بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على خاتم النبيين محمَّد، وعلى إِخْوانِهِ والملائكةِ والآلِ والصَّحْبِ أجمعين.
وبعد،
فهذه وَصِيَّةُ شيخِنا الامامِ العلَّامةِ تقي الدِّين، أبي الحسن علي بن عبد الكافي السُّبكي الشافعيِّ، لَوَلَدِه مُحَمَّدٍ حين تَوَجَّهَ قاضيَ وناظرَ الرَّكْبِ المصري إلى الحجاز سنة ست عشرة وسبعمائة فقال:
١ - بُنيَّ لا تُهْمِلْ نصيحتي التي أوصيكَ واسْمَعْ من مقَالِي تَرْشُدِ
٢ - احْفَظْ كتابَ الله والسُّنَنَ الَّتي صَحَّتْ وفِقْهَ الشافعيِّ مُحَمَّدِ
٣ - واعْلَمْ أصُولَ الفِقْهِ عِلْمًا مُحْكمًا يَهْدِيكَ لِلْبحْثِ الصَّحيحِ الأَيِّدِ
٤ - وَتَعلَّم النَّحْوَ الَّذي يُدْني الفتى مِنْ كُلِّ فَهْمٍ في القُران مُسَدَّدِ
٥ - وخُذِ العُلُومَ بِهِمَّةٍ وتَفَطُّنٍ وقَريحةٍ سَمْحَاءَ ذاتِ تَوَقُّدِ
٦ - واسْتَنْبِطَ المكْنُونَ مِنْ أَسْرارها وابْحَثْ عن المعنى الأَسَدِّ الأَرْشدِ
٧ - وعليكَ أرْبابَ العلوم فلا تكن في ضَبْطِ ما يُلْقُونَه بِمُفَنِّدِ
٨ - والزم كتابكَ دائمًا مُتفهمًا واهْجُر منامَكَ في طِلاب السُّؤددِ
٩ - واسلُك سبيلَ الشافعي ومالكٍ وأبي حنيفةَ في العُلُومِ وأَحْمَدِ
١٠ - واقْصِدْ بِعِلْمِكَ وَجْهَ رَبِّكَ خَالِصًا تَظْفَرْ بِسُبْلِ الصالحين وتَهْتَدِ
[ ١٥ ]
١١ - وتجنَّب اللهو الذي يُزْري الفتى وذَرِ الخَلاعةَ والمُجونَ مع الرَّدي
١٢ - واتبع صراط المُصْطفى في كُلِّ ما يَأْتي به من كُلِّ أمْرٍ تَسْعَدِ
١٣ - واخْشَ المهيمن وَأتِ ما يدْعُو إلَيْـ ـه وانْتَهِ عَمَّا نَهَى وتَزَهَّدِ
١٤ - وعليكَ بالورع الصحيح ولا تَحُمْ حَوْلَ الحِمى واقْنُتْ لِرَبِّكَ واسْجُدِ
١٥ - وصُن اللسان عن الخنا واحم الفواد عن الحرام وكُفَّ عن ظُلْمِ اليدِ
١٦ - ومكارمَ الأخلاقِ طُرًّا فأْتها مهما استطعت ووجهَ رَبِّكَ فاقْصدِ
١٧ - واجعل شعارك ثوب زُهْدٍ محكم واجعل دِثَارك ثوبَ عِلْمٍ ترتدي
١٨ - واملأ فؤادك من معارف ذاته حتى تنال من المقام الأَحْمَدِ
١٩ - واحفظ سلوكك لا تَزِلّ فإنه من زل يهوى في الجحيم ويَبْعُدِ
٢٠ - وارْفَعْ إلى الرَّحْمَنِ كُلَّ مُلِمَّةٍ بضراعةٍ وتَمَسْكُنٍ وتَعَبُّد
٢١ - واقْطَعْ عَنِ الأَسْبابِ قَلْبَك واصْطَبِرْ واشْكُرْ لِمَن أوْلاكَ خيرًا واحْمَدِ
٢٢ - وطريقةَ الشيخِ الجُنيد وَصَحْبِهِ والسَّالِكينَ طَرِيقَهُم بهمُ اقْتَدِ
٢٣ - وإذا أتتكَ مَقَالةٌ قَدْ خَالَفَتْ نَصَّ الكِتَابِ أو الحديثِ المُسْنَدِ
٢٤ - فَقِفْ عند الكتاب (١) ولا تَمِلْ عَنْهُ وقِفْ مُتَأَدِّبًا مَعْ كُل حَبْرٍ أَوْحَدِ
٢٥ - فَلُحُومُ أَهْلِ العِلْم سُمَّتْ للجُنا ةِ عَلَيْهِمُ فاحْفَظْ لِسانَك وابْعُدِ
٢٦ - واحفظ فؤادكَ أن تَبُوحَ بِسرِّه فَتظَلَّ من مِحَنِ الزمانِ بِمَرْصَدِ
٢٧ - فالعِلْمُ والأَدَبُ الجميلُ مع التُّقَى والحِلْمُ أفضلُ ما ارتداه المُرْتدي
٢٨ - هَذِي وَصِيتي التي أُوصِيكَهَا أكْرِمْ بها من والدٍ مُتَودِّدِ
٢٩ - وعليك مني ذو الجلال خليفةً فيما أُؤَمِّلُ من جميل المَقْصِدِ
٣٠ - فيقيكَ كُلَّ النائبات ويصطفي لك من لَدُنْهُ كل أَمْرٍ مُسْعدِ
_________________
(١) في الطبقات: "فاقْفُ الكتاب".
[ ١٦ ]
٣١ - ولقد عَزَمْتُ على الحجاز لحجَّةٍ تمحو من الآثام ما اكْتَسَبَتْ يدي
٣٢ - فلقد جنيتُ وما أقولُ جهالة ولقد عَصَيْتُ بِجُرْأَةٍ وتَعَمُّدِ
٣٣ - ولقد ركبتُ هوىً وغِبًّا مفرطًا ولقد زَلَلْتُ وما نَسِيتُ تَوعُّدِي
٣٤ - ولقد ظَلَمْتُ النَّفْسَ كُلَّ ظلامة فيحق لي آتي مقامَ مُحَمَّدِ
٣٥ - عَلَّ الرسولَ برحمةٍ وتَعَطُّفٍ يَسْتَغْفِر الرَّحْمن للقلب الصدي
٣٦ - وعسى لأجل المصطفى وبجاهه يرضى ويرحمني لذُلِّي سيِّدي
٣٧ - فلو أنَّ خَلْقَ اللهِ إن ظلموا أتوا هذا الرسولَ لكان أَعْذَبَ مَوْردِ
٣٨ - ولقد ظلمتُ وقد ظلمتُ وقد ظَلَمْتُ وقد أتيتُك يا كريمَ الموعد
٣٩ - فامنُن عليَّ بتوبةٍ وامنن بخا تمة الهُدى وامنن بفضل تغمُد
٤٠ - إن أَنْتَ لم ترحَمْ فمن هو راحم أو أنت لم تَغْفِرْ فمن للمعتدي
٤١ - ومن الذي يا سيِّدي أرجو لما عندي من الأَمْرِ المقيمِ المقعد
٤٢ - ما لي سوى تعفير خدي في ثرى بلدِ النبيِّ الهاشمي المَحْتدِ
٤٣ - في مَوْطِنِ القَدَمِ الشريفِ ومهبط الـ ـوحي الكريم فيا له من معهد
٤٤ - بَلَدٌ عليه من الجلالة والمهابة والسنا نور يضيءُ لمُتهِمٍ أو مُنْجِدِ
٤٥ - بَلَدٌ حوى كُلَّ المكارم والمناقب والمحامد والعُلا والسؤدد
٤٦ - بلدٌ له في الخافقين على العُلا شرفٌ مُنيفٌ فوق سعد الأسعدِ
٤٧ - بلدٌ إذا شاء الدنو لأجلنا يدنو إلى فوق السماك لمهتدِ
٤٨ - بلد له ولأَهْلِهِ ولصحبهم عند المليك الحق أصدق مقعدِ
٤٩ - بلد به جَذْبُ القلوب موكل فلتوبةٍ يشتاق كُلُّ مُوَحِّدِ
٥٠ - بلد به خيرُ الأنامِ وأَشْرَف الـ ـرسل الكرام وذو المفاخر في غدِ
٥١ - بلد الهدى فَبِهَدْيه (١) وبضوئه كُلُّ البرية تستضيءُ وتقتدي
_________________
(١) في الأصل هنا زيادة: (وبدله)، فلتحرر.
[ ١٧ ]
٥٢ - بلد به أزكى البقاع وخيرها جَدَثٌ يفوح بطيبه الندُ الندي
٥٣ - جدثٌ يُرى في أَرْض طيبةَ ثاويًا ومحله عند الرفيق الأَسْعَدِ
٥٤ - جدثٌ يفوق المادحين فوصفه مُعيٍ لكل موجز ومُقَصِّدِ
٥٥ - فبيثرب كل المُنا وبطيبة زال العنا بحلول ذاك المسجدِ
٥٦ - من ذا يؤمل مدح أرض مـ ـشتها قدمٌ تعلى فوق أعلى الفرقد
٥٧ - حسبي وحسب المادحين ترابها ولذاك غاية مدح كل مُجَوِّد
٥٨ - إني أُجِلُّ المصطفى عن مدحي الـ ـداني وأكرم أهلَ ذاك المشهدِ
٥٩ - لا يستطيع بلوغ عشر مديحه بشرٌ ولو كُلٌّ أتى بمنضد
٦٠ - يكفيك منه أن تُجِلَّ إلهه ثم احتكم مهما تشاءُ تعَدُدِ
٦١ - صلَّى عليه الله منه تحيةً يرضى الإِلهُ بها لهذا السَّيِّدِ
٦٢ - صلَّى عليه الله أيَّةَ ساعةٍ من كل وقت مُنْقَضٍ ومجدَّدِ
٦٣ - صلَّى عليه اللهُ خير تحيَّةٍ وأبرَّها من رايح أو مغتدي
* * *
[ ١٨ ]
تمت الوصية المباركة أعاد الله علي من بركة ناظمها وعلى المؤمنين.
وعدد أبياتها ثلاثة ونحو ستين بيتًا كتبتها عَجَلًا لضرورة أباحت ذلك، والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدي وحبيبي محمَّد - ﷺ -، وآله وصحبه وكرم.
علقها لنفسه ولمن شاء الله من بعده العبد الفقير إلى الله تعالى عبد القادر بن محمَّد بن عمر بن محمَّد بن يوسف بن عبد الله النعمي الحصني أصلًا الشافعي مذهبًا، الأشعري معتقدًا، القادري طريقة. أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة، آمين. وذلك وقت الغروب، والابتداء كان بعد العصر يوم الأحد ثاني رجب الحرام سنة ثمان وستين وثمانمائة بجسر العجل شرقي جامع منجك (١) رحم الله واقفه آمين، والحمد لله وحده (٢).
* * *
_________________
(١) جامع منجك بدمشق في حي الميدان الوسطاني -منطقة الجزماتية- شيَّده نائب دمشق الأمير ناصر الدين محمَّد بن إبراهيم بن سيف الدِّين منجك الكبير، وذلك سنة ٨١٠ هـ، وهو من مساجد العصر المملوكي. راجع: خطط الشام، أكرم العلبي، ص ٣٥٦؛ مآذن دمشق، قتيبة الشهابي، ص ١٦٩.
(٢) وجاء بالهامش الأيسر ها هنا ما يأتي: "شرحها بعض أكابر علماء الصوفية، وكان في السمصاطية فليطلب". * * * • تمَّت المقابلة قبيل أذان العصر بالمسجد الحرام بمكة المكرَّمة -حرسها الله- بقراءة الأخ المكرم الشيخ رمزي دمشقية حفظه الله تعالى ومتع به وبحضور ولدي أحمد بارك الله فيه. كتبه الفقير إلى الله نظام يعقوبي، ٢٢ رمضان المبارك ١٤٢٠ هـ.
[ ١٩ ]