، أبقى الله أمير المؤمنين، وألح علي وقال: لتخبرني. فقصصت عليه القصة فقال: إن العلم ليرفع وينفع في الدنيا والآخرة، ثم قال: رحم الله أبا حنيفة؛ فلقد كان ينظر بعين عقله ما لا ينظر بعين رأسه.
وهذا مثل آخر يبرز حرص الآباء على تعلم أبنائهم، رغم بعدهم عنهم وعلمهم بمشقة السفر ومخاطر الطريق وبعد المفازة، ولكنهم آثروا فقد أكبادهم في سبيل طلبهم للعلم ونفع أنفسهم ومن ثم الإسلام والمسلمين.
قال علي بن عاصم الواسطي: دفع إلي أبي مائة ألف درهم، وقال لي: اذهب وسافر لطلب العلم، ولا أرى وجهك إلا ومعك مائة ألف حديث، فسافر وارتحل وطلب العلم، ثم رجع لنشره حتى كان يحضر مجلسه أكثر من ثلاثين ألفًا (١).
وقال المعتمر بن سليمان: كتب إلي أبي. وأنا بالكوفة: اشتر الصحف، واكتب العلم؛ فإن المال يفنى، والعلم يبقى (٢).
هذه صور مشرقة من حرصهم على أبنائهم ومتابعتهم وحثهم على طلب العلم؛ فإنه لا يثني عن طلب العلم ولا يحقره إلا جاهل لا يعلم خير دينه ودنياه. كما قال الإمام أحمد ﵀: لا يثبط عن طلب العلم إلا جاهل.
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ١/ ٣١٧.
(٢) روضة العقلاء ص ٣٩.
[ ٣٢ ]
وقال ابن الجوزي موصيًا ابنه وحاضًا له على الاشتغال بالعلم: واعلم أن العلم يرفع الأرذال، فقد كان خلق كثير من العلماء لا نسب لهم يذكر ولا صورة تستحسن.
وكان عطاء بن أبي رباح أسود اللون، مستوحش الخلقة، وجاء إليه سليمان بن عبد الملك وهو خليفة ومعه ولداه؛ فجلسوا يسألونه عن المناسك، فحدثهم وهو معرض عنهم بوجهه، فقال الخليفة لولديه: قوما ولا تنيا ولا تكسلا في طلب العلم فما أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.
وكان الحسن مولى، وابن سيرين ومكحول وخلق كثير، وإنما شرفوا بالعلم والتقوى (١).
وقال أحمد بن النصر الهلالي: سمعت أبي يقول: كنت في مجلس سفيان بن عيينة فنظر إلى صبي دخل المسجد، فكان أهل المجلس تهاونوا به لصغر سنه، فقال سفيان: ﴿كُنْتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ ثم قال: يا نضر! لو رأيتني ولي عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفأر، اختلفت إلى علماء الأمصار مثل الزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير. قال: ثم تبسم ابن عيينة
_________________
(١) لفتة الكبد في نصيحة الولد لابن الجوزي ص ٤٦.
[ ٣٣ ]
وضحك. قال أحمد: فتبسم أبي وضحك (١).
ورغم هذا العلم الوافر إلا أن العلم بحر لا ساحل له ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فكانوا يحتارون في المسائل. ويخشون الفتيا بدون علم، ويتدافعون الأمر.
عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله! جئتك من مسيرة ستة أشهر، حملني أهل بلدي مسألة أسألك عنها قال: قل، فسأله الرجل عن المسألة، فقال: لا أحسنها، قال: فبهت الرجل كأنه قد جاء إلى من يعلم كل شيء. فقال: أي شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم؟ قال: تقول لهم: قال مالك: لا أحسن (٢).
أخي الحبيب:
هذه وصية ابن الوردي لابنه في لاميته المشهورة، والتي هي وصية لكل ابن وطالب علم على مر الأيام وتعاقب السنين:
أي بني! اسمع وصايا جمعت حكمًا خصت بها خير الملل
اطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخير على أهل الكسل
احتفل للفقه في الدين ولا تشتغل عنه بمال وخول
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية ص ١١٢، السير ٨/ ٤٠٤.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٥٣.
[ ٣٤ ]
واهجر النوم وحصله فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل
لا تقل قد ذهبت أربابه كل من سار على الدرب وصل
وقديمًا قال الحكماء: من أسهر نفسه بالليل فقد فرح قلبه بالنهار.
وإنه لفرح لا يعدله فرح بنشر علمه والسير على خطى الأنبياء والصالحين في تبليغ الرسالة وتأدية الأمانة.
إليهم - أي العلماء - يرجع الأمر، وتصدر الأمة عن رأيهم وقولهم. وما ذاك إلا لأنهم حفظوا ميراث النبوة، وأعظم به من ميراث.
ومن الأمثلة الحية للنبوغ المبكر والاشتغال بالعلم منذ الصغر:
الصحابي الجليل معاذ بن جبل ﵁ الذي قال عنه رسول الله - ﷺ -: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل». والذي قال عنه عمر بن الخطاب ﵁: لو استخلفت معاذ بن جبل فسألني عنه ربي ﷿: ما حملك على ذلك؟ لقلت: سمعت نبيك - ﷺ - يقول: «إن العلماء إذا حضروا ربهم ﷿ كان بين أيديهم برتوة بحجر». والذي شبهه عبد الله بن مسعود بإبراهيم الخليل ﵇ في تعليمه الخير للناس، وفي طاعته وإنابته لربه، فقال ابن مسعود: إن معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا.
ومات معاذ هذا، مات وعمره ثنتان وثلاثون سنة.
والإمام النووي صاحب التصانيف العديدة والمؤلفات المفيدة في الفقه والحديث والسلوك واللغة توفي وعمره خمس وأربعون سنة.
[ ٣٥ ]
ورغم أعمارهم القصيرة إلا أن الله نفع بعلمهم الأمة، ولا يزال يطرق آذننا كل يوم: قال ابن مسعود، وقال النووي ﵏ جميعًا.
وحدث الإمام الشافعي عن نفسه فقال: كنت يتيمًا في حجر أمي، فدفعتني إلى الكتاب ولم يكن عندها ما تعطيه للمعلم، فكان المعلم يرضى مني أن أخلفه إذا قام، فما ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع المسألة أو الحديث فأحفظها، ولم يكن عند أمي مال تعطينيه لأشتري به ورقًا وقراطيس أكتب فيها، وكنت أتتبع العظام والخزف وأكتاف الجمال وسعف النخل، فأكتب فيها الحديث، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا في البيت، ثم إن الجرار التي في البيت قد كثرت، فقالت لي أمي: إن هذه الجرار قد ضيقت علينا البيت، فأقبلت على هذه الجرار أحفظ ما فيها ثم ألقيها، ثم بعد ذلك يسر الله لي السفر إلى اليمن (١).
وكان سبب تبكير سفيان لطلب العلم والاشتغال به تشجيع أمه له، وحضها له عليه، وتوجيهها له أن يستفيد مما يعلم ومن مجالسة العلماء، وينبغي أن يؤثر العلم في سلوكه وأدبه ومعاملته للناس وإلا فما فائدة العلم؟
فقد قالت لسفيان وهي تدفع به إلى حلقات العلم
ومجالسة المشايخ: يا بني! خذ، هذه عشرة دراهم، وتعلم عشرة أحاديث، فإذا وجدتها تغير في جلستك ومشيتك وكلامك مع الناس فأقبل
_________________
(١) جامع بيان فضل العلم وأهله ١/ ٩٨.
[ ٣٦ ]
عليه، وأنا أعينك بمغزلي هذا وإلا فاتركه، فإني أخشى أن يكون وبالًا عليك يوم القيامة (١).
وهذا الإمام البخاري صاحب الصحيح جمع الله له قلبًا واعيًا وذهنًاَ حافظًا، فاجتمع له أطراف العلم وهو لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، فقد حدث في بداية طلبه أن العلامة الداخلي، الذي كان من كبار المحدثين في بخارى في ذلك العصر، وكانت له حلقة رائعة مشهورة، كان يدرس ذات مرة حسب عادته، وكان البخاري يسمع، فقال الداخلي في إسناد حديث: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم.
فقال البخاري: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، وكان يريد أن ينبهه على خطئه في هذا السند، ولكن الداخلي دهش لما سمع هذا الصوت وانتهره، فاعتذر له البخاري وقال له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك.
فدخل الداخلي وراجع الأصل، فاعترف بصحة قول البخاري، وانتبه لخطئه إلا أنه أجل تصحيح السند، وترك من باب الإنصاف أو بإرادة الاختبار تصحيحه إلى الإمام البخاري، فلما خرج قال له: كيف هو يا غلام؟ .
فأجاب البخاري مرتجلًا: هو هكذا:
الزبير (وهو ابن عدي) عن إبراهيم.
فأخذ القلم وأصلح كتابه، وقال: صدقت.
قال: فقال له إنسان: ابن كم حين رددت عليه؟
_________________
(١) صفة الصفوة ٣/ ١٨٩.
[ ٣٧ ]
فقال: ابن إحدى عشرة سنة (١).
وقد حفظ ﵀ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر سنين (٢).
ومما يقرح الكبد ويدمي العين أن نرى شباب الأمة في مثل هذه السن لا يطلبون علمًا ولا يحسنون أدبًا. نعم أحد عشر عامًا كان عمر الإمام البخاري حين صحح إسناد حديث الرسول - ﷺ -. فأين أبناء المسلمين اليوم؟ !
روى الإمام النووي ﵀ في مناقب الإمام الشافعي ﵀ قوله: ومن ذلك أنه تصدر في عصر الأئمة المبرزين للإفتاء والتدريس والتصنيف، وقد أمره بذلك شيخه أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي، إمام أهل مكة ومفتيها - وقتذاك - وقال له: أفت يا أبا عبد الله؛ فقد والله آن لك أن تفتي. وكان الشافعي إذ ذاك له خمس عشرة سنة (٣).
ولابد لطالب العلم أن لا يفرق بين شيخ مشهور وآخر خامل غير معروف، بل يأخذ من الجميع.
قال الغزالي: فالاستنكاف عن الاستفادة إلا من المرموقين المشهورين هو عين الحماقة، فإن العلم سبب النجاة والسعادة، ومن يطلب
مهربًا من سبع ضار يفترسه لم يفرق بين أن يرشده إلى الهرب
مشهور أو خامل. فقد قال - ﷺ -: «الحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجد المؤمن ضالته فليجمعها إليه» وفي رواية أخرى عند الترمذي: «الكلمة
_________________
(١) مقدمة الفتح ص ٤٧٨، مقدمة القسطلاني ١/ ٢٧.
(٢) صفة الصفوة ٢/ ٢٥٠.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٥٠.
[ ٣٨ ]
الحكيمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها».
ومن أدبه مع أستاذه: الصمت الكثير، والاستماع الشديد، والتسليم، والصبر، وعدم تكرار شيء فهمه عنده، وعدم الإكثار من الأسئلة التي قد فهم جوابها، فقد قال الحسن بن علي ﵄ لابنه مؤدبًا إياه: يا بني! إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ولا تقطع على أحد حديثًا وإن طال حتى يمسك (١).
قال مالك: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعال فالبس ثياب العلم، فألبستني مسمرة، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن.
وكانت تقول: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.
_________________
(١) الإحياء ١/ ٥٠.
[ ٣٩ ]